تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

المنصور والفساد

- روي أنّ المنصور كان يطوف ليلا بالبيت، إذ سمع قائلا يقول:

اللهمّ إني أشكو إليك ظهور البغي والفساد في الأرض، وما يحول بين الحقّ وأهله من الطمع. فخرج المنصور فجلس ناحية من المسجد، وأرسل إلى الرجل، فصلّى ركعتين واستلم الركن ثم أقبل مع الرسول، فسلّم عليه بالخلافة. فقال له المنصور: ما الذي سمعتك تذكر من ظهور الفساد والبغي في الأرض، وما الذي يحول بين الحقّ وأهله من الطمع؟ قال: إن أمّنتني يا أمير المؤمنين أعلمتك بالأمور من أصولها، وإلّا اقتصرت على نفسي؛ قال: فأنت آمن على نفسك. قال: يا أمير المؤمنين، إنّ الله استرعاك أمر عباده وأموالهم، فجعلت بينك وبينهم حجابا من الجصّ والآجرّ، وأبوابا من الحديد، وحرّاسا معهم السلاح، ثم سجنت نفسك عنهم؛ وبعثت عمالك في جباية الأموال وجمعها، وأمرت أن لا يدخل عليك من الناس إلّا فلان وفلان، ولم تأمر بإيصال المظلوم والملهوف إليك؛ ولا أحد إلّا وله في هذا المال حقّ، فلما رآك هؤلاء النفر الذين استخلصت لنفسك، وآثرتهم على رعيتك، وأمرتهم أن لا يحجبوا دونك، تجبي الأموال وتجمعها قالوا: هذا قد خان الله، فما لنا لا نخونه، وائتمروا ألّا يصل إليك من أخبار

الناس إلّا ما أرادوا، ولا يخرج لك عامل إلّا خوّنوه عندك، وبغوه حتى تسقط منزلته؛ فلما انتشر ذلك عنهم وعنك أعظمهم الناس وهابوهم وصانعوهم، وكان أوّل من صانعهم عمّالك بالهدايا والأموال ليقووا بها على ظلم رعيّتك؛ ثم فعل ذلك ذوو القدرة والثروة من رعيّتك ليتناولوا ظلم من دونهم، فامتلأت بلاد الله بغيا وفسادا، وصار هؤلاء القوم شركاءك، وأنت غافل. فإن جاء متظلّم حيل بينه وبينك، وإن أراد رفع قصّته إليك وجدك قد نهيت عن ذلك، ووقّفت للناس رجلا ينظر في مظالمهم، فإن جاء ذلك الرجل المتظلّم فبلغ بطانتك خبره، سأل بطانتك [صاحب المظالم] أن لا يرفع مظلمته إليك، فلا يزال المظلوم يختلف إليه ويلوذ به ويشكو ويستغيث و [هو] يدفعه، فإذا جهد وأخرج ثم ظهرت طرح بين يديك، فيضرب ضربا مبرحا حتى يكون نكالا لغيره، وأنت تنظر فلا تنكر، فما بقاء الإسلام على هذا؟ وقد كنت يا أمير المؤمنين أسافر إلى الصين، فقدمتها مرة وقد أصيب ملكهم بسمعه، فبكى يوما فحداه جلساؤه على الصبر فقال: أمّا إنّي لست أبكي للبليّة النازلة، ولكنّي أبكي لمظلوم يصرخ فلا أسمع صوته؛ فأمّا إذ ذهب سمعي فبصري لم يذهب؛ نادوا في الناس ألّا يلبس ثوبا أحمر إلّا مظلوم. ثم كان يلتفت طرفي النهار هل يرى مظلوما. فهذا يا أمير المؤمنين مشرك بالله بلغت رأفته بالمشركين هذا المبلغ، وأنت مؤمن بالله ثم من أهل بيت نبيّه ﷺ، لا تغلبنّك رأفتك بالمسلمين على شحّ نفسك. قال: فبكى المنصور ثم قال: ويحك كيف احتيالي لنفسي؟ قال: يا أمير المؤمنين، إنّ للناس أعلاما يفزعون إليها في دينهم فيرضون بها في دنياهم، فاجعلهم بطانتك

يرشدوك، وشاورهم يسدّدوك. قال: قد نفذت إليهم فهربوا مني، قال: خافوا أن تحملهم على طريقتك؛ ولكن افتح بابك، وسهّل حجابك، وانصر المظلوم، واقمع الظالم، وخذ الفيء والصدقات على وجهها، وأنا ضامن عنهم أن يأتوك ويسعدوك على صلاح الأمة. وجاء المؤذنون فسلّموا عليه فصلّى وعاد إلى مجلسه؛ وطلب الرجل فلم يجده.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.