من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وهذا الفصل نذكر فيه جملة الأخبار والأشعار في الغزل، ونقتصر على ما يؤمن معه الملل، ونعدل عن الإكثار، فإن استقصاءه غير ممكن، وهو فنّ يلهج به الناس، وقد أكثروا منه واختلفوا فيه
قيل: الهوى جليس ممتع، وأليف مؤنس، وصاحب مهلك، ومالك قاهر، مسالكه لطيفة، ومذاهبه متضادة، وأحكامه جائرة، ملك الأبدان وأرواحها، والقلوب وخواطرها، والعيون ونواظرها، والعقول وآراءها، وأعطي خزام طاعتها، وقود تصرّفها، توارى عن الأبصار مدخله، وغيّض في القلوب مسلكه، وقد رأينا الهوى يشجع قلب الجبان، ويسخي كفّ البخيل، ويصفّي ذهن الغبي، ويبعث حزم العاجز، ويخضع له عزة كل متجبّر.
- فمن مختار الشعر فيه قول الشنفرى:
فواكبدا على أميمة بعد ماطمعت فهبها نعمة العيش ولّت
لقد أعجبتني لا سقوطا قناعهاإذا ما مشت ولا بذات تلفّت
تحلّ بمنجاة من اللوم بيتهاإذا ما بيوت بالمذمّة حلّت
أميمة لا يخزي نثاها حليلهاإذا ذكر النسوان عفّت وجلّت
إذا هو أمسى آب قرّة عينهمآب السعيد لم يقل أين ظلّت
فدقّت وجلّت واسبكرّت وأكملتفلو جنّ إنسان من الحسن جنّت
فبتنا كأنّ البيت حجّر فوقنابريحانة ريحت عشاء وطلّت
- وقال جميل:
يقولون جاهد يا جميل بغزوةوأيّ جهاد غيرهنّ أريد
لكلّ حديث بينهن بشاشةوكلّ قتيل بينهنّ شهيد
علقت الهوى منها وليدا ولم يزلإلى اليوم ينمي حبّها ويزيد
وأفنيت عمري بانتظاري نوالهاوأفنت بذاك الدهر وهو جديد
وقد تلتقي الأشتات بعد شتاتهاوقد تدرك الحاجات وهي بعيد
إذا قلت ما بي يا بثينة قاتليمن الحبّ قالت ثابت ويزيد
- وقال ذو الرمة:
ألا لا أبالي الموت إن كان دونهلقاء لميّ وارتجاع من الوصل
أناة كأنّ المرط حين تلوثهعلى دعصة غرّاء من عجم الرمل
أسيلة مستنّ الوشاحين قانىءبأطرافها الحناء في سبط طفل
من المشرقات البيض في غير مرهةذوات الشّفاه الحوّ والأعين النجل
إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنهبلا إحنة بين النفوس ولا ذحل
تبسّمن عن نور الأقاحيّ في الثرىوفتّرن من أبصار مضروجة كحل
وإنا لنرضى حين نشكو بخلوةإليهنّ حاجات النفوس بلا بذل
وما الفقر أزرى عندهنّ بوصلناولكن جرت أخلاقهنّ على البخل
- وقال قيس بن ذريح:
سلي هل قلاني من عشير صحبتهوهل ذمّ رحلي في الرفاق رفيق
وهل يجتوي القوم الكرام صحابتيإذا اغبرّ مخشيّ الفجاج عميق
ولو تعلمين الغيب أيقنت أننيلكم والهدايا المشعرات صديق
صبوحي إذا ما ذرّت الشمس ذكركمولي ذكركم عند المساء غبوق
تتوق إليك النفس ثم أردّهاحياء ومثلي بالحياء حقيق
وإني وإن حاولت صرمي وهجرتيعليك من احداث الردى لشفيق
تكاد بلاد الله يا أمّ معمربما رحبت يوما عليّ تضيق
أذود سوام الطرف عنك وهل لهعلى أحد إلا عليك طريق
وحدثتني يا قلب أنك صابرعلى البعد من لبنى فسوف تذوق
فمت كمدا أو عش سقيما فإنماتكلّفني ما لا أراك تطيق
دعون الهوى ثم ارتمين قلوبنابأعين أعداء وهنّ صديق
وهذه الأبيات متنازعة، وقد أنشد أبو هلال العسكري الرابع منها، والسادس والثامن لمضرّس بن الحارث المرّي، والبيت الآخر هو لجرير في ديوانه.
- قال عبيد الله بن سليمان الوزير: دعاني المعتضد يوما، فقال لي: ألا تعاتب بدرا على ما لا يزال يستعمله من التخرّق في النفقات والإثابات والزيادات والصلات، وجعل يؤكد القول عليّ في ذلك، فلم أخرج من حضرته حتى دخل عليه بدر، فجعل يستأمره في إطلاقات مسرفة، ونفقات واسعة، وصلات سنيّة، وهو يأذن فيها، فلما خرج رأى في وجهي إنكارا لما فعله بعد ما جرى
بيني وبينه، فقال: يا عبيد الله: قد عرفت ما في نفسك، وإني وإياه لكما قال الشاعر:
في وجهه شافع يمحو إساءتهمن القلوب مطاع حيثما شفعا
مستقبل بالذي يهوى وإن كثرتمنه الإساءة معذور بما صنعا
وهذه أبيات يقولها الحكم بن قنبر البصري أولها:
ويلي على من أطار النوم فامتنعاوزاد قلبي على أوجاعه وجعا
كأنما الشمس في أعطافه لمعتحسنا أو البدر من أزراره طلعا
- وقال أبو صخر الهذلي:
أما والذي أبكي وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الذّعر
فيا حبّها زدني جوى كلّ ليلةويا سلوة الأيام موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
- وقال آخر:
وكنت متى أرسلت طرفك رائدالقلبك يوما أتعبتك المناظر
رأيت الذي لا كلّه أنت قادرعليه ولا عن بعضه أنت صابر
- وقال الحسين بن مطير:
وكنت أذود العين أن ترد البكافقد وردت ما كنت عنه أذودها
خليلي ما بالعيش عتب لو انناوجدنا لأيام الصبا من يعيدها
ولي نظرة بعد الصدود من الجوىكنظرة ثكلى قد أصيب وحيدها
هل الله عاف عن ذنوب تكشّفتأم الله إن لم يعف عنها يعيدها
إذا جئتها بين النساء منحتهاصدودا كأن النفس ليست تريدها
- وقال آخر:
لعمرك ما ميعاد عينك والبكابداراء إلا أن تهبّ جنوب
أعاشر في داراء من لا أودّهوبالرمل مهجور إليّ حبيب
- وقال بعض الأعراب:
لا خير في الحبّ وقفا لا تحرّكهعوارض اليأس أو يرتاحه الطمع
لو كان لي صبرها أو عندها جزعيلكنت أملك ما آتي وما أدع
لا أحمل اللوم فيها والغرام بهاما حمّل الله نفسا فوق ما تسع
وقال آخر:
لقد كان فيها للأمانة موضعوللكفّ مرتاد وللعين منظر
وللحائم العطشان ريّ بريقهاوللمرح الذيال ملهى ومسكر
أقلّب طرفي في السماء لعلهيصادف طرفي طرفها حين أنظر
- وقال الأحوص:
ألا لا تلمه اليوم أن يتبلّدافقد غلب المحزون أن يتجلّدا
فما العيش إلا ما تلذّ وتشتهيوإن لام فيه ذو الشنان وفنّدا
إذا كنت عزهاة عن اللهو والصبافكن حجرا من يابس الصخر جلمدا
- وقال ذو الرمة:
ألمّا على الدار التي لو وجدتهابها أهلها ما كان وحشا مقيلها
ولو لم يكن إلا تعلّل ساعةقليلا فإني نافع لي قليلها
- وقال أبو حيّة النميري:
وإن دما لو تعلمين جنيتهعلى الحيّ جاني مثله غير سالم
أما إنه لو كان غيرك أرقلتإليه القنا بالراعفات اللهاذم
ولكن لعمر الله ما طلّ مسلماكغرّ الثنايا واضحات الملاغم
إذا هنّ ساقطن الحديث كأنهسقاط حصى المرجان من سلك ناظم
رمين فأقصدن القلوب فلم نجددما مائرا إلا جوى في الحيازم
وخبّرك الواشون أن لن أحبكمبلى وستور الله ذات المحارم
أصدّ وما الصدّ الذي تعلمينهعزاء بنا إلّا اجتراع العلاقم
حياء وبقيا أن تشيع نميمةبنا وبكم أفّ لأهل النمائم
- ويروى للمجنون:
شفيعي إليها قلبها إن تعتّبتوقلبي لها فيما تروم شفيع
لقد ظفرت مني بسمع وطاعةوكلّ محبّ سامع ومطيع
وقال أبو العميثل:
سلام على الوصل الذي كان بينناتداعت به أركانه فتضعضعا
تمنّى رجال ما أحبوا وإنماتمنّيت أن أشكو إليها فتسمعا
وإني لأنهى النفس عنها ولم يكنبشيء من الدنيا سواها لتقنعا
أرى كلّ معشوقين غيري وغيرهاقد استعذبا طعم الهوى وتمتعا
كأني وإياها على حال رقبةوتفريق شمل لم نبت ليلة معا
- وقال أبو عبد الله بن الدمينة الخثعمي، وهذه الأبيات من قصيدة مشهورة، وقد تنوزع أكثرها، ونسبت أبيات منها إلى عدد من الشعراء، والمقصود الشعر لا شاعره، فلذلك جمعت المختار منها في مكان واحد:
أحقا عباد الله أن لست وارداولا صادرا إلا عليّ رقيب
ولا زائرا فردا ولا في جماعةمن الناس إلا قيل أنت مريب
وهل ريبة في أن تحنّ نجيبةإلى إلفها أو أن يحنّ نجيب
وإنّ الكثيب الفرد من أيمن الحمىإليّ وإن لم آته لحبيب
أميم لقد عذّبتني وأريتنيبدائع أخلاق لهنّ ضروب
صدودا وإعراضا كأنّي مذنبألا ليس لي إلا هواك ذنوب
تضنّين حتى يذهب البخل بالمنىوحتى تكاد النفس عنك تطيب
فيا حسرات القلب من غربة النوىإذا اقتسمتها نية وشعوب
ومن خطرات تعتريني وزفرةلها بين جلدي والعظام دبيب
فلا تتركي نفسي شعاعا فإنهامن الوجد قد كادت عليك تذوب
أحبّك أطراف النهار بشاشةوبالليل يدعوني الهوى فأجيب
ولما رأيت الهجر أبقى مودّةوطارت بأضغان عليّ قلوب
هجرت اجتنابا غير بغض ولا قلىأميمة مهجورا إليّ حبيب
لك الله إني واصل ما وصلتنيومثن بما أوليتني ومثيب
وآخذ ما أعطيت عفوا وإننيلأزورّ عما تكرهين هيوب
وإني لأستحييك حتى كأنّماعليّ بظهر الغيب منك رقيب
ولو أنني أستغفر الله كلّماذكرتك لم تكتب عليّ ذنوب
تلجين حتى يزري الهجر بالهوىوحتى تكاد النفس عنك تطيب
أميم احذري نقض الهوى لم يزل لناعلى النأي والهجران منك نصيب
وكوني على الواشين لدّاء شغبةكما أنا للواشي ألدّ شغوب
بنفسي وأهلي من إذا عرضوا لهبذكر الهوى لم يدر كيف يجيب
ولم يعتذر عذر البريء ولم تزلبه سكتة حتى يقال مريب
ألا لا أبالي ما أجنّت صدورهمإذا نصحت ممّن أودّ جيوب
ألا ليت شعري عنك هل تذكريننيفذكرك في الدنيا إليّ حبيب
وهل لي نصيب من فؤادك ثابتكما لك عندي في الفؤاد نصيب
- ومما يروى للمجنون:
ألا أيها البيت الذي لا أزورهوإن حلّه شخص إليّ حبيب
هجرتك إشفاقا وزرتك خائفاوفيك عليّ الدهر منك رقيب
سأستعتب الأيام فيك لعلّهابيوم سرور في الزمان تؤوب
جرى السيل فاستبكاني السيل إذ جرىوفاضت له من مقلتيّ غروب
وما ذاك إلا حين أيقنت أنهيمرّ بواد أنت منه قريب
يكون أجاجا دونكم فإذا انتهىإليكم تلقّى طيبكم فيطيب
أظلّ غريب الدار في أرض عامرألا كلّ مهجور هناك غريب
- وقال الأقرع بن معاذ القشيري:
ألا حبذا ريح الغضا حين زعزعتبقضبانه بعد الضلال جنوب
تجيء بريا من عثيمة طلّةيعيش لها القلب الدوي فيثيب
لقد طرقتنا أمّ عثمان بعد ماهوى النجم والساري إليّ حبيب
كأني وإن كانت شهودا عشيرتيإذا بنت عني يا عثيم غريب
ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزرحبيبا ولم يطرب اليك حبيب
وأكببت إكباب الدنيّ وباعدتلك النفس حاجات وهنّ قريب
فلا تعديني الفقر يا أم خالدفإنّ الغنى للمنفقين قريب
- وقال ابن الدمينة:
قفي يا أميم القلب نقض لبانةونشك الهوى ثم افعلي ما بدا لك
سلي البانة الغيناء بالأبطح الذيبه البان هل حيّيت أطلال دارك
وهل قمت في أطلالهنّ عشيةمقام أخي البأساء واخترت ذلك
وهل كفكفت عيناي في الدار عبرةفرادى كنظم اللؤلؤ المتدارك
فيا بانة الوادي أليست مصيبةمن الله أن تحمي علينا ظلالك
ويا بانة الوادي أثيبي متيماأخا سقم أنشبته في حبالك
عدمتك من نفس وأنت سقيتنيبكأس الردى في وصل من لم يوالك
ومنيتني لقيان من لست لاقيانهاري ولا ليلي ولا بين ذلك
فما بك من صبر ولا من جلادةولا من عزاء فاهلكي في الهوالك
ليهنك إمساكي بكفي على الحشاورقراق دمعي رهبة من زيالك
ولو قلت طأ في النار أعلم أنههدى منك أو مدن لنا في وصالك
لقدّمت رجلي نحوها فوطئتهاهدى منك لي أو غبّة في ضلالك
- وقال أيضا:
خليليّ إني اليوم شاك إليكماوهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها
تفرّق ألّاف وإسبال عبرةأظلّ بأطراف البنان أذودها
وكائن ترى من ذي هوى حيل دونهومتبع إلف نظرة لا يعيدها
نظرت بمغضى سيل تربان نظرةهل الله لي قبل الممات معيدها
إلى رجّح الأكفال غيد كأنّهاظباء الفلا أعناقها وخدودها
خليليّ شدا بالعصائب فانظراإلى كبدي هل بتّ صدعا عهودها
وكنا إذا تدنو بعصماء نيةرضينا بدنيانا فلا نستزيدها
- وقال أيضا:
ولما لحقنا بالحمول انبرى لناخفيف الحشا توهي القميص عواتقه
قليل قذى العينين يعلم أنّههو الموت إن لم تصرعنّا بوائقه
وقفنا فسلّمنا فسلّم كارهاعلينا وتبريح من الوجد خانقه
فساءلته حتى اطمأنّ وقد بدالنا برد منه تطير صواعقه
فسايرته ميلين يا ليت أننيعلى سخطه حتى الممات أرافقه
فلما رأت أن لا جواب وأنهمدى الصّرم مضروب علينا سرادقه
رمتني بطرف لو كميّا رمت بهلبلّ نجيعا نحره وبنائقه
- ومن طوال قصائد الغزل ومختارها قول كثير، وقد اقتصرت على بعضها:
خليليّ هذا ربع عزّة فاعقلاقلوصيكما ثم انزلا حيث حلّت
وما كنت أدري قبل عزّة ما البكاولا موجعات الحزن حتى تولّت
فقد حلفت جهدا بما نحرت لهقريش غداة المأزمين وصلّت
وكانت لقطع الحبل بيني وبينهاكناذرة نذرا فأوفت وحلّت
فقلت لها يا عزّ كلّ مصيبةإذا وطّنت يوما لها النفس ذلّت
ولم يلق إنسان من الحبّ ميعةتعمّ ولا غمّاء إلا تجلّت
كأني أنادي صخرة حين أعرضتمن الصمّ لو تمشي بها العصم زلّت
صفوحا فما تلقاك إلا بخيلةفمن ملّ منها ذلك الوصل ملّت
أباحت حمى لم يرعه الناس قبلهاوحلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت
فما أنصفت أما النساء فبغّضتإلينا وأما بالنوال فضنّت
يكلّفها الخنزير شتمي وما بهاهواني ولكن للمليك استذلّت
هنيئا مريئا غير داء مخامرلعزّة من أعراضنا ما استحلّت
وو الله ما قاربت إلا تباعدتبصرم ولا أكثرت إلا أقلّت
فإن تكن العتبى فأهلا ومرحباوحقّت لها العتبى إلينا وقلّت
وإن تكن الأخرى فإن وراءنامناديح لو سارت بها العيس كلّت
أسيئي بنا أو أحسني لا ملومةلدينا ولا مقلية إن تقلّت
وإني وإن صدّت لمثن وصادقعليها بما كانت إلينا أزلّت
فما أنا بالداعي لعزّة بالردىولا شامت ان نعل عزّة زلّت
فلا يحسب الواشون أنّ صبابتيبعزّة كانت غمرة فتجلّت
فيا عجبا للقلب كيف اعترافهوللنفس لما وطّنت كيف ذلّت
وإني وتهيامي بعزّة بعد ماتخلّيت مما بيننا وتخلّت
لكالمرتجي ظلّ الغمامة كلّماتبوأ منها للمقيل اضمحلّت
كأني وإياها سحابة ممحلرجاها فلما جاوزته استهلّت
- قال عبد الله بن أبي عبيد: قلت لأبي السائب المخزومي: ما أحسن عروة بن أذينة حيث يقول:
لبثوا ثلاث منى بمنزل غبطةوهم على غرض هنالك ما هم
متجاورين بغير دار إقامةلو قد أجدّ رحيلهم لم يندموا
ولهنّ بالبيت العتيق لبانةوالركن يعرفهنّ لو يتكلم
لو كان حيّا قبلهنّ ظعائناحيّا الحطيم وجوههنّ وزمزم
وكأنهنّ وقد حسرن لواغبابيض بأكناف الحطيم مركّم
قال: فقال: لا والله ما أحسن ولا أجمل، ولكنه أهجر وأخطل في صفتهنّ بهذه الصفة، ثم لا يندم على رحيلهنّ، أهكذا قال كثير حيث يقول:
تفرّق أهواء الحجيج على منىوصدّعهم شعب النوى صبح أربع
فريقان منهم سالك بطن نخلةوآخر منهم سالك بطن تضرع
فلم أر دارا مثلها دار غبطةوملقى إذا التفّ الحجيج بمجمع
أقلّ مقيما راضيا بمقامهوأكثر جارا ظاعنا لم يودّع
انظر إليه كيف تقدّمت شهادته علمه، وكفى لسانه ببيانه، وهل يغتبط عاقل بمقام لا يرضى به، ولكن مكره أخوك لا بطل؛ والعرجيّ كان بالعهد أوفى منهما، وأولى بالصواب حين تعرّض لها نافرة من منى، فقال لها عاتبا مستكينا:
عوجي عليّ فسلّمي جبرماذا الوقوف وأنتم سفر
ما نلتقي إلا ثلاث منىحتى يفرّق بيننا النّفر
- قال المدائني: انتجع أهل جنوب ناحية حسي والحمى، وقد أصابها الغيث وأمرعت، فلما أرادوا الرحيل وقف لهم مالك بن الصمصامة (وجنوب هي بنت محصن الجعدية بنت عم مالك) حتى إذا بلغته أخذ بخطام بعيرها ثم قال:
أريتك إذ أزمعتم اليوم نيةوغالك مصطاف الحمى ومرابعه
أترعين ما استودعت أم أنت كالذيإذا ما نأى هانت عليه ودائعه
فبكت وقالت: بل أرعى والله ما استودعت، ولا أكون كمن هانت عليه ودائعه، فأرسل بعيرها وبكى حتى سقط مغشيّا عليه، وهي واقفة، ثم أفاق وهو يقول:
ألا إن حسيا دونه قلّة الحمىمنى النفس لو كانت تنال شرائعه
وكيف ومن دون الورود عوائقوأصبغ حامي ما أحبّ ومانعه
فلا أنا فيما صدّني عنه طامعولا أرتجي وصل الذي هو قاطعه
قال بعضهم: رأيت امرأة مستقبلة البيت في غاية الضرّ والنحافة، رافعة يديها تدعو، فقلت لها: هل من حاجة؟ قالت: حاجتي أن تنادي في الموقف بقولي:
تزوّد كلّ الناس زادا يقيمهموما لي زاد والسلام على نفسي
ففعلت، فإذا أنا بفتى منهوك فقال: أما الزاد فمضيت به إليها، فما زادت على النظر والبكاء، ثم قالت له: انصرف مصاحبا، فقلت: ما علمت أن لقاء كما يقتصر على هذا، فقالت: أمسك، أما علمت أنّ ركوب العار ودخول النار شديد؟! - وقال الناجم:
طالبت من شرّد نومي وذعربقبلة تحسن في القلب الأثر
فقال لي مستعجلا وما انتظر:ليس لغير العين حظّ في القمر
أخذه من قول علي بن الجهم:
وقلن لنا نحن الأهلة إنمانضيء لمن يسري بليل ولا نقري
فلا نيل إلا ما تزوّد ناظرولا وصل إلا بالخيال الذي يسري
- وقال سليمان بن أبي دباكل الخزاعي: وقد وجدت بعض هذه الأبيات في ديوان أبي ذؤيب:
يا بيت خنساء الذي أتجنّبذهب الشباب وحبّها لا يذهب
أصبحت أمنحك الصدود وإننيقسما إليك على الصدود لأجنب
ما لي أحنّ إذا جمالك قرّبتوأصدّ عنك وأنت مني أقرب
تبكي الحمامة شجوها فتهيجنيويروح عازب همّي المتأوّب
وتهبّ سارية الرياح من ارضكمفأرى الرياح لها تطلّ وتجنب
وأرى الصديق يودّكم فأودّهإن كان ينسب منك أو لا ينسب
وأخالف الواشين فيك تجمّلاوهم عليّ أولو ضغائن ذرّب
ثم اتخذتهم عليّ وليجةحتى غضبت ومثل ذلك يغضب
وأرى السّميّة باسمكم فيزيدنيشوقا إليك حنانك المتنسّب
- وقال يزيد بن الطّثريّة:
بنفسي من لو مرّ برد بنانهعلى كبدي كانت شفاء أنامله
ومن هابني في كلّ أمر وهبتهفلا هو يعطيني ولا أنا سائله
- وقال أيضا:
عقيلية أمّا ملاث إزارهافدعص وأما خصرها فبتيل
تقيظ بأكناف الحمى ويظلّهابنعمان من وادي الأراك مقيل
أليس قليلا نظرة إن نظرتهاإليك وكلّا ليس منك قليل
فيا خلّة النفس التي ليس دونهالنا من أخلّاء الصفاء خليل
ويا من كتمنا حبّه لم يطع بهعدوّ ولم يؤمن عليه دخيل
أما من مقام أشتكي غربة النوىوخوف العدا فيه إليك سبيل
فديتك أعدائي كثير وشقّتيبعيد وأنصاري لديك قليل
وكنت إذا ما جئت جئت بعلّةفأفنيت علّاتي فكيف أقول
فما كلّ يوم لي بأرضك حاجةولا كلّ وقت لي إليك رسول
صحائف عندي للعتاب طويتهاستنشر يوما والعتاب يطول
فلا تحملي إثمي وأنت ضعيفةفحمل دمي يوم الحساب ثقيل
- قيل لما تأيمت عائشة بنت طلحة كانت تقيم بمكة سنة وبالمدينة سنة، وتخرج إلى مال عظيم لها بالطائف، وقصر كان لها هناك تتنزّه فيه، وتجلس فيه بالعشيات تناضل بين الرماة، فمرّ بها النميريّ الشاعر، فسألت عنه فنسب لها، فقالت ائتوني به، فأتوا به، فقالت له: أنشدني ممّا قلت في زينب، تعني زينب بنت يوسف أخت الحجاج بن يوسف، وكان النميريّ يتعشّقها، وهو محمد بن عبد الله بن نمير من ثقيف، فامتنع عليها، وقال: بنت عمي وقد
صارت عظاما بالية، قالت: أقسمت عليك إلّا فعلت، فأنشدها قوله، وهي أبيات ذكرت هاهنا مختارها:
تضوّع مسكا بطن نعمان أن مشتبه زينب في نسوة عطرات
فأصبح ما بين الهماء وجدوةإلى الماء ماء الجزع ذي العشرات
له أرج من مجمر الهند ساطعتظلع ريّاه من الكفرات
تهادين ما بين المحصّب من منىوأقبلن لا شعثا ولا غبرات
مررن بفخّ رائحات عشيّةيلبّين للرحمن معتمرات
يخمّرن أطراف البنان من التّقىويخرجن جنح الليل معتجرات
تقسم لبّي يوم نعمان إننيرأيت فؤادي عارم النظرات
جلون وجوها لم تلحها سمائمحرور ولم يسفعن بالسّبرات
قالت: والله ما قلت إلّا جميلا، ولا ذكرت إلا كرما وطيبا، ولا وصفت إلا دينا وتقى، أعطوه ألف درهم. فلما كانت الجمعة الأخرى تعرّض لها، فقالت: عليّ به، فجاءها فقالت له: أنشدني من شعرك في زينب، فقال لها: أو أنشدك من شعر الحارث بن خالد فيك، فوثب مواليها إليه، فقالت: دعوه، فإنه أراد أن يستقيد لبنت عمه، هات ممّا قال الحارث، فأنشدها:
ظعن الأمير بأحسن الخلقوغدوا بلبك مطلع الشرق
في البيت ذي الحسب الرفيع ومنأهل التقى والبرّ والصدق
أترجّة عبق العبير بهاعبق الدهان بجانب الحقّ
ما صبّحت أحدا برؤيتهاإلا غدا بكواكب الطلق
فقالت: والله ما ذكر إلا جميلا، ذكر أني إذا صبّحت زوجا غدا بوجهي، غدا بكواكب الطلق، وأني غدوت مع أمير تزوّجني إلى المشرق، وأني أحسن الخلق في البيت ذي الحسب الرفيع، أعطوه ألف درهم واكسوه حلّتين، ولا تعد تأتينا يا نميري.
- وكان الحارث بن خالد المخزومي مع منصبه وشرفه وفضله شديد الغزل، خالعا فيه العذار، ولّاه عبد الملك بن مروان مكة، فأذّن له المؤذّن وخرج إلى الصلاة، فأرسلت إليه عائشة بنت طلحة أن بقي من طوافي شيء لم أتمّه، فأمر المؤذنين فكفّوا عن الإقامة حتى فرغت من طوافها، والناس يصيحون به ويضجّون، فبلغ ذلك عبد الملك بن مروان فعزله، وكتب إليه يؤنّبه فيما فعل، فقال: ما أهون والله غضبه عليّ إذا رضيت عائشة، والله لو لم تفرغ من طوافها إلى الليل لأخرت الصلاة إلى الليل.
- وكانت العرب في جاهليتها وإسلامها مع شدة بأسها وغلظ أكبادها ترقّ عند الغزل وتلين، حتى مات كثير منهم كمدا وشغفا، وكانت تستحسن منه ما هو مستهجن عند غيرها من طوائف الأمم، ألا ترى أن الشاعر منهم كان ينسب بالمرأة الجليلة ذات الحسب والعشيرة المنيعة، فلا ينكرون ذلك ولا يغيرونه حتى كانوا ينسبون بنساء الملوك، فلا يكون منهم له نكير. ذكر النابغة الذبياني المتجردة زوجة النعمان بن المنذر في شعره، فقال قصيدة أولها:
أمن آل ميّة رائح أو مغتديعجلان ذا زاد وغير مزوّد
ووصف أعضاءها وأفحش حتى قال:
وإذا طعنت طعنت في مستهدفرابي المجسّة بالعبير مقرمد
وهي أبيات قد كتبتها في مكان آخر من هذا الكتاب، وأنشدها النعمان غير مراقب، فقال بعض أعدائه: ما يستطيع أن يقول ذلك إلا من جرّب، فأغراه به.
- وتنسّب أبو دهبل الجمحي بعاتكة بنت معاوية بن أبي سفيان، فاحتمله معاوية ووصله وزوّجه ليكفّ ويقطع القالة عن ابنته.
روي أن عاتكة بنت معاوية حجّت فنزلت بذي طوى، فمرّ بها أبو دهبل الجمحي في وقت الهاجرة وهي غافلة عنه، فوقف ينظر إليها، فلما تنبّهت له شتمته فانصرف، وقال فيها الشعر، فبلغها فضحكت وبعثت إليه بكسوة، وجرت الرسل بينهما، وكان أبو دهبل من أجمل الناس، فلما صدرت عن مكة خرج معها إلى الشام، فنزل قريبا منها، وكانت تعاهده بالبرّ والألطاف، حتى دخلت دمشق وورد معها، فانقطعت عن لقائه، وبعد من أن يراها، ومرض بدمشق مرضا طويلا وقال في ذلك:
طال ليلي وبتّ كالمحزونومللت المقام في جيرون
وأطلت المقام بالشام حتىظنّ أهلي مرجّمات الظنون
فبكت خشية التفرّق جملكبكاء القرين إثر القرين
وهي زهراء مثل لؤلؤة الغوواص ميزت من جوهر مكنون
وإذا ما نسبتها لم تجدهافي سناء من المكارم دون
تجعل المسك واليلنجوج والندد صلاء لها على الكانون
ثم خاصرتها إلى القبّة البيضاء تمشي في مرمر مسنون
قبّة من مراجل ضربوهاعند برد الشتاء في قيطون
عن يساري إذا دخلت من الباب وإن كنت خارجا فيميني
ثم فارقتها على خير ما كان قرين مقارنا لقرين
ولقد قلت إذ تطاول ليليوتقلّبت ليلتي في فنون
ليت شعري أمن هوى طار نوميأم براني الباري قصير الجفون
وشاع هذا الشعر حتى بلغ معاوية فأمسك عنه، حتى إذا كان يوم الجمعة دخل عليه الناس وفيهم أبو دهبل، فقال معاوية لحاجبه: إذا أراد أبو دهبل الخروج فامنعه واردده إليّ، وجعل الناس يسلّمون وينصرفون، فقام أبو دهبل لينصرف، فناداه معاوية: يا أبا دهبل هلمّ إليّ، فلما دنا أجلسه حتى خلا به، ثم قال: ما ظننت في قريش أشعر منك حيث تقول:
ولقد قلت إذ تطاول ليلي
وذكر بعض الأبيات، وو الله إنّ فتاة أبوها معاوية، وجدّها أبو سفيان، وجدتها هند بنت عتبة لكما ذكرت، فأيّ شيء زدت في قدرها، ولقد أسأت والله في قولك: «ثم خاصرتها إلى القبّة الخضراء». فقال له يا أمير المؤمنين: والله ما قلت هذا، وإنما قيل على لساني، فقال له معاوية: أما من جهتي فلا خوف عليك لأني أعلم صيانة ابنتي نفسها، وأعلم أن فتيان الشعراء لم يتركوا أن يقولوا النسيب في كلّ من جاز أن يقولوه فيه، وكل من لم يجز، وإنما أكره لك جوار يزيد، وأخاف عليك وثباته، فإنّ له سورة الشباب وأنفة الملوك. وإنما أراد معاوية أن يهرب أبو دهبل وتنقضي القالة عن ابنته. فحذر أبو دهبل وخرج إلى مكة هاربا على وجهه، وكان يكاتب عاتكة، فبينما معاوية ذات يوم في مجلسه إذ جاء
خصيّ فقال له: يا أمير المؤمنين والله لقد سقط اليوم إلى عاتكة كتاب، فلما قرأته بكت ثم أخذته فجعلته تحت مصلاها، وما زالت خاثرة النفس منذ اليوم، فقال له: اذهب والطف لهذا الكتاب حتى تأتيني به، فانطلق الخصيّ فلم يزل حتى أصاب منها غرّة، فأخذ الكتاب وأقبل به إلى معاوية وإذا فيه:
أعاتك هلّا إذ بخلت فلم تريلذي صبوة زلفى لديك ولا حقّا
رددت فؤادا قد تولّى به الهوىوسكّنت عينا لا تملّ ولا ترقا
ولكن خلعت القلب بالوعد والمنىولم أر يوما منك جودا ولا صدقا
أتنسين أيامي بربعك مدنفاصريعا بأرض الشام ذا جسد ملقى
وليس صديق يرتضى لوصيّةوأدعو لأوتى بالشراب فما أسقى
وأكبر همي أن أرى لك مرسلاوطول نهاري جالس أرقب الطرقا
فواكبدي إذ ليس لي منك مجلسفأشكو الذي بي من هواك وما ألقى
رأيتك تزدادين للصبّ غلظةويزداد قلبي كلّ يوم لكم عشقا
فلما قرأ معاوية هذا الشعر، بعث إلى يزيد بن معاوية، فأتاه فدخل عليه، فوجده مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين ما هذا الإطراق الذي شجاك؟ فقال: أمر أرمضني وأقلقني منذ اليوم، وما أدري ما أنتم في شأنه، قال: وما هو؟ قال:
هذا الفاسق أبو دهبل كتب هذه الأبيات لأختك عاتكة، ولم تزل باكية منذ اليوم، وقد أفسدها فما ترى فيه؟ فقال: والله يا أمير المؤمنين إنّ الشأن في أمره لهيّن، قال: وما هو؟ قال: عبد من عبيدك يكمن له في أزقّة مكة فيريحنا منه، فقال له معاوية: أفّ لك، والله إنّ امرءا يريد بك ما يريد، ويسمو بك إلى ما
يسمو لغير ذي رأي، وأنت قد ضاق ذرعك بكلمة، وقصر فيها باعك، حتى أردت أن تقتل رجلا من قريش، أوما تعلم أنك إن فعلت ذلك صدّقت قوله وجعلتنا أحدوثة أبدا! قال: يا أمير المؤمنين إنه قد قال قصيدة أخرى، فأنشدها أهل مكة، وسارت حتى بلغتني وأوجعتني، وحملتني على ما أشرت فيه، قال:
وما هي؟ قال: قال:
ألا لا تقل مهلا فقد ذهب المهلوما كلّ من يلحى محبّا له عقل
لقد كان في حالين حالا ولم أزرهواي وإن خوّفت عن حبها شغل
حمى الملك الجبار عني لقاءهافمن دونها تخشى المتالف والقتل
فلا خير في حبّ نخاف وبالهولا في حبيب لا يكون له وصل
فواكبدي إني شهرت بحبهاولم يك فيما بيننا ساعة بذل
ويا عجبا إني أكاتم حبّهاوقد شاع حتى قطّعت دونها السبل
قال له: قد والله رفّهت عني، والله ما كنت آمن أن يكون قد وصل إليها، أما الآن، وهو يشكو أنه لم يكن بينهما وصل ولا بذل، فالخطب فيه يسير، قم عني وانصرف.
وحج معاوية في تلك السنة، فلما انقضت أيام الحج كتب أسماء وجوه قريش وأشرافهم وشعرائهم، وكتب فيهم اسم أبي دهبل، ثم دعا بهم، ففرّق في جميعهم صلات سنيّة، وأجازهم جوائز كثيرة، فلما قبض أبو دهبل جائزته وقام لينصرف دعا به معاوية، فرجع إليه، فقال: يا أبا دهبل، ما لي أرى أبا خالد يزيد بن معاوية ابن أمير المؤمنين عليك ساخطا في قوارص تأتيه عنك، وشعر لا تزال قد نطقت به وأنفذته إلى خصياننا وموالينا؟ لا تعترض لأبي خالد. فجعل
يعتذر إليه، ويحلف أنه مكذوب عليه. فقال له معاوية: لا بأس عليك، وما يضرك هذا عندنا، هل تأهّلت؟ قال: لا، قال: فأيّ بنات عمك أحبّ إليك؟
قال: فلانة، قال: قد زوجكها أمير المؤمنين وأصدقها ألفي دينار، فلما قبضها قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يعفو عما مضى، فإن نطقت ببيت في معنى ما سبق فقد أبحت دمي، وفلانة التي زوجتنيها طالق البتة، فسرّ بذلك معاوية، وضمن له رضى يزيد عنه، ووعده بإدرار ما وصله به في كلّ سنة، فانصرف إلى دمشق، ولم يحجّ معاوية في تلك السنة إلا من أجل أبي دهبل.
- ومن حلاوة الهوى والغزل عندهم وضعوا أخبارا وأشعارا نسبوها إلى المجنون وغيره، وممّا نسب إلى المجنون: أنه لما اختلط في حب ليلى، قيل لأبيه احجج إلى مكة وادع الله ﷿، ومره أن يتعلق بأستار الكعبة، واسأل الله أن يعافيه ممّا به، ويبغض ليلى إليه، فلعل الله ﷿ أن يخلصه من هذا البلاء، فحج به أبوه، فلما صاروا بمنى سمع صائحا في الليل يصيح: يا ليلى، فصرخ صرخة ظنوا أنّ نفسه قد تلفت، وسقط مغشيّا عليه، فلم يزل كذلك حتى أصبح، وقال له أبوه: تعلق بأستار الكعبة، واسأل الله ﷿ أن يعافيك من حب ليلى، فتعلق بالأستار وقال: اللهم زدني لليلى حبّا وبها كلفا، ولا تنسني ذكرها أبدا، فهام حينئذ واختلط ولم يضبط، فكان يهيم في البرية مع الوحش.
- وروي أنه مرّ بزوج ليلى وهو جالس يصلي في يوم شات، فوقف عليه ثم قال:
بربّك هل ضممت إليك ليلىقبيل الصبح أو قبّلت فاها
وهل رفّت عليك قرون ليلىرفيف الأقحوانة في نداها
فقال له: اللهم إذ حلّفتني فنعم؛ فقبض المجنون بكلتا يديه قبضتين من نار فما فارقهما حتى سقط مغشيّا عليه، وسقط الجمر مع لحم راحتيه، فقام زوج ليلى مغموما بفعله متعجّبا.
والأخبار المنسوبة إلى المجنون كثيرة، وهي تخرج عن المعنى الذي قصدت.
- وأعود إلى مستحسن الأشعار في المعنى، فمن ذلك قول جرير:
كأنّ عيون المجتلين تعرّضتلشمس تجلّى يوم دجن سحابها
إذا ذكرت للقلب كاد لذكرهايطير إليها واعتراه عذابها
حمى أهلها ما كان منّا وأصبحتسواء علينا نأيها واقترابها
- وقال ذو الرمة:
عدتني العوادي عنك يا ميّ برهةوقد يلتوى دون الحبيب فيهجر
على أنني في كلّ سير أسيرهوفي نظري من نحو أرضك أصور
فإن تحدث الأيام يا ميّ بيننافلا ناشر سرّا ولا متغيّر
أقول لنفسي كلما خفت هفوةمن القلب في آثار ميّ فأكثر
ألا إنما ميّ فصبرا بليّةوقد يبتلى المرء الكريم فيصبر
- وقال أيضا:
وقفنا فقلنا إيه عن أمّ سالموما بال تكليم الديار البلاقع
فما كلّمتنا دارها غير أنّهاثنت هاجسات من خبال مراجع
عفت غير آجال الصّريم وقد يرىبها وضّح اللبّات حور المدامع
إذا الفاحش المغيار لم يرتقبنهمددن حبال المطمعات الموانع
فما القرب يشفي من هوى أم سالموما البعد منها من دواء بنافع
من البيض مبهاج عليها ملاحةنضار وروعات الحسان الروائع
هي الشمس إشراقا إذا ما تزيّنتوشبه النّقا مغترّة في الموادع
ولما تلاقينا جرت من عيوننادموع كففنا فيضها بالأصابع
ونلنا سقاطا من حديث كأنهجنى النحل ممزوجا بماء الوقائع
- وقال أبو ذؤيب الهذلي:
أبى القلب إلا أمّ عمرو فأصبحتتحرّق ناري بالشّكاة ونارها
وعيّرها الواشون أني أحبّهاوتلك شكاة ظاهر عنك عارها
فإن أعتذر منها فإني مكذّبوإن تعتذر يردد عليها اعتذارها
فلا يهنأ الواشين أن قد هجرتهاوأظلم دوني ليلها ونهارها
فما أمّ خشف بالعلاية مشدنتنوش البرير حيث نال اهتصارها
بأحسن منها يوم قامت فأعرضتتواري الدموع حيث جدّ انحدارها
- ومما ينسب إلى قيس بن الملوّح المجنون:
دعا المحرمون الله يستغفرونهبمكة يوما كي تمحّى ذنوبها
وناديت يا مولاي أوّل حاجةبنفسي ليلى ثم أنت حسيبها
تمرّ الصبا صفحا بساكن ذي الغضاويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنماهوى كلّ نفس حيث حلّ حبيبها
- وقال رجل من بني الحارث:
منى إن تكن حقا تكن أحسن المنىوإلا فقد عشنا بها زمنا رغدا
أمانيّ من سلمى حسان كأنماسقتك بها سلمى على ظمإ بردا
وقال ابن ياسين:
إلهي منحت الودّ مني بخيلةوأنت على تغيير ذاك قدير
شفاء الجوى بثّ الهوى واشتكاؤهوإنّ امرءا أخفى الهوى لصبور
- وينشد للصمّة:
تختال عيني في يوميك واجدةتبكي لفرط صدود أو نوى دار
وقال آخر:
إلى الله أشكو بخلها وسماحتيلها عسل مني وتبذل علقما
أفي الله أن أنسى ولا تذكريننيوعيناي من ذكراك قد ذرفت دما
أبيت فما تنفكّ لي منك حاجةرمى الله بالحبّ الذي كان أظلما
- عبد العزيز بن [خلوف] النحوي المغربي:
إنّ التي فتنته ودّ حماتهالو تستعير سيوفهم لحظاتها
الجانيات هوى أمرّ مذاقةمن صدّها وألذّ من رشفاتها
الواقعات بنا نوافذ تلتقيفي القلب أكلمها وحبّ رماتها
إني لأرضى أن أبيع بلحظةمنها مدامع مقلتي وسناتها
إنّ الأمرّ من الحمام مذاقةلفراق دنيا تلك من لذاتها
بيني وبين سلوّها ما بينهافي حسن صورتها وحسن لداتها
- وقال الأحوص بن محمد:
لقد منعت معروفها أمّ جعفروإني إلى معروفها لفقير
وقد أنكرت بعد اعتراف زيارتيوقد وغرت فيها عليّ صدور
أدور ولولا أن أرى أمّ جعفربأبياتكم ما درت حيث أدور
أزور البيوت اللاصقات بأرضهاوقلبي إلى البيت الذي لا أزور
وما كنت زوّارا ولكنّ ذا الهوىإذا لم يزر لا بدّ أن سيزور
- وقال أبو اسحاق الحصري الأنصاري المغربي:
هتفت سحيرا والربىللقطر رافعة العيون
يا هل بكيت كما بكتورق الحمائم في الغصون
ذكّرنني عهدا مضىللأنس منقطع القرين
فكأنما صاغت علىشجوي شجى تلك اللحون
وتصرّمت أيامهفكأنها رجع الجفون
- وقال آخر:
وددتك لما كان حبّك خالصاوأعرضت لما صار نهبا مقسّما
ولا يلبث الحوض الجديد بناؤهعلى كثرة الورّاد أن يتهدّما
قال بعض العرب لبنيه: صفوا لي شهواتكم من النساء، فقال الأكبر: تعجبني القدود والخدود والنهود، وقال الأوسط: تعجبني الأطراف والأعطاف والأرداف، وقال الأصغر: تعجبني الثغور والنحور والشعور.
- روي أنّ سكينة بنت الحسين مرّت بعروة بن أذينة، فقالت: يا أبا عامر أنت الذي تقول:
إذا وجدت أوار الحبّ في كبديأقبلت نحو سقاء القوم أبترد
هبني تبرّدت برد الماء ظاهرهفمن لنار على الأحشاء تتّقد
وأنت القائل:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت بهقد كنت عندي تحب الستر فاستتر
ألست تبصر من حولي فقلت لهاغطّى هواك وما ألقى على بصري
قال: نعم، قالت: هن حرائر- وأشارت إلى جواريها- إن كان هذا خرج من قلب سليم.
- أنشد الجاحظ:
قامت تخاصرني لقبّتهاخود تأطّر غادة بكر
كلّ يرى أنّ الشباب لهفي كلّ مبلغ لذّة عذر
- وقال الحسن بن هانىء:
ظنّ بي من قد كلفت بهفهو يجفوني على الظّنن
نام لا يعنيه ما لقيتعين ممنوع من الوسن
رشأ لولا ملاحتهخلت الدنيا من الفتن
كلّ يوم يسترقّ لهحسنه عبدا بلا ثمن
- وقال أبو الطيب:
لعينيك ما يلقى الفؤاد وما لقيوللحبّ ما لم يبق مني وما بقي
وبين الرضى والسّخط والقرب والنّوىمجال لدمع المقلة المترقرق
وأحلى الهوى ما شكّ في الوصل ربّهوفي الهجر فهو الدهر يرجو ويتّقي
- وقال البحتري:
أرسوم دار أم سطور كتابذهبت بشاشتها مع الأحقاب
يجتاز زائرها بغير لبانةويردّ سائلها بغير جواب
ولربّما كان المكان محبّبافينا بمن فيه من الأحباب
ترنو فتنقلب القلوب للحظهامرضى السلوّ صحائح الأوصاب
رفعت من السجف المنيف وسلّمتبأنامل فيهنّ درس خضاب
وتعجّبت من لوعتي فتبسّمتعن واضحات لو لثمن عذاب
لو تسعفين وما سألت مشقةلعدلت حرّ جوى ببرد رضاب
ولئن شكوت ظماي إنك للّتيقدما جعلت من السّراب شرابي
- وقال أيضا:
تمادى بها وجدي وملّك وصلهاخلي الحشا في وصلها جدّ زاهد
وما الناس إلا واجد غير مالكلما يبتغي أو مالك غير واجد
- وقال أيضا:
لغريرة أدنو وتبعد في الهوىوأجود بالوصل المصون وتبخل
وعليلة الألحاظ ناعمة الصباغري الوشاة بها ولجّ العذّل
لا تكذبنّ فأنت ألطف في الحشاعهدا وأحسن في الضمير وأجمل
لو شئت عدت إلى التناصف في الهوىوبذلت من مكنونه ما أبذل
أحنو عليك وفي فؤادي لوعةوأصدّ عنك ووجه ودّي مقبل
وإذا هممت بوصل غيرك ردّنيولهي عليك وشافع لك أوّل
وأعزّ ثم أذلّ ذلّة عاشقوالحبّ فيه تعزّز وتذلّل
- وقال أيضا:
أحبّ على أيّ ما حالةإساءة ليلى وإحسانها
أراك وإن كنت ظلّامةصفيّة نفسي وخلّانها
ويعجبني فيك أن أستديمصبابات نفسي وأشجانها
وما سرّني أنّ قلبي أعيرعزاء القلوب وسلوانها
- وقال أبو تمام:
ما أقبلت أوجه اللذّات سافرةمذ أدبرت باللوى أيامنا الأول
إن شئت أن لا ترى صبرا لمصطبرفانظر على أيّ حال أصبح الطلل
كأنما جاد مغناه فغيّرهدموعنا يوم بانوا وهي تنهمل
- وقال أيضا:
أرامة كنت مألف كلّ ريملو استمتعت بالأنس القديم
أدار البؤس غيرّك التصابيإليّ فصرت جنّات النعيم
لئن أصبحت ميدان السّوافيلقد أصبحت ميدان الهموم
ومما ضرّم البرحاء أنّيشكوت فما شكوت إلى رحيم
أظنّ الدمع في خدّي سيبقىرسوما من بكائي في الرسوم
وليل بتّ أكلأه كأنيسليم أو سهرت على سليم
فأقسم لو سألت دجاه عنّيلقد أنباك عن وجد عظيم
- وقال ابن الرومي:
ثنى شوقه والمرء يصحو ويسكررسوم كأخلاق الصحائف دثّر
لأيدي البلى فيها سطور مبينةعبارتها أن كلّ بيت سيهجر
وقفت بها صحبي فظلّت عراصهمبدمعي وأنفاسي تراح وتمطر
- وقال أيضا:
مذ صرت همّي في النوم واليقظهأتعبت مما أهذي بك الحفظه
كم واعظ فيك لي وواعظةلو كنت ممّن تنهاه فيك عظه
وكيف بالصبر عنك يا حسنايأمر بالسيّئات من لحظه
يا من حلا في الفؤاد منظره الحلوفما مجّه ولا لفظه
ويحي إلى كم تصيد رقتهقلبي وقلب كم أشتكي غلظه
- وقال أيضا:
جعلت لها صدري مرادا ترودهوبوّأتها من حبّة القلب منزلا
فما علقت من قبلها النفس معلقاولا اتخذت من بعدها متعلّلا
- وقال:
نظرت فأقصدت الفؤاد بسهمهاثم انثنت عني فكدت أهيم
ويلاه إن نظرت وإن هي أعرضتوقع السهام ونزعهنّ أليم
- وقال أبو عثمان الخالدي:
أنباك شاهد أمري عن مغيّبهوجدّ جدّ الهوى بي في تلعّبه
يا نازحا نزحت دمعي قطيعتههب لي من الدمع ما أبكي عليك به
ولي فؤاد إذا لجّ الغرام بههام اشتياقا إلى ذكرى معذّبه
وقال أبو بكر اليوسفي:
سقى البارق العلويّ عذبا من الحيامحلّتنا بين العذيب وبارق
وأغنى مغانيها وأرضى رياضهاوشقّ بلطم القطر خدّ الشقائق
محلّة إيناس ومغنى أوانسومركز رايات ومرعى أيانق
فيا يومها كم من مناف منافقويا ليلها كم من مواف موافق
ومنها:
فلم أنتبه إلا وذكراك صاحبيولم أغتمض إلا وطيفك طارقي
أغار على رياك من كلّ ناشقلها وعلى ذكراك من كلّ ناطق
- وقال ابن نباتة:
كيف السلوّ وأين بابهوالحيّ قد خطفت ركابه
زعم المخبر أنهضربت على سلع قبابه
فطلبتهم كالأيم أوكالسيل في الليل انسيابه
فإذا أحمّ المقلتينيشين أنمله خضابه
يهتزّ مثل السمهريّتدافعت فيه كعابه
وقف الولائد دونهكالقلب يستره حجابه
أقبلت أسأله وأعلمأنّ حرماني جوابه
ويلي على متلوّن الأخلاقيعجبه شبابه
لا رسله تترى إلينابالسلام ولا كتابه
- وقال أيضا:
وبدر تمام بتّ ألثم رجلهوأكبره عن أن أقبّل خدّه
تعشّقت فيه كلّ شيء يحبّهمن الجور حتى صرت أعشق صدّه
ولا بدّ لي من جهلة في وصالهفمن لي بخلّ أودع الحلم عنده
- وقال أبو الحسن السلامي:
أنسيم هل الصلح عندك موضعفيزور طيف أو يهبّ نسيم
والشيب دونك وهو موت مضمروالهجر وهو تفرّق مكتوم
وقال من أبيات:
وسمّوه مع القربى غريباكنور العين سمّوه سوادا
- كان سعيد بن حميد الكاتب يتعشق فضل الشاعرة مولاة المتوكل وتهواه، فكتبت إليه تعاتبه على حضوره مع مغنية وتجميشه إياها، وكتبت في آخرها:
خنت عهدي وليس ذاك جزائييا صناع اللسان مرّ الفعال
وتبدّلت بي بديلا فلا يهنكما اخترته من الأبدال
فأجابها يعتذر بجواب طويل، وكتب في آخره:
تظنّون أني قد تبدّلت بعدكمبديلا وبعض الظنّ إثم ومنكر
إذا كان قلبي في يديك رهينةفكيف بلا قلب أصافي وأهجر
- وقال أبو الفرج الدمشقي المعروف بالوأواء:
رعى الله من لم يرع لي ما رعيتهوإن كان في كفّ المنيّة مودعي
فيا أسفي زدني جوى كلّ ليلةويا كبدي وجدا عليه تقطّعي
- وقال أيضا:
هبني أخادع طرفي في تأمّلهفكيف أخدع قلبا ليس ينخدع
يا من إذا رمت عنه الصبر يمنعنيشوق مجيب وصبر عنه ممتنع
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع