من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (٧)
- كان يعقوب بن المهديّ محمّقا، وكان يخطر بباله الشيء فيكتبه، ثم يثبت تحته: إنه ليس عندنا، وإنما أثبتّه ليكون ذكره عندنا إلى أن نملكه.
فوجد له في دفتر: ثبت ما في الخزانة من الثياب المقّلة السكندريّة الهاشمية: لا شيء، أستغفر الله، بلى عندنا زرّ من جبّة كانت للمهديّ. الفصوص الياقوت الحمر التي من حالها وقصّتها كذا وكذا: لا شيء، أستغفر الله، بلى عندنا درج كان فيه خاتم للمهدي هذه صفته. فحمل ذلك الدفتر إلى المأمون فضحك حتى فحص برجله وقال: ما سمعت مثل هذا قطّ.
- كان معاوية بن مروان أخو عبد الملك ضعيفا، فقال له خالد بن يزيد بن معاوية: يا أبا المغيرة ما أهونك على أخيك، لا يولّيك ولاية. قال: لو أردت لفعل، قال: كلا، قال: بلى والله، قال: فسله أن يولّيك بيت لهيا، قال:
نعم. فغدا على عبد الملك فقال له: يا أمير المؤمنين: ألست أخاك؟ قال: بلى والله إنك لأخي وشقيقي، قال: فولّني بيت لهيا قال: متى كان عهدك بخالد؟ قال:
عشية أمس قال: إيّاك أن تكلّمه. ودخل خالد فقال له: كيف أصبحت يا أبا المغيرة؟ فقال: قد نهانا هذا عن كلامك، فغلب عبد الملك الضحك، فقام وتفرّق الناس.
ب- وأفلت لمعاوية هذا باز فصاح: أغلقوا أبواب المدينة لا يخرج.
وقال له رجل: أنت الشريف ابن أمير المؤمنين، وأخو أمير المؤمنين، وابن عمّ أمير المؤمنين عثمان، وأمك عائشة بنت معاوية، قال: فأنا إذن مردّد في بني اللخناء تردادا. وصودر على ثمانية آلاف ألف دينار، وبقيت له بقية صالحة بعدها.
- وكان ابن الجصاص مع يساره وسعة حاله، وتمكّنه من دولة المقتدر وغيرها، موصوفا بالجهل. قال لابن الفرات يوما: أعزّ الله الوزير، امنع هؤلاء الزنادقة من الاجتماع فقد بلغني أنهم يتكلمون بالكبائر، قال: وما الذي يقولون؟ قال: بلغني أنهم يقولون إنّ الصور ليس هو من قرن.
ب- وسمع آية من القرآن في بعض المجالس فقال: حسن والله، هاتوا دواة وقرطاسا أكتب هذا، فقالوا له: هذا من القرآن، وفي دارك خمسون مصحفا، فكتبها وقال: لكلّ جديد لذة. وبعث بها إلى معلّم ولده وأمره أن يحفّظهم ذلك.
ج- وكتب إلى وكيل له بأن يحمل مائة منّ قطنا، فحملها فلما حلجت استقلّ الحليج، وكتب إلى وكيله: إنه لم يحصل من هذا القطن إلّا ربعه، فلا تزرع بعدها قطنا بحبّه وازرع الحليج، ويكون معه أيضا شيء من الصوف.
د- وعرض على بعض الخلفاء عقدا مثمنا فقال: هل رأيت في عرس أمّك مثله؟
هـ- ودخل يوما على ابن الفرات فقال له: يا سيدي عندنا في الجزيرة كلاب لا يتركونا ننام من الصياح والقتال، قال: أحسبهم جراء، قال: لا تظنّ ذلك أيها الوزير كلّ كلب مثلي ومثلك.
و وكانت في فمه درّة وأراد أن يبصق، فبصق على الخليفة، ورمى بالدرّة في دجلة وهو يظنّ أنه قد ناول الخليفة الدرّة، وبصق في الماء.
ز- وقال بعضهم: اطلعت يوما عليه وهو يقرأ في المصحف ويبكي وينتحب ويشهق، فقلت: ما لك؟ قال: أكلت اليوم مع الجواري المخيض بالبصل فآذاني فلما رأيت في المصحف (يسألونك عن المخيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المخيض) قلت: ما أعظم قدرة الله قد بيّن كلّ شيء حتى أكل اللبن مع الجواري.
ح- وقرأ مرة في المصحف فجعل يقول: رخيص، رخيص. فقيل له في ذلك فقال: ويحك ما ترى تفضّل الله تعالى يقول (ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا)
(الحجر:) ما هذا رخيص؟
ط- وكان يدعو ويقول: اللهمّ أرخص السوق على الدقيق، اللهمّ إنك تجد من تغفر له غيري، ولا أجد من يعذبني سواك، حسيبي الله. اللهم امسخني حورية، وزوّجني من عمر بن الخطاب. فقالت زوجته: اسأل الله أن يزوّجك من النبي صلّى الله عليه وعلى آله إن كان ولا بد، قال: لا أحبّ أن أصير ضرّة عائشة.
ي- ودخل ابن الجصاص على الوزير وبيده نبق مليح فسلّمه إليه وقال:
تفيّلت بأن تبقىفأهديت لك النبقا
فقال له الوزير: يا أبا عبد الله ما تفيّلت ولكن تمعّزت. فضحك من حضر ولم يفطن ابن الجصاص.
- حجّ خراساني من أهل السنة، فلما حضر الموسم أخذ دليلا يدلّه على المناسك، فلما فرغ أعطاه شيئا يسيرا لا يرضيه، فأخذه منه ثم جاء به إلى بعض الأركان، فنطح الركن برأسه، فقال له الخراساني: ما هذا؟ قال: كان معاوية يأتي هذا الركن فينطحه برأسه، وكلما كانت النطحة أشدّ كان الأجر أعظم، فشدّ الخراساني على الركن ونطحه سالت الدماء منها على وجهه، وسقط مغشيّا عليه، فتركه الرجل ومرّ.
- قال بعضهم لأبيه: يا أبت قد علمت أنّ الرماديّة الذين يبولون في الرماد، فما القدرية؟ قال الذين يخرون في القدور.
كان في المدينة غلام يحمّق، فقال لأمّه: يوشك أن تريني عظيم الشأن، قالت: وكيف؟ فو الله ما بين لابتيها أحمق منك. فقال: والله ما رجوت هذا الأمر إلّا من حيث يئست منه، أما علمت أنّ هذا زمان الحمقى وأنا أحدهم؟! - جاء حائك إلى الأعمش فقال: ما تقول في الصلاة خلف الحائك؟
قال: لا بأس بها على غير وضوء، قال: فما تقول في شهادته؟ قال: تقبل شهادته مع شاهدين عدلين، فقال الحائك: هذا ولا شيء واحد.
- وقد أكثر الناس في رمي الحاكة بالنقص حتى قيل عن بعض العلماء انه قال: عقل سبعين امرأة عقل رجل واحد، وعقل سبعين حائكا عقل امرأة واحدة.
- وقال ميمون بن مهران: السلام على الحائك يوهن العقل الركين.
- قيل لبعضهم: قد رزقت ابنا فاختر له كنية فقال كنّوه: أبو عبد ربّ السموات السّبع وربّ العرش العظيم.
وقال جمين لرجل: أبو من؟ قال: أبو عبد الكريم الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه. فقال: مرحبا بك يا نصف القرآن، ارتفع.
وسمّى رجل بأذربيجان ابنه: عبد من الأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويّات بيمينه.
- جاز جحا بقوم وفي كمه خوخ فقال لهم: من أخبرني بما في كمي فله أكبر خوخة فيه، فقالوا: خوخ، فقال: ما قال لكم إلّا من أمّه زانية.
ب- وقال له أبوه يوما: احمل هذا الحبّ فقيّره، فذهب به وقيّره من خارج. فقال أبوه: أسخن الله عينك، رأيت من قيّر الحبّ من خارج، قال جحا: إن لم ترض به عافاك الله فاقلبه مثل الخفّ حتى يصير القير من الداخل.
ج- وخرج يوما بقمقم يستقي فيه من ماء النهر، فسقط من يده وغرق، فقعد على شطّ النهر، فمرّ به صاحب له فقال: ما يقعدك ها هنا؟ قال:
قمقم لي قد غرق، وأنا أنتظر أن ينتفخ ويطفو فوق الماء.
- سئل الشيرجي عن أربعين رأسا نصفها ضأن ونصفها ما عز ما الذي يجب فيها؟ قال: يجب فيها شاة نصفها ضأن ونصفها ماعز.
- جازت جارية بجامع الصيدلاني فقالت: قد فني البزر، فقال:
كيف يبقى وأنتم تقعدون حوله عشرة عشرة.
ب- ودخل السوق يوما يشتري لابنته نعلا فقالوا: كم سنّها؟ فقال:
لا أدري غير أنها في حاميم السجدة.
- قال: اجتاز سيفويه القاص بباب شوكيّ، فوطىء الشوك ودخل في رجله شوكة، فقال للشوكيّ: اجعلني في حلّ من هذه الشوكة فإني لست أقدر على إخراجها في هذه الساعة فكنت أردّها عليك.
ب- وصلّى سيفويه بقوم وسلّم عن يمينه ولم يسلّم عن يساره، فقيل له في ذلك فقال: كان في ذلك الجانب إنسان لا أكلّمه.
- وكان عبد الأعلى القاص يتكلّف لكلّ شيء اشتقاقا فقال: الكافر إنما سمّي كافرا لأنه اكتفى وفرّ. قيل له: بماذا اكتفى؟ ومن أي شيء فرّ؟
قال: اكتفى بالشيطان وفرّ من الله سبحانه.
ب- وقال: سمّي الزنديق زنديقا لأنه وزن فدقق. وسمّي البلغم لأنه بلاء وغم، وسمي الدرهم درهما لأنه داء وهم، وسمي الدينار دينارا لأنه دين ونار؛ وسمي العصفور عصفورا لأنه عصى وفر. وسمي الطفشيل طفشيلا لأنه طفا وشال. وسمّي نوح نوحا لأنه ناح على قومه، وسمّي المسيح مسيحا لأنه مسح الأرض صلّى الله عليه.
»
- استفتي بعض الحمقى في إتيان النساء في أدبارهنّ فقال: مالك يبيحه، وغيره من الفقهاء يقول: إنه إذا استكرهت المرأة عليه وجب على الزوج أن يزيد في صداقها عشرة دراهم، وإن كان ذلك برضى منها نقص منه عشرة دراهم. والتفت إلى ابن له حاضر وأشار إليه فقال: تزوجت أمّ هذا على اثني عشر ألف درهم عقدت بها على نفسي، وقد حصل لي الآن عليها أربعمائة وخمسون درهما.
- حلق بعض القصّاص لحيته وقال: إنها نبتت على معصية. وقيّر آخر إحدى عينيه وقال: النظر بهما إسراف.
- وكان بعضهم يتشدد في خلق القرآن، فسئل عن معاوية أمخلوق هو؟ قال: كان إذا كتب الوحي غير مخلوق، وإذا لم يكتبه كان مخلوقا.
- وكان بالشام قاصّ يقول: اللهم أهلك أبا حسان الدقاق، فإنه يتربّص بالمسلمين ويغلي أسعارهم، ومنزله أول باب الدرب على يسارك.
- قال أبو سالم القاص: لو كانت هند بنت عتبة حين لاكت كبد حمزة أجازتها إلى جوفها ما مسّتها النار، فقال النهرتيري: اللهم أطعمنا من كبد حمزة.
- ادعى رجل على امرأة شيئا عند القاضي فأنكرت، فقال لها: إن كنت كاذبة فأير القاضي في حرك، فتوقّفت، فقال لها القاضي: قولي وإلّا فاخرجي من حقّه.
- اختصم رجلان إلى قاض في ديك ذبحه أحدهما فقال: ارتفعا إلى الأمير، فإنّا لا نحكم في الدماء.
- كان كثّير يحمّق، وله في ذلك أخبار مشهورة. فمن نوادرها قال طلحة بن عبيد الله بن عوف، دخلت عليه يوما في نفر من قريش، وكنا كثيرا ما نتهزأ به، فقلنا له: كيف تجدك يا أبا صخر؟ قال: بخير، ما سمعتم الناس يقولون شيئا؟ قلنا: نعم يتحدثون أنك الدجال، فقال: والله إن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفا منذ أيام. وكان يقول بالرجعة ويتشيع تشيعا قبيحا.
ب- دخل عليه عبد الله بن حسن بن حسن يعوده في مرضه الذي مات فيه، فقال له كثير: أبشر فكأنك بعد أربعين يوما قد طلعت على فرس عتيق. فقال له عبد الله بن حسن: ما لك عليك لعنة الله، والله لئن متّ لا أشهدك ولا أعودك ولا أكلّمك أبدا.
ج- وكان أبو هاشم محمد بن علي قد وضع الأرصاد على كثير فلا يزال يؤتى بالخبر من خبره، فيقول له إذا لقيه: كنت في كذا وكذا، إلى أن جرى بين كثير وبين رجل كلام فأتي به أبو هاشم، فأقبل كثير فقال له أبو هاشم: كنت الساعة مع فلان، فقلت له كذا وكذا، وقال لك كذا وكذا، فقال له كثير: أشهد أنك رسول الله.
د- ونظر إلى بني حسن بن حسن وهم صغار فقال: وابأبي هؤلاء الأنبياء الصغار.
هـ- وكانت لكثير عمة برزة، فكان يدخل عليها فتكرمه وتطرح له وسادة يجلس عليها. فقال لها يوما: والله لا تعرفيني ولا تكرميني حقّ كرامتي، فقالت: بلى والله إني لأعرفك، قال: ومن أنا؟ قالت: ابن فلان وابن فلانة، وجعلت تمدح أباه وأمه، فقال: قد علمت أنك لا تعرفيني، قالت فمن أنت؟
قال: أنا يونس بن متى.
- قيل: كان بشّار بن برد جالسا في دار المهدي، والناس ينتظرون الإذن. فقال بعض موالي المهدي، وهو المعلّى بن طريف، لمن حضر: ما عندكم في قول الله ﷿: (وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً)
(النحل:) فقال له بشار: النحل التي يعرفها الناس، قال: هيهات يا أبا معاذ، النحل بنو هاشم وقوله: (يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِها شَرابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُهُ فِيهِ شِفاءٌ لِلنَّاسِ)
(النحل:) يعني العلم، فقال له بشار: أراني الله شرابك وطعامك مما يخرج من بطون بني هاشم فقد أو سعتنا غثاثة. فغضب وشتم بشارا. وبلغ المهديّ الخبر فدعاهما فسألهما عن القصة فحدثه بشار فضحك حتى
أمسك على بطنه، وقال للمولى: جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم فإنك بارد غثّ.
- اشترى المؤمّل بن جميل بن يحيى بن أبي حفصة غلاما مدينيا مغنيا من مولّدي السند على البراءة من كلّ عيب، يقال له المطرّز. فدعا أصحابا له ذات يوم، ودعا شيخين من أهل اليمامة مغنيين، يقال لأحدهما السائب وللآخر شعبة. فلما أخذ القوم مجلسهم، ومعهم المطرز، اندفع الشيخان فغنياه، فقال المطرز لمولاه: ويلك يا ابن جميل يا ابن الزانية، تدري ما فعلت ومن عندك؟
قال: ويلك، أجنننت؟ ما لك؟ قال: أما أنا فأشهد أنك تأمن مكر الله حين أدخلت منزلك هذين.
ب- قال: وبعثه يوما يدعو أصدقاء له، فوجدهم عند رجل من أهل اليمامة، يقال له بهلول، وهو في بستان له، فقال لهم: مولاي ابن جميل قد أرسلني أدعوكم، وقد بلّغتكم رسالته، وإن شاورتموني أشرت عليكم، قالوا:
فأشر علينا، قال: فإني أرى ألّا تذهبوا إليه، فمجلسكم والله أنزه من مجلسه وأحسن، فقالوا له: قد أطعناك، قال: وأخرى، قالوا: وما هي؟ قال: تحلفون عليّ الّا أبرح، ففعلوا، فأقام عندهم.
ج- قال: وكان يبعثه إلى بئر لهم عذبة في بستانه يستقي ماء، فكان يستقيه ويصبّه للجيران، ويستقي مكانه من بئر لهم غليظة، فإذا أنكر مولاه قال له: سل الغلمان أما أتيت البستان فاستقيت منه؟ فيسألهم فيجده صادقا.
- حدث أشعب قال: كانت بنت للحسين بن علي ﵉ عند عائشة بنت عثمان ﵀، فربّتها حتى صارت امرأة؛ وحجّ الخليفة فلم يبق
بالمدينة خلق من قريش إلّا وافى الخليفة، إلّا من لا يصلح لشيء. فماتت بنت الحسين، فأرسلت عائشة إلى محمد بن عمرو بن حزم، وهو وإلى المدينة، وكان عفيفا حديدا كبير اللحية، له جارية موكّلة بلحيته إذا ائتزر لا يأتزر عليها؛ وكان إذا جلس للناس جمعها ثم أدخلها تحت فخذه- فأرسلت عائشة: يا أخي قد ترى ما دخل عليّ من المصيبة بابنتي، وغيبة أهلي وأهلها، وأنت الوالي. فأما ما يكفي النساء من النساء فأنا أكفيكه بيدي وعيني، وأما ما يكفي الرجال من الرجال فاكفنيه: مر بالأسواق أن ترفع، ومر بتجريد من يحمل نعشها، ولا يحمل نعشها إلا الفقهاء والألبّاء من قريش، بالوقار والسكينة، وقم على قبرها ولا يدخله إلّا قرابتها من ذوي الحجى والفضل. فأتى ابن حزم رسولها حين تغدّى ودخل ليقيل، فقال ابن حزم لرسولها: أبلغ ابنة المظلوم وأخبرها أني قد سمعت الواعية، وأردت الركوب إليها، فأمسكت عن الركوب حتى أبرد ثم أصلّي وأنفّذ كلّ ما أمرت به. وأمر حاجبه وصاحب شرطته برفع الأسواق، ودعا بحرس فقال: خذوا السياط حتى تحولوا بين الناس وبين النعش، إلا ذوي قرابتها، بالسكينة والوقار. ثم نام وانتبه فأسرج له، واجتمع كلّ من كان بالمدينة، وأتى باب عائشة حين أخرج النعش، فلما رأى الناس النعش التقفوه، فلم يملك ابن حزم ولا الحرس منه شيئا، وجعل ابن حزم يركض خلف النعش ويصيح بالناس من السّفلة والغوغاء، فلم يسمعوا حتى بلغ النعش القبر، فصلّى عليها، ثم وقف فنادى من ها هنا من قريش؟ فلم يحضره إلّا مروان بن أبان بن عثمان، وكان رجلا عظيم البطن نأنأ لا يستطيع أن يثني من بطنه، سخيف
العقل، فطلع وعليه سبعة قمص كأنها درج بعضها أقصر من بعض، ورداء ثمّن بألفي درهم، فقال له ابن حزم: أنت لعمري قريبها، ولكنّ القبر لا يسعك، فقال: أصلح الله الأمير، إنما تضيق الأخلاق، فقال ابن حزم: إنّا لله، ما ظننت هذا هكذا كما أرى، فأمر له أربعة فأخذوا بضبعه حتى أدخلوه القبر، ثم أتى خرا الزنج، وهو عثمان بن عمرو بن عثمان، فقال: السلام عليك أيها الأمير ورحمة الله وبركاته، ثم قال: واسيدتاه، وابنت أختاه، فقال ابن حزم: إنّا لله، قد كان بلغني عن هذا أنه مخنّث، ولم أكن أدري أنه بلغ هذا كلّه، دلّوه فإنه عورة، هو والله أحقّ بالدفن منها. فلما أدخلا قال مروان لخرا الزنج: تنحّ إليك شيئا، فقال له خرا الزنج: الحمد لله ربّ العالمين جاء كلب الوحشيّ يطرد كلب الإنسي، فقال لهما ابن حزم: اسكتا قبحكما الله، وعليكما لعنته، أيكما الإنسيّ من الوحشيّ؟ والله لئن لم تسكتا لآمرنّ بكما فتدفنان. ثم جاء خال للجارية من الحاطبيين، وهو ناقه مريض لو أخذ بعوضة لم يضبطها فقال:
أصلح الله الأمير، أنا خالها وأمي سودة، وأمّها حفصة، ثم رمى نفسه في القبر فأصاب ترقوة خرا الزنج فصاح: أوه أصلح الله الأمير، دقّ والله ترقوتي. فقال ابن حزم: دقّ الله عرقوتك وترقوتك، اسكت ويلك، ثم أقبل على أصحابه فقال: ويلكم إنّي خبّرت أنّ الجارية بادن، وأنّ مروان لا يقدر أن يثني من بطنه، وخرا الزنج مخنّث لا يعقل سنّة ولا دفنا، وهذا الحاطبيّ لو أخذ عصفورا لم يضبطه لضعفه، فمن يدفن هذه الجارية؟ والله ما أمرتني ابنة المظلوم بهذا.
فقال له جلساؤه: لا والله ما بالمدينة خلق من قريش، ولو كان في هؤلاء خير ما بقوا. فقال: من هاهنا من مواليهم؟ فاذا أبو هانىء الأعمى وهو ظئرها. فقال ابن حزم: من أنت رحمك الله؟ قال: أبو هانىء ظئر عبد الله بن عمرو بن
عثمان، وأنا أدفن أحياءهم وموتاهم، فقال له ابن حزم: أنا في طلبك، ادخل رحمك الله فادفن هؤلاء الأحياء حتى يدلّى إليك الموتى. ثم أقبل على أصحابه فقال: وهذا أيضا أعمى لا يبصر، فنادوا من ها هنا من مواليهم، فإذا برجل بربريّ يقال له أبو موسى قد جاء، فقال له ابن حزم: من أنت أيضا؟ قال: أنا أبو موسى صالمين، وأنا ابن أبي السمط سميطين، والسعيد سعيدين، والحمد لله رب العالمين. فقال ابن حزم: والعظيم لتكوننّ لهم خامسا، رحمك الله يا بنت رسول الله، ما اجتمع على جيفة خنزير ولا كلب ما اجتمع على جثّتك، فإنا لله وإنّا إليه راجعون.
- قال بعضهم: مررت بسكة من سكك البصرة، وإذا معلّم قد ضرب صبيا، وأقام الصبيان صفّا وهو يقول لهم: اقرأوا، ثم جاء إلى صبيّ بجنب الصبيّ الذي ضربه فقال: قل لهذا يقرأ فإني لست أكلّمه.
- وكان لأبي داود المعلم ابن فمرض، فلما نزع قال: اغسلوه، قالوا: إنه لم يمت، قال: إلى أن يفرغ من غسله قد مات.
- وقال بعضهم: مررت يوما بمعلّم والصبيان يحذفون عينه بنوى العنب، وهو ساكت، فقلت: ويحك أرى منك عجبا فقال: وما هو؟ قلت:
أراك جالسا والصبيان يحذفون عينك بنوى العنب فقال: اسكت ودعهم، فما والله إلا أن يصيب عينيّ شيء فأريك كيف أنتف لحى آبائهم.
- وقال آخر: رأيت معلّما وقد جاءه غلامان قد تعلّق أحدهما بالآخر
وقال: يا معلم هذا عضّ أذني، فقال الآخر: والله ما عضضتها، وإنما هو عضّ أذن نفسه، فقال المعلم: يا ابن الخبيثة صار جملا حتى يعضّ أذن نفسه؟! - وقال: رأيت معلّما بالكوفة وهو شيخ مخضوب الرأس واللحية، وهو جالس يبكي، فوقفت عليه وقلت: يا عمّ ممّ تبكي؟ فقال: سرق الصبيان خبزي.
- قال: ورأيت بالبصرة معلّما وقد جاء صبيّ فصفعه محكمة، فقال له المعلم: أيّما أصلب هذه أم التي صفعتك بالأمس.
- قال: وقرأ صبيّ على معلّم: الذين يقولون لا تنفقوا إلّا من عند رسول الله فقال المعلم: من عند أبيك القرنان أولى فإنه كثير المال.
- قال معلّم لغلام: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها)
(الشمس:) فقال الصبي: وقد داس من خبّاها، فلم يزل يكرّر ذلك عليه إلى أن أعيته الحيلة، فقال المعلم: وقد داس من خبّاها، فقال الغلام: وقد خاب من دسّاها.
- وقال آخر: مررت بأحدهم وصبيّ يقرأ عليه (فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ)
(الماعون:) والمعلم يردّ عليه: يدعو اليتيم، ويضربه. قال:
فجئت إليه وقلت: هذا من الأمر بالمعروف، فقلت: يا شيخ، الصبيّ على الصواب، وأنت على الخطأ، وإنما معنى يدعّ: يدفع قال: فزبرني وأغلظ عليّ وقال: إنما معناه يدعو اليتيم ليفسق به، قال: فوليت عنه، وإذا به لا يرضى أن يخطىء حتى يكفر.
- قال: وكان معلّم يقرىء صبيا: وإذ قال لقمان لابنه لا تقصص رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا. قيل: ما هذا؟ قال: أبوه يدخل مشاهرة شهر في شهر، وأنا أدخله من سورة إلى سورة.
- قرأ صبيّ على معلّم: أريد أن أنكحك: قال: هذا إذا قرأت على أمك الزانية.
- وقرأ آخر على معلّم: وأما الآخر فتصلّب فقال: هذا إذا قرأت على أبيك القرنان.
- قيل: نكب بعض ندماء الخليفة نكبة اضطرّ معها إلى الاستتار، فاستتر وطال شعره، فقال للرجل الذي كان مستترا عنده: قد كان لي غلام سنديّ مزيّن أعتقته، ولا أعرف خبره منذ حين، فاذهب إلى موضع كذا فاطلبه، واجلس إليه، ثم اذكرني له، فإن رأيته يتوجّع لي فعرّفه مكاني وخذه معك، وإن رأيته يذمّني أو يشكوني فدعه ولا تذكرني له. فذهب الرجل حتى لقيه وجاراه خبر مولاه، فقال: يا سيّدي ومن أين تعرفه؟ فإني والله تالف شوقا إليه واغتماما له، أحسن الله صحبته حيث كان. فقال الرجل: هو عندي، وقد استدعاك.
فنهض السنديّ وقبّل يد الرجل وصار معه، فلما دخل إليه أظهر سرورا به وقبّل الأرض بين يديه، وأخذ شعره وحجمه، فأعطاه دينارا. فلما خرج لقي ابنا له فقال له: ويحك أليس وجّه إليّ فلان مولاي، وهو مستتر في دار فلان في الموضع الفلانيّ، فصرت إليه وخدمته وحجمته النّقرة، فأعطاني دينارا؟! فقال له ابنه:
ويلك حجمته النقرة بلا أخدعين وليس هذا حقّه علينا، ولم يعرّج على شيء
حتى قصد الدار التي وصفها له أبوه ودقّ الباب وقال: أنا فلان ابن خادمك المزيّن، ففتحوا له فدخل، وقبّل يديه ورجليه وأظهر من الاغتمام بأمره مثل ما أظهره أبوه، ثم قال: عرّفني غلامك أبي أنه حجمك النقرة وحدها، وهذا وقت حادّ، وقد ثار الدم، والوجه أن تحجم الأخدعين. فقال: لم يكن بي إلى هذا حاجة، والآن فقد أشرت به فاستخر الله تعالى، فحجمه الأخدعين، وأعطاه دينارا وأخرجه. فلقي أخا له وحكى له ما كان منه، فمرّ مبادرا وقال له مثل قوله، وفعل مثل فعله، حتى حجمه على الساقين، وأخذ دينارا. وخرج فلقي صهرا له فأخبره بالقصة، فبادر مسرعا حتى صار إلى الباب، ودخل وفعل مثل فعلهما وقال: لا بدّ مع حجامة الساقين والأخدعين من قطع الإجهارك، فقال الرجل: نعم لا أدري أيّ شيء ذنبي إليكم يا بني القحاب، اجلس، فأجلسه وقام وجلس في سميرية وانحدر إلى دار الخليفة، فلما رآه الحجّاب يستأذن تعجّبوا، ودخلوا يستأذنون له، فلما دخل انكبّ بين يدي الخليفة فقبّل الأرض ثم قال: يا أمير المؤمنين اسمع قصتي وحالي، وقصّ عليه خبر الحجامين وما لقي منهم. وقال: هؤلاء أولاد القحاب هو ذا يأخذون دمي بالمحاجم، خذه أنت بالسيف دفعة واحدة وأرحني مما أنا فيه. فضحك ووجع له وردّه إلى منزلته.
- حضر القطيعيّ مع قوم جنازة رجل، فنظر إلى أخيه فقال: هذا هو الميت أم أخوه؟
- قال الجاحظ: كان لنا جار مغفّل جدا، وكان طويل اللحية، فقالت له امرأته يوما: من حمقك طالت لحيتك، فقال: من عيّر عيّر.
- قال المأمون لمحمد بن العباس: ما حال غلّتنا بالأهواز؟ وما أتاك من خبر سعرها؟ فقال: أمّا متاع أمير المؤمنين فقائم على سوقه، وأما متاع أمّ جعفر فمسترخي، فقال له: اغرب قبّحك الله.
- استعمل معاوية رجلا من كلب، فذكر يوما المجوس وعنده الناس: فقال: لعن الله المجوس ينكحون أمهاتهم، والله لو أعطيت مائة ألف ما نكحت أمي. فبلغ ذلك معاوية فقال: قاتله الله أترونه لو زادوه على مائة ألف فعل؟! - كان عبد الله بن هلال الهنائي عنده زبيل حصى، فكان يسبّح بواحدة واحدة، فإذا ملّ شيئا طرح اثنتين اثنتين ثم ثلاثا، ثلاثا، فإذا ملّ شيئا قبض قبضة وقال: سبحان الله عدد هذا، وإذا ملّ شيئا قبض قبضتين وقال: سبحان الله بعدد هذا، وإذا بكّر لحاجة لحظ الزبيل وقال: سبحان الله عدد ما فيه.
- ولد لرجل طويل اللحية ابن، فجاء بمنجّم يعمل له مولدا، فقال له: أحبّ أن تجعل عطارد في طالعه فإنه بلغني أنه يعطي الكتابة.
- قال حمزة بن نصير لغلام له كان أحمق منه: أيّ يوم صلينا الجمعة بالرصافة؟ قال: والله ما أذكر جيدا، ولكن أحسبه كان يوم الثلاثاء، قال:
صدقت كذا كان.
- قال المنصور للربيع: كيف تعرف الريح؟ قال: أنظر إلى خاتمي، فإن كان سلسا فشمال، وإلا فهي جنوب. فقال للطلحي: فأنت كيف تعرف الريح؟ قال: أضرب بيدي إلى خصيتيّ فإن كانتا قد تقلّصتا فهي شمال، وإن كانتا قد تدلّتا فهي جنوب، فقال المنصور: أنت أحمق.
قال الحجاج لاسماعيل بن الأشعث، وكان يحمّق: كيف ترى قصري؟ قال: أرى قصرا أستعظم المؤونة على من أراد هدمه، فقال: قبحك الله، ويلك ما خالف بك إلى ذكر الهدم؟! - مات لأبي العطوف ابن، وكان يتفلسف، فلما دلّوه في القبر قال للحفّار: أضجعه على شقّه الأيسر فإنه أهضم للطعام.
- عرض هشام بن عبد الملك الجند فأتاه رجل حمصيّ بفرس كلّما قدّمه نفر، فقام هشام: ما هذا عليه لعنة الله؟ قال الحمصي: يا سيدي هو فاره ولكن شبّهك ببيطار كان يعالجه فنفر.
- كان رجل يختلف إلى الأعمش فيؤثره، وكان أصحاب الأعمش يسوؤهم ذلك، ففتشوا الرجل فإذا هو حمار، وكان سكوته للعيّ، فقالوا: سل الأعمش كما نسأله نحن وخاطبه، فقال له يوما: يا أبا محمد متى يحرم على الصائم الطعام؟ قال: إذا طلع الفجر، قال: فإن طلع نصف الليل؟ فقال له الأعمش:
عد إلى ما كنت عليه من الخرس.
- وقيل عن ابن خلف الهمداني إنه اطّلع في الجبّ فرأى وجهه، فعدا
إلى أمّه وقال: يا أمي في الجبّ لصّ، فجاءت الأمّ وتطلعت، وقالت: اي والله ومعه قحبة.
ب- وذكر بين يديه رجل فقال: هو رجل سوء، فقالوا له: من أين علمت؟ قال: قد أفسد بعض أهلنا، قيل: ومن هو؟ قال أمّي صانها الله.
ج- وأخذ الطلق امرأته فقال: بالله أخرجيه ابنا ولك دينار، ولك ما شئت، بالله ما أحتاج أوصيك.
- اعترض أبو الخندق الأرمنيّ دوابّه، فأصاب فيها واحدا أعجف مهزولا فقال: هاتوا الطبّاخ، فبطحه وضربه خمسين مقرعة، فقال: يا سيدي، أنا طبّاخ لا أعرف أمر الدوابّ، قال: فلم لم تقل لي؟ اذهب الآن فإن أذنبت ذنبا ضربت السائس ستين مقرعة، بزيادة عشرة.
- كتب المنصور إلى زياد بن عبد الله الحارثي ليقسم مالا بين العميان والقواعد والأيتام. فدخل عليه أبو زياد التميمي، وكان مغفّلا فقال: أصلحك الله اكتبني في القواعد، فقال له: عافاك الله، القواعد من النساء اللواتي قعدن عن أزواجهنّ، فقال له: اكتبني في العميان، قال: اكتبوه فإنّ الله ﷾ يقول (فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ)
(الحج) فقال أبو زياد: واكتب ابني في الأيتام، قال: نعم من كنت أباه فهو يتيم.
- قال بعضهم: رأيت رجلا محموما مصدّعا وهو يأكل التمر ويتكرّهه، فقلت له: ويحك لم تأكل هذا في حالك هذه، يقتلك. فقال: عندنا شاة ترضع وليس لها نوى، فأنا آكل هذا التمر مع كراهتي له لأطعمها النوى،
قال: فقلت له أطعمها التمر بالنوى، قال أو يجوز هذا؟ قلت: نعم، قال: والله فرّجت عنّي، لا إله إلا الله، ما أحسن العلم.
قال الأصمعي: دخلت البادية ومعي شيء أودعته عند امرأة منهم.
طلبته منها فأنكرت وجحدت، فقدمتها إلى شيخ منهم فقرّرها، فأقامت على إنكارها. فقال: قد علمت أنه لا يلزمها إلّا اليمين أفتريد إحلافها، فقلت: لا تفعل، ألم تسمع قوله:
ولا تسمع لسارقة يميناولو حلفت بربّ العالمينا
فقال: صدق الله ثم تهدّدها وتشدّد عليها فأقرّت وردّت إليّ مالي. فالتفت إليّ الشيخ فقال في أيّ سورة هذا؟ فقلت في قوله:
ألا هبّي بصحنك فاصبحيناولا تبقي خمور الأندرينا
فقال: سبحان الله، قد كنت ظننتها في: (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً)
(الفتح:).
حبس مصعب بن الزبير عبيد الله بن الحرّ الجعفيّ في بعض الأمور التي كان يجنيها، فكلّمت مذحج الأحنف بن قيس ليكلّم مصعبا فيه، فكلّمه حتى خلّى سبيله. فبينا الأحنف يوما جالس وعنده جماعة إذ جاءه عبيد الله بن الحر فوقف عليه وقال: كيف أنت يا أبا بحر؟ جزاك الله خيرا، قد بلغني ما كان منك، اعلم أنني نظرت في أمري وأمرك ومجازاتك، فإذا أنت أوجه مني فلست تحتاج إلى جاهي، وأنت فلا تستحلّ شيئا من مكاسبي، وإذا ليس شيء أمثل من ضربة بسيف تدخل بها الجنة وأدخل أنا بها النار. فجعل الأحنف يضحك ويقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعبيد الله يقول له: إن أذنت لي عجّلتها لك.
ويشبه هذا ما حكي عن بعض العلويين أنه نزل ببعض نواحي خراسان، وكان أهلها شيعة، فأكرموه وخدموه، فلما كان الليل رآهم يتشاورون، فجاء إليه رجل وأعلمه أنهم عزموا على قتله، وقالوا: كلّ بلد جليل فيه مشهد لآل محمد ﵇، ونحن لا مشهد عندنا، فنقتل هذا العلويّ ونبني عليه مشهدا وقبة ويكون فخرا لنا بزيارته، فترك العلويّ رحله وهرب ليلا.
- اصطحب اثنان من الحمقى في طريق، فقال أحدهما لصاحبه: تعال حتى نتمنّى، فإنّ الطريق يقطع بالحديث والتمنّي، قال: تمنّ، قال: أتمنّى قطائع غنم حتى أنتفع بألبانها وصوفها ولحمها ويخصب معها رحلي، ويشبع أهلي. قال الآخر: أنا أتمنى قطائع ذئاب أرسلها على غنمك حتى تأتي عليها.
قال: ويحك هذا من حقّ الصحبة وحرمة العشرة؟ وتلاحما واشتدّت الملحمة بينهما، ثم قال: نرضى بأول من يطلع علينا نتحاكم إليه، فبينما هما كذلك طلع عليهما شيخ يسوق حمارا، وعليه زقّان مملوءان عسلا، فاستوقفاه وحدّثاه فقال:
قد فهمت حديثكما، وفتح رأس الزقّين حتى سال العسل في التراب، وقال:
صبّ الله دمي مثل هذا العسل إن كنت رأيت أحمق منكما.
- قيل: كان كيسان صاحب أبي عبيدة مضعّفا بليدا يأتي سهوا كثيرا، فسئل أبو عبيدة عن اسم بعض العرب فأنكر معرفته، وكيسان حاضر، فقال: أنا أعرف اسمه، فقال أبو عبيدة: ما هو؟ قال: خراش أو خداش أو رياش أو حماش أو شيء آخر. فقال أبو عبيدة: ما أحسن ما عرفته، فقال: نعم وهو مع ذاك قرشي، فاغتاظ أبو عبيدة وقال: من أين علمت أنه قرشي؟ قال: أما رأيت اكتناف الشينات عليه من كلّ جهة.
- قال رجل للحسن: يا أبا سعيد أنا أفسو في ثوبي وأصلّي فيه هل يجوز؟ قال: نعم لا كثّر الله في المسلمين مثلك.
سمع رجل من ينشد:
وكان أخلائي يقولون مرحبافلما رأوني معدما مات مرحب
فقال: مرحب لم يمت، قتله عليّ ﵇.
- كان الوليد بن يزيد يلعب بالشطرنج، فاستأذن عليه رجل من ثقيف، فسترها ثم سأله عن حاله وقال له: أقرأت القرآن؟ قال: لا والله يا أمير المؤمنين، قد شغلني عنه أمور وهنات. قال: أفتعرف الفقه؟ قال: لا والله؟ قال: أتروي من الشعر شيئا قال: ولاش، فكشف عن الشطرنج وقال: شاهك، فقال له عبد الله ابن معاوية: مه يا أمير المؤمنين، قال: اسكت فما معنا أحد.
- قالوا: استأذن العقل على الحظّ فحجبه، قال: أتحجبني وأنا خير منك؟ قال: وأنت ما تساوي إذا لم أكن معك؟ قيراط من حظّ خير من كرّ عقل.
قال أعرابي لابنه: ما لي أراك ساكنا والناس يتكلمون؟ قال: ما أحسن ما يحسنون. قال: إن قيل لا فقل أنت نعم، وإن قيل نعم فقل أنت لا، وشاغبهم ولا تقعد غفلا لا يشعر بك.
كانت بربيعة بن عمرو طرقة أي جنون، ولذلك لقّب بحوثرة، وهو أبو الحواثر من عبد القيس، فغرس فسيلا فكان يسقيه بالنهار، فإذا كان الليل اقتلعه وأدخله بيته، فقيل له في ذلك فقال: أخزى الله مالا لا تغلق عليه بابك.
- المتنبي:
لقد كنت أحسب قبل الخصيي أنّ الرؤوس مقرّ النهى
فلما نظرت إلى عقلهرأيت النهى كلّها في الخصى
- قيل لمعلم: ليس لك درّة. قال: وما أصنع بها؟ أقول من لم يرفع صوته بالهجاء فأمّه قحبة، فيرفعون أصواتهم فهذا أبلغ وأسلم.
قال بعضهم: ما أحسن ما قال الله: اقتلوا السفلة حيث وجدتموهم فقيل له: ليس هذا بقرآن، قال: ألحقوه به فإنه آية حسنة.
- قال لرجل غلامه: قد سرق الحمار يا سيدي، فقال الحمد لله الذي لم أكن على ظهره.
مدح شاعر أميرا فقال:
أنت الهمام الأريحيّالواسع ابن الواسعه
فقال له: من أين عرفتها؟ فقال: قد جرّبتها، فقال: أسوأ من شعرك ما أتيت به من عذرك.
يتلوه: باب المشورة والرأي.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع