تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ونذكر الآن ما جاء من كلام الحكماء والأدباء ونظم الشعراء في العقل والعاقل والجهل والجاهل، وأخبارا تناسب ذلك وتجري معه إن شاء الله تعالى

قال أبو سليمان محمد بن بهرام السجستاني المنطقي: الناس أصناف في عقولهم، فصنف عقولهم مغمورة بشهواتهم، فهم لا يبصرون بها إلّا حظوظهم المعجّلة، فلذلك يكيسون في طلبها ونيلها، ويستعينون بكلّ طاقة ووسع على الظّفر بها. وصنف عقولهم متنبّهة لكنّها مخلوطة بسنات الجهل، فهم يحرصون على الخير واكتسابه ويخطئون كثيرا، وذلك أنهم لم يكملوا في جبلّتهم الأولى، وهذا نعت موجود في العبّاد الجهلة والعلماء الفجرة، كما أنّ النعت الأول موجود لطالبي الدنيا بكلّ حيلة ومحالة. وصنف عقولهم ذكيّة متلهّبة لكنها عميّة عن الآجلة، فهي تدأب في نيل الحظوظ بالعلم والمعرفة، والوصايا اللطيفة، والسمعة الربّانية. وهذا موجود في العلماء الذين لم تثلج صدورهم بالعلم، ولا حقّ عندهم الحقّ اليقين، وقصروا عن حال أبناء الدنيا الذين يشيمون في طلبها السيوف الحداد، ويطيلون إلى نيلها السواعد الشداد، فهم بالكيد والحيلة يسعون في طلب اللذاذة والراحة. وصنف عقولهم مضيئة بما

فاض عليها من عند الله باللطف الخفيّ، والاصطفاء السنيّ، والاجتباء الذكي، فهم يحلمون بالدنيا ويستيقظون بالآخرة، فتراهم حضورا وهم غيّب، وأشباها وهم متباينون، وكلّ صنف من هؤلاء مراتبهم مختلفة، وإن كان الوصف قد جمعهم باللفظ. وهذا كما تقول الملوك ساسة، ولكلّ واحد منهم في حاله خاصة، وهؤلاء شعراء ولكلّ واحد منهم بحر، وهؤلاء بلغاء ولكلّ واحد منهم أسلوب، وهؤلاء علماء ولكلّ واحد منهم مذهب.

- وقيل: العقل عقلان: فعقل تفرّد الله ﷿ بصنعه، وعقل يستفيده المرء بأدبه وتجربته. ولا سبيل إلى العقل المستفاد إلّا بصحة العقل المركّب في الجسد، فإذا اجتمعا قوّى كلّ واحد منهما صاحبه تقوية النار في الظلمة نور البصر.

قال سهل بن هارون، فيما ترجمه عن الحكماء: إنّ المعرفة لا تحيط بمقدار عقل في إنسان، حتى إذا أراد واصف أن يصفه لم يتجاوز حدّه إلى زيادة ولم يقصّر عنه نقصان. وذلك أنّ العقل ثبات المعرفة، وقد يوجد الإنسان ثابت المعرفة بشيء وغير ثابتها بشيء آخر، فلا يقدر على إحصاء ما تثبت فيه معرفة المرء مما لا تثبت إلّا الخالق، غير أنّ قلوب ذوي الألباب موازين معرفتها لا يزن بها أحد بعد اختباره وصحة الفهم له إلّا كادت أن تضعه في ميزان عدل منها.

وللقلوب في ذلك بما طوّقت من الفهم فضل على الألسن بما طوّقت من النطق وإن كانت تراجمة للقلوب. ألا ترى أنّ قائلا لو اجتهد في وصفه لما أتى على كنه معرفة قلبه، وليس ذلك لكلال من اللسان يلزمه عيبه، ولكنّ الفهم ألطف منه مدخلا وأدقّ مسلكا.

ب- قال: وسبب زيادة الفهم على المنطق أنّ اللسان رسول والقلب مرسل، ولا يقوم الرسول مقام المرسل.

ج- قال: والعقل صيغة موجودة في ضريبة الإنسان، ليس باكتساب.

د- قال: وموضع اللائمة للجاهل أنّ الجهل لو كان موجودا لا عقل معه لسقطت اللوائم عن صاحبه، ولكنّه يكون للمرء جزء من العقل فيلزمه من اللوم بقدر ما أضاعه بذلك الجزء، فإن كلّفه مكلّف أكثر من طاقة عقله فقد ظلمه، وهذا كثير في الناس: أن يؤنّبوا أهل النقص بأكثر من مقدار ما يلزمهم.

وإنما يؤتى اللائم في ذاك من قلّة معرفته بمقدار ما يسعه عقل الملوم، فيكلّفه فوق طاقته. ألا ترى أنّ الذنوب إذا أصابها مصيب كشف الحكام وجوهها فميّزت الجهل من غيره، فحكمها في العمد وهو ارتكاب الذنب مع المعرفة به العقوبة، وفي الخطأ إزالة العقوبة، ويسقط مع ذلك عنه المأثم.

هـ- قال: والعقل أمّ لكلّ عمود، وجنّة من كلّ مذموم، حياة النفس وراحة البدن، مدّته إلى السرور، وأيامه إلى السلامة، جامع شمل المواهب، وراجع فوت كلّ ذاهب، كنف للرحمة، ومفتاح للهدى، آخية المودّة بين الصالحين، والساقط بالظنّ على اليقين، زارع الخير، ومثمّر الغبطة، وحامي الهوى عن مراتع الهلكة، لا يخبو نوره، ولا تكبو زناده، يجنيك ثمرة العافية، ويقيك محذور العاقبة، مستصحب الصّنع وقرين التوفيق، ديوان للخيرات، ومعدن للصالحات، عليه معوّل المحروم، وفيه عوض من المعدوم.

و قال: ووجدت مودّة الجاهل وعداوة العاقل أسوة في الخطر،

ووجدت الأنس بالجاهل والوحشة من العاقل سيّان في العيب، ووجدت ظنّ العاقل أوقع بالصواب من يقين الجاهل. ووجدت غشّ العاقل أقلّ ضررا من نصيحة الجاهل، ووجدت العاقل أحفظ لما لم يستكتم من الجاهل لما استكتم.

- قال علي بن أبي طالب ﵇: قطيعة الجاهل تعدل صلة العاقل. وقال: صديق الجاهل في تعب.

- وقال آخر: لأنا للعاقل المدبر أرجى منّي للأحمق المقبل.

- وقيل: كلّ شيء يعزّ إذا قلّ، والعقل كلما كان أكثر كان أعزّ وأغلى.

- وقيل لبعضهم: ما جماع العقل؟ فقال: ما رأيته مجتمعا في أحد فأصفه، وما لا يوجد كاملا فلا حدّ له.

- قال الزبيري: إذا أنكرت عقلك فاقدحه بعاقل.

- ودخل عبد العزيز بن زرارة الكلابيّ على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين، جالس الألباء، أعداء كانوا أو أصدقاء، فإنّ العقل يقع على العقل.

- وقال الأحنف: إني لأجالس الأحمق فأتبيّن ذلك في عقلي.

- وقالوا: أول أمر العاقل آخر أمر الجاهل.

- وقيل: عظمت المؤونة في عاقل متجاهل وجاهل متعاقل.

- قيل لبعضهم: العقل أفضل أم الجدّ؟ فقال: العقل من الجدّ.

- وقال بعضهم: لا ينبغي للعاقل أن يطلب طاعة غيره، وطاعة نفسه عليه ممتنعة.

- وقال بكر بن المعتمر: إذا كان العقل تسعة أجزاء احتاج إلى جزء من جهل ليقدم على الأمور، فإنّ العاقل أبدا متوان متوقف، مترقّب متخوّف.

وهذا الكلام كأنه مأخوذ من قول النابغة الجعدي:

ولا خير في حلم إذا لم يكن لهبوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي عوجا ساعة وتهجرا»

- قال أعرابي: ما تمّ عقل أحد إلّا قلّ كلامه.

- وقال آخر: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء، آنس منه بلين العيش مع السفهاء.

وقال آخر: استشر عدوّك العاقل ولا تستشر صديقك الأحمق فإنّ العاقل يتقي على رأيه الزلل كما يتقي الورع على دينه الحرج.

- قيل لحكيم: ما العقل؟ قال: الإصابة بالظنّ، ومعرفة ما لم يكن بما كان.

- قال أرسطاطاليس: العاقل يوافق العاقل، والجاهل لا يوافق العاقل ولا الجاهل، ومثال ذلك المستقيم الذي ينطبق على المستقيم فأما المعوج فإنه لا ينطبق على المعوج ولا على المستقيم.

- قال سابور: لما رأيت تأتّي الأشياء لذوي الجهل على جهلهم وانصرافها عن ذوي الألباب والعقول، علمت أنّ المدبّر غيرهما، وأنها جارية بغير تدبير من العاقل والأحمق.

ب- قال أردشير: نموّ العقل بالعلم.

قال أكثم بن صيفيّ: عدوّ الرجل حمقه، وصديقه عقله.

- ومن أمثالهم في الحمق: خرقاء عيّابة.

وقالوا: معاداة العاقل خير من مصادقة الأحمق.

- قال الشاعر: عدوّك ذو العقل خير من الص صديق لك الوامق الأحمق - والبيت السائر:

ولأن يعادي عاقلا خير لهمن أن يكون له صديق أحمق
للشاعر صالح بن عبد القدوس، من قصيدة «المرء يجمع و الزمان يفرق»

- ومن أمثال العرب في الحمق:

(أ) خامري أمّ عامر، وهي الضبع تزعم العرب أنها من أحمق الدوابّ.

(ب) خرقاء وجدت صوفا: يضربونه للرجل يجد مالا فيعيث.

(ج) وشبيه به: عبد وحلى في يديه.

- ويضربون المثل في الحمق بعجل بن لجيم ويزعمون أنه قيل له: إنّ لكلّ فرس جواد اسما، وإنّ فرسك هذا سابق فسمّه، ففقأ إحدى عينيه وقال:

قد سميته الأعور، وفيه يقول الشاعر:

رمتني بنو عجل بداء أبيهموهل أحد في الناس أحمق من عجل
أليس أبوهم عار عين جوادهفسارت به الأمثال في الناس بالجهل

- قيل: ما أعدمك من الأحمق فلا يعدمك منه كثرة الالتفات، وسرعة الجواب. ومن علاماته الثقة بكلّ أحد.

- ويقال: إنّ الجاهل مولع بحلاوة العاجل، غير مبال بالعواقب، ولا معتبر بالمواعظ، ليس يعجبه إلّا ما ضرّه، إن أصاب فعلى غير قصد، وإن أخطأ فهو الذي لا يحسن غيره. لا يستوحش من الإساءة، ولا يفرح بالإحسان. [كلما حسنت نعمة الجاهل ازداد فيها قبحا]. غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. العاقل إذا تكلم بكلمة أتبعها مثلا، والأحمق إذا تكلّم بكلمة أتبعها حلفا. الأحمق إذا حدّث ذهل، وإذا تكلّم

عجل، وإذا حمل على القبيح فعل.

- وقال أبو يوسف: إثبات الحجّة على الجاهل سهل، ولكنّ إقراره بها صعب.

- وقد رضي قوم بالجهل فقالوا: ضعف العقل أمان من الغمّ؛ وقالوا: ما سرّ عاقل قط.

- وقال المتنبي:

من لي بعيش الأغبياء فإنهلا عيش إلّا عيش من لا يعلم
للشاعر ابن نباتة السعدي، اقرأ القصيدة

قال خالد بن صفوان: ينبغي للعاقل أن يمنع معروفه الجاهل واللئيم والسفيه، أما الجاهل فلا يعرف المعروف والشكر، واللئيم كأرض سبخة لا تنبت ولا تصلح، والسفيه يقول أعطاني فرقا من لساني.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.