من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
جروة بنت مرة تحدث معاوية
- احتجم معاوية بمكة فأمسى أرقا فقال: من يقرب منّا من فصحاء العرب ؟ فقالوا: جروة بنت مرّة، من بني تميم، وكانت مجاورة. فأرسل إليها فجاءته، فلما دخلت قال: مرحبا يا بنت مرة، أرعناك. قالت: أي والله، لقد طرقت في ساعة لا تطرق فيها الطير في أو كارها، فأرعت قلبي، وريع صبياني، وأفزعت عشيرتي، فتركت بعضهم يموجون في بعض، يديرون الكلام فرقا منك وشفقة عليّ. قال: ليفرخ روعك، ولتطب نفسك، فإنّ الأمر يجري على محبتك، قالت: أحسن الله بشارتك، وأدام لنا سلامتك. قال لها: إني احتجمت الليلة فأعقبني ذاك أرقا فأرسلت إليك لأستمتع بكلامك. قالت:
أحسن الله أبدا استمتاعك، وأطال بالسلامة إمتاعك. قال: أخبريني عن قومك. قالت: عن أيّهم تسألني؟ قال: عن بني تميم. قالت: إنهم أكثر الناس
عددا، وأوسعهم بلدا، وأبعدهم أمدا. هم الذهب الأحمر، والعدد الأكثر، والجند الأفخر. قال: صدقت فنزّليهم منازلهم. قالت: أما بنو عمرو بن تميم فأصحاب بأس ونجدة، وتحاشد وشدة، لا يتخاذلون عند اللقاء، ولا يطمع فيهم الأعداء. سلمهم فيهم، وسيفهم على عدوّهم. قال: صدقت، ونعم القوم لأنفسهم. قالت: وأما بنو سعد بن زيد مناة ففي العدد الأكثرون، وفي النسب الأطيبون. يضيرون إذا غضبوا، ويدركون إن طلبوا، أصحاب سيوف وحجف، ونزال ودلف. على أنّ بأسهم فيهم، وسيفهم عليهم. وأما حنظلة فالبيت الرفيع، والحسب الدسيع، والعز المنيع، والشرف البديع؛ المكرمون للجار، الطالبون للثار، الناقضون للأوتار. قال: إنّ حنظلة شجرة تفرّعت.
قالت: صدقت، أما بنو طهيّة فقروم سرج، وأقران لجج. وأما البراجم فأصابع مجتمعة، وأكفّ ممتنعة. وأما بنو ربيعة فصخرة صمّاء، وحيّة رقشاء، يغزون بغيرهم، ويفخرون بقومهم. وأما بنو يربوع ففرسان الرماح، وأسود الصباح، يعتنقون الأقران ويقتلون الفرسان. وأما بنو مالك فجمع غير مفلول، وعزّ غير مخذول، وليوث هرّارة، وخيول كرّارة. وأما بنو دارم فكرم لا يدانى، وشرف لا يبارى، وعزّ لا يوازى.
قال: أنت أعلم الناس ببني تميم فكيف علمك بقيس؟ قالت: كعلمي بقومي. قال: فأخبريني عنهم. قالت: أما غطفان فأكثر الناس سادة، وأمنعهم قادة. وأما فزارة فبيتها المشهور وحسبها المذكور. وأما ذبيان فخطباء شعراء، أعزّة أقوياء. وأما عبس فجمرة لا تطفأ، وعقبة لا تعلى، وحيّة لا ترقى. وأما هوازن فحلم ظاهر، وعزّ قاهر، وأما سليم ففرسان الملاحم، وأسود ضراغم.
وأما نمير فشوكة مسمومة، وهامة مدمومة، وراية مرفوعة، وعزة ممنوعة. وأما هلال فاسم فخم، وعزّ ضخم. وأما بنو كلاب فعدد كثير، وحلم كبير، وقمر منير.
قال: لله أبوك، فما قولك في قريش؟ قالت: هم ذروة الإسلام وأصله، وبيانه وفصله، وسادة الأنام وفضله. قال: فما قولك في عليّ؟ قالت: جاز في الشرف حدّ الوصف، وما له غاية تعرف، وبالله أسألك إعفائي مما أتخوّف.
قال: فعلت، وأجازها.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع