تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

خطب لابن نباتة

- الحمد لله الذي علا في ارتفاع مجده عن أعراض الهمم، وخلا باتساع رفده عن اعتراض التّهم، وجلا قلوب أوليائه بينابيع الحكم، وهداهم بنور اجتبائه لأرشد نعم، أحمده على صنوف النّعم، حمدا تضيق بإحصائه الكلم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تشفي القلوب من السقم، وتكفي المرهوب من النّقم، وأشهد أنّ محمدا ﷺ عبده ورسوله، نقله في أطهر صلب ورحم، واختصّه بأحمد الأخلاق والشّيم، وأرسله إلى العرب والعجم، وجعل أمّته خير الأمم، فشفى الأسماع من الصّمم، ووفى بالعهود والذّمم، ونفى بنوره حنادس الظّلم، صلّى الله عليه وعلى أهل بيته أهل الفضل

والكرم. أيها الناس، ما أسلس قياد من كان الموت جريره، وأبعد سداد من كان هواه أميره، وأسرع فطام من كانت الدنيا ظئيره، وأمنع جناب من أصبحت التقوى ظهيره. فاتّقوا الله عباد الله حقّ تقواه، وراقبوه مراقبة من يعلم أنّه يراه، وتأهّبوا لو ثبات المنون، فإنّها كامنة في الحركات والسّكون، بينما المرء مسرورا بشبابه، مغرورا بإعجابه، مغمورا بسعة اكتسابه، مستورا عنه ما خلق له بما يغرى به، إذ سعّرت فيه الأسقام شهابها، وأعلقت به ظفرها ونابها، فسرت فيه أوجاعه، وتنكّرت عليه طباعه، وأظلّ رحيله ووداعه، وقلّ عنه منعه ودفاعه، فأصبح ذا بصر حائر، وقلب طائر، ونفس غابر، في قطب هلاك دائر، قد أيقن بمفارقة أهله ووطنه، وأذعن بانتزاع روحه من بدنه، فأومأ إلى حاضر عوّاده، موصيا لهم بأصغر أولاده، والنفس بالسياق تجذب، والموت بالفواق يقرب، والعيون لهول مصرعه تسكب، والحامّة تعدّد عليه وتندب، حتى تجلّى له ملك الموت- صلّى الله عليه- من حجبه، فقضى فيه قضاء أمر به، فعافه الجليس، وأوحش منه الأنيس، وزوّد من ماله كفنا، وحصل في الأرض بعمله مرتهنا، وحيدا على كثرة الجيران، بعيدا على قرب المكان، مقيما بين قوم كانوا فزالوا، وجرت عليهم الحادثات فحالوا، لا يخبرون بما إليه آلوا، ولو قدروا على المقال لقالوا، قد شربوا من الموت كأسا مرّة، ولم يفقدوا من أعمالهم ذرّة، وآلى عليهم الدهر أليّة برّة، ألّا يجعل لهم إلى دار الدنيا كرّة، كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة، ولم يعدّوا في الأحياء مرّة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدّهم كما أخلقهم، ويجمعهم بعد ما

فرّقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنّم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً

(آل عمران:). جعلنا الله وإيّاكم ممّن قدر قدره، فقبل أمره، وأدام في الخلوات ذكره، وجعل تقوى عالم الخفيّات ذخره، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

سمعت هذه الخطبة على الشيخ أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن نبهان الغنوي الرقّي مع غيرها من خطب ابن نباتة، وما رأيت مخبرا أعرف منه بما يقرأ عليه، كان يحفظ خطب ابن نباتة كأنما يقرأها من كفّه، ويردّ على القارىء من حفظه ولفظه.

وحدثنا من فيه قال: أخبرنا الشيخ الخطيب أبو القاسم يحيى بن طاهر بن محمد بن عبد الرحيم، قال: أخبرنا أبي طاهر عن أبيه محمد عن أبيه عبد الرحيم ابن محمد بن إسماعيل الفارقي، قال: لما عملت هذه الخطبة وخطبت بها يوم جمعة، بتّ ليلة السبت فرأيت فيما يرى النائم كأنّي بظاهر مدينة ميافارقين عند الجبّانة، ورأيت بين المقابر جمعا كثيرا، فقلت: ما هذا الجمع؟ فقال لي قائل:

هذا النبيّ ﷺ ومعه الصحابة، فقصدته لأسلّم عليه، فلما قربت منه التفت فرآني فقال: أهلا ومرحبا يا خطيب الخطباء، كيف تقول- وأومأ إلى القبور- فقلت كأنهم لم يكونوا للعيون قرّة، ولم يعدّوا في الأحياء مرة، أسكتهم والله الذي أنطقهم، وأبادهم الذي خلقهم، وسيجدّهم كما أخلقهم، ويجمعهم كما فرّقهم، يوم يعيد الله العالمين خلقا جديدا، ويجعل الظالمين لنار جهنّم وقودا، يوم تكونون شهداء على الناس- وأومأت إلى الصحابة، وأومأت إلى النبي ﷺ ويكون الرسول عليكم شهيدا يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً

وَما عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَها وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً

. قال: فقال لي النبي ﷺ: احسنت لا فضّ الله فاك، ادنه ادنه، قال: فدنوت منه فأخذ وجهي فقبّله وتفل في فيّ وقال: وفقك الله. فانتبهت من النوم وبي من السرور ما يجلّ عن الوصف، وأخبرت أهلي بما رأيت، وبقيت بعد هذا المنام لا أطعم الطعام ولا أشتهيه، وكان يوجد في فمي مثل رائحة المسك.

قال شيخنا أبو القاسم رحمة الله عليه: ولم يبق بعد هذا المنام إلّا قليلا حتى توفي- رحمة الله عليه- وله دون الأربعين سنة.

ومن خطبة:

الحمد لله ناقض عزائم المخلوقين بإبرام عزمه، وقابض خزائم أنفس الآبقين لإلزام حكمه، وحالّ عقد الشبهات عن بصائر أهل ودّه، وفالّ عدد ذوي الرغبات عن محجّة قصده، أحمده حمدا يستوجبه فضله، وأعلم أنّ اختلاف مقاديره عدله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة أجدّد بها في مقام مقالا، وأمجّد بها ذا الجلال والإكرام تعالى، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله والحقّ خافية صواه، واهية قواه، حلّ حرمه، فلّ عصمه، طامسة أعلامه، دارسة أحكامه، منكورة أيامه، مبتورة أوذامه، فأقدم ﷺ على إظهاره ونصرته، وأعلم في أنصاره وأسرته، وناصح لله في تشييد ملّته، وكافح أعداءه على الإقرار بوحدانيّته، حتى دكّ رعان البهتان فأصحرها، وفكّ أركان الطغيان فدمّرها، وأطلع شمس اليقين وندب إليها، وشرع شرائع الدّين فأوضحها لديها، صلّى الله عليه وعلى آله صلاة تسوق ثوابه بين يديها، وتؤمّن عقابه من أمّن من العالمين عليها.

أيها الناس، أسيموا القلوب في رياض الحكم، وأديموا النحيب على ابيضاض اللّمم، وأطيلوا الاعتبار بانتقاض النّعم، واجتلوا الأفكار في انقراض الأمم،

الذين كانوا من قبلكم في الأرض قاطنين، وعلى مهاد الخفض مستوطنين، وبعهود الأيّام واثقين، وإلى غايات الأماني سابقين، ممّن تبوّأ عرعرة دهر أصبحتم بحضيضه، وتملّى صفو زمان جاد عليكم بقروضه، حتى إذا استحكمت فيهم طماعية التخليد، واستولت عليهم رفاهية التمهيد، وقادوا الخليقة بأزمّة الرّغب والرّهب، وسارت بهم الدنيا مسير التقريب والخبب، وعموا عن مناصب أشراك جدّها في مراعي اللّعب، ولهوا عما يدلّ عليه الاعتبار فيها من سوء المنقلب، رغا في وسط ديارهم سقب العطب، وأعدى فيهم الهلاك إعداء الجرب، وأوقعت بهم المنون إيقاع الغضب، وأدّت إليكم الأيام من أخبارهم أنواع العجب، سحبت عليهم الهوج أذيال نقائمها، وحلبت عليهم المنون سجال غمائمها، فأضحوا رهائن أجداث موصدة، وودائع قبور ملحدة، ذهبوا والله فلم يرجعوا، وندبوا فلم يسمعوا، وأزعجوا فلم يمنعوا، واستضيموا فلم يدفعوا، أتراهم رضوا بدار الغربة دارا، أم آثروا قرار الوحشة قرارا؟ لا والله ما اختاروا فرقة الأحباب، والكون تحت أطباق التراب، ولكن صال عليهم القضاء فأطرقوا، وطال عليهم العفاء فأخلقوا، واتفقت عليهم الحادثات فتفرقوا، وأعنقت إليهم المثلات فتمزّقوا، فليت شعري ماذا قيل لهم وماذا لقوا؟ أسعدوا بمكتسبهم في الآخرة أم شقوا؟ فهلمّ عباد الله إلى محاسبة النفوس، قبل مواثبة النّحوس، ومقارنة الرّموس، ومعاينة اليوم العبوس، يوم غضّ الرؤوس، وفضّ الطّروس، والفحص عن المحسوس والملموس، بين يدي الملك القدّوس يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ، وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا

(الفرقان:

) يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ وَكانَتِ الْجِبالُ كَثِيباً مَهِيلًا

(المزمل:) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإِمامِهِمْ، فَمَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولئِكَ يَقْرَؤُنَ كِتابَهُمْ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا

(الإسراء:) يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا

(الإسراء:). طيّبنا الله وإيّاكم بطيب كتابه، وأدّبنا وإيّاكم بآدابه، ووفّقنا وإياكم للأخذ بصوابه، ووفّقنا وإيّاكم عند ما

أمرنا به، إنّ أولى ما اهتديتم بإرشاده، وأحقّ ما صدّقتم بوعده وإيعاده، كلام من جعلكم من خير عباده، ويقرأ فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ ...

الآية.

خطبة له أخرى يذكر فيها الشيب:

الحمد لله المدرك المقيت، المهلك المفيت، المنشر المميت، مالك أزمّة الجمع والتشتيت، الذي فات حدود الأوصاف والنعوت، واحتجب عن الأبصار بعزّ الملكوت، سبحانه له الخلق خضوع قنوت، وهو الواحد الحيّ الذي لا يموت، أحمده حمدا يمري سبل عهاد رزقه، ويوري شعل زناد الشكر في خلقه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة كرّ على اللسان لفظها، وقرّ في مقرّ الجنان حفظها، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بوجه طلق، ولسان ذلق، وشرع صدق، ودين حقّ، فصدّ عن سبيل الهلكة، وأمدّ باليمن والبركة، حتى صارت الكلمة سددا، والأمّة في الحقّ شرعا أحدا، صلّى الله عليه وعلى آله صلاة لا تنقطع عددا، ولا تنقضي أبدا. أيها الناس، إنّ ضياء نهار المشيب في إظلام ليل اللّحى والرؤوس، حقّق عند الفطن اللبيب قرب انهدام القوى واخترام النفوس، ذلك صباح ما بعده ليل ينتظر، واجتياح لا ملجأ منه ولا وزر، وضيف على رغم المضيف واغل، وسيف لموصول الحياة فاصل، ونور طالع بأفول النسم، ومنشور بالاشخاص إلى محلّ الرّمم، فلا تحرقوا- رحمكم الله- نور مشيبكم بنار ذنوبكم، وارمقوا غير الحوادث بأبصار قلوبكم، تركم ما خفي عنكم من عيوبكم، فكما حلّ بكم من المشيب ما تكرهون، فكذلك يحلّ بكم الموت، أفلا تنتهون؟! ألا وإنّ الشيب ثغر الحياة الذي لا يمكن سداده، وكسر القناة الذي لا يصلح الدّهر فساده. فيا معشر الشيوخ هل بعد ابيضاض الزرع إلا حصاده؟ ويا معشر الكهول ما تنصّف من الثمار آن جداده، ويا معشر الشباب كم من زرع أباده قبل البلوغ قمله وجراده، إن هي إلا ترجمة الأحداث عن حتم الفناء، آثارها في الأجسام آثار الهدم في البناء. فما بقاء من صحّته في دنياه سقمه، وغنيمته من الحياة غرمه، ومقامه فيها سفر، وأيامه بتقلّبها عبر، تريه إعطاء ما تسلبه، وبناء ما تخرّبه،

وبعيدا ما تقرّبه، وعتيدا ما تجنّبه. فيا عجبا لمأمور بالتزوّد قد حان سفره، وأقام من تقدّمه عليه ينتظره، وهو خليّ من التأهّب لرحلة تذكّره، مع صحّة علمه أنّ المنيّة لا تؤخّره. فرحم الله امرءا أهمّه معاده، وتقدّمه زاده، وكان إلى التقوى انقياده، ولهواه جهاده، قبل إخلاق الجدّة، وإنفاق المدّة، وانهدام العدّة، واقتحام الشدّة، قبل هطلان الرّحضاء، وبطلان الأعضاء، وضيق رحب الفضاء، وحيرة الفتور والإغضاء، لورود حتم القضاء، هنالك صالت عليك بسطوتها شعوب، وحالت عن سجيّتها اللعوب، ورقّت لكرب سياقك القلوب، وشقّت على قرب فراقك الجيوب، وطلعت سافرة عن صفحتها المخدّرة العروب، إذ حان منك في ظلمات التّراب غروب. فأنيبوا أيها الغافلون إذ كنتم موقنين أنّكم صائرون إلى هذا المصير، وأذيبوا جامد الدموع بنيران الزّفير، وأطيبوا التزوّد لوشك المسير، واستجيبوا لربّكم من قبل أن يأتي يوم لا مردّ له من الله، ما لكم من ملجإ يومئذ وما لكم من نكير. جعلنا الله وإياكم ممّن أدّبته العبر، وهذّبته الفكر، فأملت عليه غرر الأمور أنباء عواقبها، وتجلّت له ستر المحذور عن لألاء قواضبها، فاستعظم في بقية عمره ادّخار الحسنات، واستعصم بهضبة الحقّ من شرّ ما هو آت. إنّ أحسن نظم اللاقط ونثره، وأبلغ وعظ الواعظ وزجره، كلام من تطمئنّ القلوب بذكره.

ويقرأ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً، إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ

(النحل:).

- ومن خطبة لقطريّ بن الفجاءة المازني الخارجي:

مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ

(هود:). ألا فبئست الدار لمن أقام فيها، فاعملوا وأنتم تعلمون أنكم تاركوها عما قليل، فإنّها كما وصفها من أنشأها، وكما ذمّها من ابتدأها، فقال: وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً

(الكهف:). من ذمّ الله أعمالهم كيف حملوا إلى قبورهم فلا يدعون ركبانا، وأنزلوا فلا ينزلون ضيفانا، وجعل لهم من الضّريح أكفانا، ومن التراب أكنانا، ومن الرّفات جيرانا، فهم جيرة وهم أبعاد، متناؤون لا يزورون ولا يزارون، حلماء قد ذهبت أضغانهم، وجهلاء قد ماتت أحقادهم، لا يخشى دفعهم، ولا يرجى منعهم، كما قال الله ﷿: وَكَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزاً

(مريم:)، وقال ﵎: فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ

(القصص:)، استبدلوا بظهر الأرض بطنها وبالسّعة ضيقا، وبالأهل غربة، وبالنّور ظلمة، فجاوروها كما فارقوها، حفاة عراة فرادى، غير أنّهم ظعنوا بأعمالهم إلى الحياة الدائمة، وإلى خلود الأبد، فكانوا كما قال الله ﷿: ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ،

وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كانُوا يَفْتَرُونَ

(الأنعام:، القصص:)، فاحذروا ما حذّركم الله، فإنه قد أعذر وأنذر، ووعد وأوعد لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ

(النساء:) يقولوا: رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى

(طه:).

عصمنا الله وإيّاكم بطاعته، ورزقنا وإيّاكم أداء حقّه.

- قال مالك بن دينار ﵁: غدوت إلى الجمعة، فقعدت قريبا من المنبر، فجاء الحجاج فصعد المنبر، فذكر الله وحمده ومجّده وأثنى عليه،

وصلّى على محمد نبيّه ثم قال: امرؤ تزوّد عمله، امرؤ حاسب نفسه، امرؤ فكّر فيما يقرؤه في صحيفته ويراه في ميزانه، امرؤ كان عند قلبه زاجر وعند همّه ممسك، امرؤ أخذ بعنان قلبه كما يأخذ الرجل بخطام جمله، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه، وإن قاده إلى معصيته كفّه.

خطبة منبرية من إنشاء علي بن نصر الكاتب:

الحمد لله الذي برأ الخلائق تفضّلا، وجعل من الملائكة رسلا، وانتخب من عباده صفوة أنزل عليهم وحيه، وحمّلهم أمره ونهيه، وابتعثهم مبشّرين، وأرسلهم منذرين، ليهلك من هلك عن بيّنة، ويحيا من حيّ عن بيّنة، وإنّ الله لسميع عليم، جلّ عن الأشباه والأنداد، وتقدّس عن الصواحب والأولاد، وعزّ عن الإدراك بالجوارح، وتنزّه عن الظّلم والقبائح، وتعالى عما يقول الظالمون علوّا كبيرا، ذو العلم المحيط بكلّ شيء، والقدرة القابضة لنفس كلّ حيّ، والعزّة المالكة لكلّ قلب، والرحمة الواسعة لكلّ ذنب.

أحمده منعما لا يأس من رحمته، وأعوذ به منتقما لا ملجأ من سطوته، وأستعينه ناصرا لا غالب لجنده، وأومن به مصدّقا لقوله ووعده.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تجبر نقائص الأعمال، وتغفر خطايا الأقوال والأفعال، وتكون زادا للسفر إليه، وعتادا ليوم العرض عليه. وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه من أكرم أرومة ولباب، ونقله في أطهر متون وأصلاب، حتى برز والأنوار تضيء بين يديه، والشواهد تنمّ إلى قلوب ذوي الإيمان عليه، فما زال مقبولا محبّبا، ومتبوعا مرحّبا، نطقه الحمد والاستغفار، وشعاره السّكينة والوقار، إلى أن دنا الأمد المضروب لإظهاره، وبلغ الأجل المكتوب في إنذاره، فأرسله- صلّى الله عليه- على حين فترة امتدّت أشطانها، وفتنة تمرّد شيطانها، حين فتحت الغواية أبوابا، واتّخذت الأصنام

أربابا، وافتريت على الله الأباطيل، وعبدت دونه الصّور والتماثيل، فجهر بكلمة الصّدق، وصدع بدعوة الحقّ، ودلّ على الدين القويم، وهدى إلى الصراط المستقيم، حتى بدا الإسلام مشرقا، واستنبط الكفر نفقا، وظهر أمر الله وهم كارهون. ﷺ، وشرّف وكرّم، صلاة دائمة تلاقيه وتصافحه، وسلاما يغاديه ويراوحه، وشرفا ينمي إذا ذوت الحدائق، وكرامة تبقى إذا فنيت الخلائق، وعلى أهل بيته وناصريه، وصحابته ومؤازريه، وذوي الرتبة الفائتة للمساعي، والدرجة العالية عن المرعيّ والراعي.

أوصيكم عباد الله وإيّاي بتقوى الله، وأحذّركم الدنيا فإنها منزل مكر وأطماع، ودار غرور وخداع، وطريق ميل واعوجاج، ومحلّ قلعة وانزعاج، درّتها مقطوعة، ونفرتها ممنوعة، وعقدها مجذوذ، وعهدها منبوذ، بينا هي مقبلة حتى تدبر، ومستأنسة حتى تنفر، ومسعدة حتى تخذل، ومصحبة حتى تحرن، صحّتها أسقام، ولذّتها أحلام، ونعيمها بوس، وأسعدها نحوس، من سكن إليها فتنته، ومن اعتمد عليها أسلمته، ومن همّت باقتناصه استهوته، ومن نهيت عن اعتباطه أهرمته، المرء فيها حليف هموم وأشجان، وأليف غموم وأحزان، وطليح نصب ولغوب، وطريح نوب وخطوب، فالسعيد من فقه أغراضها، والسّليم من كره أعراضها، والعزيز من زهد في عاجلها، والنّزيه من صدف عن باطلها، عالما بعظم عنائها، وموقنا بوشيك انقضائها، ومنقطعا عنها إلى ربّه، بخلوص من سريرته وقلبه، يسهر ليله اعتبارا، ويسكب دمعه حذارا، ويفني وقته استغفارا، قد أيقن بسرعة المنقلب، وتحقّق ألّا وزر ولا مهرب، فهو يرهب الفارط من الإجرام، ويفرق الواقع من الانتقام، فذلك المكتوب من الخائفين، وعسى أن يكون من المفلحين، والشقيّ من اغترّ بتعاليلها، واستمرّ في غيّها وأضاليلها، وصبا إلى خضراء دمنها، ولها عن طارق لأوائها ومحنها،

واستغزر الحلب من أخلافها، واستمرأ العذب من نطافها، لا يرى لها انقطاعا، ولا يخشى على درّتها مصاعا، فهو على لذّاتها منهمك، وبحبال خدعها متمسّك، يسحب فيها ذيل الأشر الخليع، وينقاد إليها انقياد المؤتمر المطيع، نومته على السّكر والمزمار، وصبحته على النّشوة والخمار، لا يلتفت إلى نوبها التي أقرحت الجفون، ومناياها التي أفنت القرون، ولا يرى عليه من أجله رقيبا، ووراءه من خالقه طليبا، ينتزعه من يد الناصر ولا يجد امتناعا، ويسلبه لفتة الناظر فلا يستطيع دفاعا، فذاك المعدود من الأخسرين أفعالا، والمحسوب من الأضلّين أعمالا.

فاتّقوا الله عباد الله حقّ تقاته، واعتدّوا لدنوّ الأجل وميقاته، واعملوا لقبر لحده مظلم، وسفر يخاف فيه سوء المقدم، واحذروا الموت قبل التوبة، وعضّ الأنامل يوم الأوبة يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ

(الشعراء:). جعلنا الله وإيّاكم ممن ائتمر وازدجر، وعلم واستبصر، واعتبر وتذكّر، واستقال واستغفر، استغفروا الله لي ولكم ولسائر المسلمين.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.