من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
آيات وأحاديث وحكم وأشعار
- قال الله تعالى لنبيه ﷺ: (وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ)
(آل عمران:) واختلف أهل التأويل في أمره بالمشاورة مع ما أمدّه بالتوفيق وأعانه بالتأييد على أربعة أوجه: أحدها أنه أمره بمشاورتهم في الحرب ليستقرّ له الرأي الصحيح فيه، فيعمل عليه، وهذا قول الحسن. وقال: ما تشاور قوم قطّ إلّا هدوا لأرشد أمورهم. والثاني: أنه أمره بمشاورتهم تألفا وتطييبا لنفوسهم، وهذا قول قتادة. والثالث: أنه أمره بمشاورتهم لما علم فيها من الفضل وعاد بها من النّفع، وهذا قول الضحّاك. والرابع: أنه أمره بمشاورتهم ليستنّ به المسلمون ويتبعه فيها المؤمنون، وإن كان عن مشاورتهم غنيا، وهذا قول سفيان.
- وقد روي عن الحسن أنه قال: إنّ الله ﷿ لم يأمر نبيّه ﷺ بمشاورة أصحابه لحاجة منه إلى آرائهم، ولكنّه أحبّ أن يعلمه ما في المشاورة من البركة.
- قال رسول الله ﷺ: ما خاب من استخار، ولا ندم من استشار، ولا افتقر من اقتصد.
- وقال ﵇: المستشير معان.
وقال عليّ كرّم الله وجهه: من أعجب برأيه ضلّ، ومن استغنى بعقله زلّ.
- وقال أعرابي: ما غبنت قطّ حتى يغبن قومي. قيل: وكيف ذاك؟
قال: لا أفعل شيئا حتى أشاورهم.
وكان يقال: ما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكبر.
- وقال ابن المقفّع: لا يقذفنّ في روعك أنك إذا استشرت الرجال ظهر للناس منك الحاجة إلى رأي غيرك، فيقطعك ذلك عن المشورة، فإنك لا تريد الرأي للفخر به ولكن للانتفاع. ولو أنك أردت الذكر لكان أحسن الذّكرين عند الألباء أن يقال: لا ينفرد برأيه دون ذوي الرأي من إخوانه.
- وقال صاحب كليلة ودمنة: لا بدّ لصاحب السرّ من مستشار مأمون يفضي إليه بسرّه، ويعاونه على رأيه؛ فإنّ المستشير وإن كان أفضل من المستشار رأيا فقد يزداد برأيه رأيا كما تزداد النار بالسّليط ضوءا. وعلى المستشار موافقة المستشير على صواب ما يرى، والرفق في تبصيره خطأ إن أتى منه، وإجالة الرأي فيما أشكل عليهما حتى يستقيم لهما بتعاونهما، فإذا لم يكن المستشار كذلك فهو على المستشير مع عدوّه.
- وقال بشار:
إذا بلغ الرأي المشورة فاستعنبرأي نصيح أو نصيحة حازم
ولا تحسب الشورى عليك غضاضةفإنّ الخوافي رافدات القوادم
وخلّ الهوينا للضعيف ولا تكننؤوما فإنّ الحزم ليس بنائم
وأدن من القربى المقرب نفسهولا تشهد الشورى امرءا غير كاتم
وما خير كفّ أمسك الغلّ أختهاوما خير سيف لم يؤيّد بقائم
- قال الأصمعي: قلت لبشار: إنّ الناس يعجبون من أبياتك في المشورة، قال: يا أبا سعيد إنّ المشاور بين صواب يفوز بثمرته، وخطأ يشارك في مكروهه، فقلت: أنت والله في قولك أشعر منك في شعرك.
- وأنشد ابن الأعرابي:
وأنفع من شاورت من كان ناصحاشفيقا فأبصر بعدها من تشاور
وليس بشافيك الشفيق ورأيهغريب ولا ذو الرأي والصدر واغر
- وقال جعفر بن محمد: لا تكوننّ أوّل مشير، وإياك والرأي الفطير، وتجنّب ارتجال الكلام، ولا تشر على مستبدّ برأيه، ولا على وغد ولا
متلوّن ولا على لجوج، وخف الله من موافقة هوى المستشير، فإنّ التماس موافقته لؤم، وسوء الاستماع منه خيانة.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع