من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
حكايات في العدل والجور
- رفعت قصص إلى المهديّ، فإذا قصة مكتوب عليها: قصة صاحب السمكة، فقال: ما هي؟ قال الربيع: بينا أبوك مشرفا على دجلة إذ بصر بملّاح صاد سمكة، فوجّه خادما إليه ليشتريها، فاستامها بدينار، فأبى وباعها من تاجر باثني عشر درهما، فاستحضر التاجر وقد شوى السمكة فأخذها منه وأكلها وقال له: لو لم يكن معك مال لما اشتريت سمكة باثني عشر درهما، وأمر خادمه أن يذهب إلى منزله ويحمل ما أصاب في صناديقه، فجاء ببدرتين فقال: أنا رجل معيل وعليّ مؤونة، فأعطاه منها أربعمائة درهم يتعيّش بها. فأمر المهدي أن تطلب البدرتان في بيت المال فجيء بهما مكتوب عليها: مال صاحب السمكة.
فقال المهدي: اجعل أبي في حلّ فإنه كان مسرفا على نفسه وخذ المال.
- لقي سفيان الثوري شريكا بعدما استقضي فقال: يا أبا عبد الله، بعد الإسلام والخير والفقه تلي القضاء؟! فقال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من قاض، قال: يا أبا عبد الله لا بدّ للناس من شرطي.
- قيل: لم يرتش حكم في الجاهلية غير ضمرة بن ضمرة النهشلي، تنافر إليه عباد بن أنف الكلب الصيداوي ومعبد بن نضلة الفقعسي، فرشاه عباد مائة بعير فنفّره على معبد.
- قال الحسن: كان القاضي في بني إسرائيل إذا اختصم إليه الخصمان رفع أحدهما الرشوة في كمّه، فأراه إياها فلا يسمع إلّا قوله. فأنزل الله تعالى: (سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ)
(المائدة:).
- قال الحجاج لبعض الدهاقين من الريّ: ما بال بلد كم قد خرب؟
فقال: لأنّ عمالكم استعملوا فيه قول شاعركم:
لا تكسع الشّول بأغبارهاإنك لا تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانهافإنّ شرّ اللبن الوالج
- روي أنّ أبرويز نزل بامرأة متنكرا، فحلبت له بقرة، ورأى لها لبنا كثيرا. فقال للمرأة: كم يلزمك في السنة للسلطان عن هذه البقرة؟ فقالت:
درهم واحد. قال: وأين ترتع؟ وبكم منها ينتفع؟ قالت: ترتع في أرض السلطان، ولي منها قوتي وقوت عيالي. فجعل في نفسه أن يجعل إتاوة على البقرة، فما لبث أن قالت المرأة: أوه إن سلطاننا همّ بجور، فقال أبرويز لها:
ولمه؟ قالت: إنّ درّة البقرة انقطعت، وإنّ جور السلطان مقتض لجدب الزمان كما أنّ عدله مقتض لخصب الزمان. فأقلع أبرويز عما همّ به.
كتب أخ لمحمد بن يوسف الأصفهاني إليه من أصفهان، يشكو إليه
جور السلطان، فكتب إليه محمد: أما بعد، فهمت كتابك وما ذكرت فيه، وليس ينبغي لمن عمل الذنب أن ينكر العقوبة.
قدم مرزبان من مرازبة القرى على أبي عبد الله وزير المهدي فقال:
ولّيت علينا رجلا، إن ولّيته وأنت تعرفه فما خلق الله رعية أهون عليك منا، وإن لم تعرفه فما هذا جزاء الملك الذي ولّاك أمره، وسلّطك على ملكه. فدخل الوزير على المهديّ وخرج وقال: هذا رجل كان له علينا حقّ فكافأناه فقال:
أصلحك الله، إنّ على باب كسرى ساجة منقوشة بالذهب مكتوبا عليها: العمل للكفاة، وقضاء الحقوق على بيوت الأموال، فأمر بعزله.
- قيل لمعاوية: إنّ أبا مسلم الخولانّي يطوف ويبكي على الإسلام، فقال له: سمعت أنك تطوف وتبكي على الإسلام، فقال: نعم، ما اسمك؟ قال: معاوية.
قال: يا معاوية إن عملت خيرا جزيت خيرا، وإن عملت شرّا جزيت شرّا، إنك لو عدلت بين أهل الأرض ثم جرت على واحد منهم لما وفى جورك بعدلك.
قال سليمان بن علي لعمرو بن عبيد: ما تقول في أموالنا التي نصرفها في سبيل الخير؟ فأبطأ عمرو في الجواب يريد به وقار العلم ثم قال: إنّ من نعمة الله على الأمير أنه أصبح لا يجهل أنّ من أخذ الشيء من حقه، ووضعه في وجهه، فلا تبعة عليه غدا. فقال: نحن أحسن ظنا بالله منكم، فقال: أقسم على الأمير بالله ﷿ هل يعلم أحدا كان أحسن ظنا بالله من رسوله؟ قال:
لا، قال: فهل علمته أخذ شيئا قطّ من غير حلّه ووضعه في غير حقه؟ قال:
اللهم لا، قال: حسن الظنّ بالله أن تفعل ما فعل رسول الله ﵇.
قيل: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه ﵈: إذا عصاني من يعرفني سلّطت عليه من لا يعرفني.
- قال ابن عباس: ليس للظالم عهد فإن عاهدته فانقضه، فإنّ الله ﷿ يقول (لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
(البقرة:).
- قدم المنصور البصرة قبل الخلافة فنزل بواصل بن عطاء فقال: إنّ أبياتا بلغتني عن سليمان بن يزيد العدوي في العدل، فمرّ بنا إليه. فأشرف عليهم من غرفة فقال لواصل: من هذا الذي معك؟ قال عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقال: رحب على رحب، وقرب إلى قرب. فقال: يحبّ أن يسمع أبياتك في العدل فأنشده:
حتى متى لا نرى عدلا نسرّ بهولا نرى لولاة الحقّ أعوانا
مستمسكين بحقّ قائمين بهإذا تلوّن أهل الجور ألوانا
يا للرّجال لداء لا دواء لهوقائد ذي عمى يقتاد عميانا
فقال المنصور: وددت أني رأيت يوم عدل ثم متّ.
قال ابن المبارك: فهلك أبو جعفر والله وما عدل.
- استعدت أروى بنت أويس مروان بن الحكم على سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل وقالت: أخذ حقّي فأدخله في أرضه، فقال سعيد: كيف أظلمها وقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوّقه الله من سبع أرضين يوم القيامة. وترك لها سعيد ما ادعت ثم قال: اللهم إن كانت أروى ظلمتني فأعم بصرها واجعل قبرها في بيتها، فعميت وخرجت في بعض حاجاتها فوقعت في البئر فماتت. ولما عميت سألت سعيدا أن يدعو لها وقالت: إني قد ظلمتك فقال: لا أردّ ما أعطانيه الله.
روى عمر عن النبيّ ﷺ: إذا جار الحاكم قلّ المطر، وإذا غدر بالذمّة ظفر العدوّ، وإذا ظهرت الفاحشة كانت الرّجفة.
- قال أحمد بن نصير: قدّم إليّ مجوسيّ لأضربه فقال: يا هذا اضرب بقدر ما تقوى عليه، يريد القصاص في الآخرة، فتركته وتركت عمل السلطان.
- قال خياط لابن المبارك: أنا أخيط ثياب السلاطين، فهل تخاف عليّ أن أكون من أعوان الظّلمة؟ قال: لا، إنما أعوان الظلمة من يبيع منك الخيط والإبرة، أما أنت فمن الظّلمة أنفسهم.
خطب المهديّ يوما فقال: عباد الله اتقوا الله، فقام رجل فقال:
وأنت فاتق الله، فإنك تعمل بغير الحقّ. فأخذ الرجل وأدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة تقول لي وأنا على المنبر اتق الله؟ فقال الرجل: سوءة لك، لو غيرك قالها كنت المستعدى عليه قال: ما أراك إلّا نبطيّا قال: ذاك أوكد للحجّة عليك أن يكون نبطيّ يأمرك بتقوى الله.
- قال عبد العزيز العمري للمهدي: اعلم أنّ دوابك التي تركب تمسح بالمناديل، ويبرّد لها الماء، وينقّى لها العلف، فتعجبك شحومها وبريقها وحسن ألوانها، ودينك أعجف قاتم أغبر، والله لو رأيته لساءك منظره.
ذكر هشام عند محمد بن كعب القرظي وثمّ محمد بن علي بن الحسين فوقع فيه، فقال القرظي: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون. إنّ
ملكا من ملوك بني إسرائيل عتا عليهم فانطلق نفر منهم إلى حبرهم وقالوا:
تخرج عليه. فقال: ليس بأسيافكم ترجون أن تنالوا ما تريدون، ولكن انطلقوا فصوموا عشرا، وقوموا ولا تظلموا فيها أحدا ولا تطؤوا فيها امرأة. فجاءوا بعد عشر فقال: زيدوا عشرا أخر، فلم يزالوا حتى بلغوا أربعين. ثم قال لهم:
اجتمعوا وادعوا الله أن يكفيكم ففعلوا. فدعا الملك ببرذون له، وأمر سائسه بإسراجه، فتشاغب وامتنع البرذون، فغضب الملك وقام وأسرجه وركبه، فجمح به حتى ألقاه فتقطع وهلك. فقال الحبر: هكذا إذا أردتم أن تقتلوا من ظلمكم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع