من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر الخطب
- خطب وال باليمامة فقال: إنّ الله لا يقارّ عباده على المعاصي، وقد أهلك أمة عظيمة في ناقة ما كانت تساوي مائتي درهم، فسمّي مقوّم الناقة.
- خطب عديّ بن وثّاب فقال: أقول كما قال العبد الصالح: ما أُرِيكُمْ إِلَّا ما أَرى، وَما أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشادِ
(غافر:). قالوا: ليس هذا قول عبد صالح إنما هو قول فرعون، قال: من قاله فقد أحسن.
- صعد بعض الأعراب على المنبر في عمله يخطب، فقال: والله إن أكرمتموني أكرمتكم، وإن أهنتموني أهنتكم، ولتكوننّ أهون عليّ من ضرطتي هذه، ثم ضرط.
- ولّى المهلب بعض الأعراب كورة بخراسان، وعزل واليا كان بها، فلما وردها الأعرابيّ وصعد المنبر حمد الله تعالى وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس
اقصدوا لما أمركم الله تعالى به، فإنه ﷿ رغّبكم في الآخرة الباقية، وزهّدكم في الدنيا الفانية، فرغبتم في هذه ونبذتم تلك، فيوشك أن تفوتكم الفانية، ولا تحصل لكم الباقية، فتكونوا كما قال الله: لا ماءك أبقيت ولا حرك أنقيت، واعتبروا بهذا المعزول عنكم كيف سعى فصار ذلك إليّ على رغم أنفه، وصار كما قال في محكم كتابه:
انعمي أمّ خالدربّ ساع لقاعد
- قال الأصمعي: ولي أعرابيّ تبالة، فصعد المنبر فلم يحمد الله ولم يثن عليه، ولم يصلّ على النبي ﷺ، وقال: إنّ الأمير أعزّه الله ولّاني بلدكم، وإني والله ما أعرف من الحقّ غير مقدار سوطي، وإني لا أوتى بظالم ولا مظلوم إلا أوجعته ضربا. فكانوا يتعاطون الحقّ بينهم ولا يترافعون إليه.
ولي العلاء بن عمرو بلاد سارية، وكان جائرا، فأصاب الناس القحط، وأمسكت السماء مطرها، فخرجوا يستسقون، وصعد العلاء المنبر فقال في دعائه: اللهم ارفع عنّا البلاء والغلاء. فوثب معتوه كان بها فقال:
والعلاء، فإنه شرّ من الغلاء، وأغلظ من جميع البلاء. فضحك الناس وخجل العلاء وانصرف.
استعمل المنصور سلما الكلبيّ- وكان أخاه من الرضاعة- على الريّ، وكان أعرابيّا، فاستعمل أخاه ناصحا على أذربيجان، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: اللهم اجعل بصري في طاعتك بصر الصقر، وقوّتي في مرضاتك قوّة النمر، وعمري في محبّتك عمر النسر، اللهم أصلح أمير المؤمنين
صلاحا، وأمتع به متاعا يا هناه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم؛ ثم نزل.
فأتاه نعي ابنه فأظهر الجزع وأرجف به أهل عمله، فصعد المنبر وقال: أيها الناس أظننتم أنّ موت ابني كسرني؟ فو الله ما كنت قطّ أجرأ على الله وعليكم مني الساعة، فأدّوا خراجكم. فبلغ المنصور ذلك، فوجّه إليه فعزله.
خطبة في الطلاق، لبعض الظرفاء:
الحمد لله الذي جعل في الطلاق اجتلابا للأرزاق، فقال تعالى: وَإِنْ يَتَفَرَّقا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ
(النساء:)، أوصيكم عباد الله بالقساوة والملالة، والتجنّي والجهالة، واحفظوا قول الشاعر:
اذهبي قد قضيت منك قضائيوإذا شئت أن تبيني فبيني
خطبة نكاح لبعض الظرفاء:
تعاهدوا نساءكم بالسبّ، وعاودوهنّ بالضّرب، وكونوا كما قال الله تعالى:
وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ
(النساء:) واضربوهنّ، ثم إنّ فلانا في خمول نسبه، ونقصان أدبه، خطب إليكم فازهدوا فيه، فرّق الله بينهما، وعجّل لهما حينهما.
- خطب رجل خطبة نكاح فأطال، فقام بعض القوم فقال: إذا فرغ هذا فبارك الله لكم، فعليّ شغل.
- حصر عبد الله بن عامر على منبر البصرة، فاشتد جزعه، فقيل إنّ
هذا مقام صعب فامتحن فيه غيرك، فأمر وادع بن مسعود أن يصعد ويخطب، فلما ابتدأ الكلام حصر فقال: لا أدري ما أقول لكم، ولكن أشهدكم أنّ امرأتي طالق، فهي التي أكرهتني على حضور الصلاة.
ثم أمر آخر فصعد المنبر ونظر إلى أصلع، فقال: اللهمّ العن هذه الصلعة.
- خطبة خطبها القاضي أبو بكر ابن قريعة في دار أبي إسحاق الصابي:
الحمد لله الذي تيّن فوزّر، وعنّب فرزّق، ورطّب فسكّر، وخوّخ فشطّب، وكمثر فخثر، ومشمش فصفّر، وبطّخ فعسّل، وتفّح فعطّر، وموّز فأنضج، ودقّق فجوّز، وجردق فسمّذ، وبورد فكثّر، وسكرج فلوّز، وملّح فطيّب، وخلّل فسفتج، وخردل فحرّف، وبقل فخضّر، وقثّأ فدقّق، وبورن فنعّم، ومصّص فحمّض، وطجّن فجفّف، وسنبس فثلّث، وسكبج فزعفر، وهرّس فصولج، وبصّل فعقّد، وسبذج فصعّد، وسمّق فمزّز، وطبهج فحرّف، وبيّض فعجّج، وجدّا فرضّع، وبطّط فسمّن، ودجّج فصدّر، وفرّخ فشام، وحبّب فبزّر، وجوذب فخشخش، ورزّز فألبن، وخبّص فلوّز، وفلذج فحمّر، وقطّف فعرّف، ولوزج فسكّر.
أحمده على الضّرس الطحون، والفم الجروش، والحلق البلوع، والمعدة الهضوم، والسفل النّثور، والذكر القؤوم، والغداء والعشاء، والفطور والسحور، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، خالق السموات ومحلّل
الطيّبات، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، مبيح المحلّلات، وحاظر المحرّمات.
وإنّ أبا إسحاق إبراهيم بن هلال، أرشده الله، أطعمنا فصدرنا، وماهنا فأثلجنا، وسقانا فروانا، ومدّ ستارته فأسمعنا وأطربنا، واستنشدناه فأنشدنا، واستحدثناه فحدّثنا، فارفعوا أيديكم إلى الله عباد الله، فالدعاء له بما يردّ ثواب فعله إليه، ويسهّل الدعوة الثانية عليه، إنّه قريب مجيب، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.
آخر باب الخطب والحمد لله وحده ويتلوه إن شاء الله باب المكاتبات والرسائل وصلّى الله على سيدنا محمد وآله وسلم
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع