من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وهذا الفصل نذكر فيه جملة الأخبار والأشعار في الغزل، ونقتصر على ما يؤمن معه الملل، ونعدل عن الإكثار، فإن استقصاءه غير ممكن، وهو فنّ يلهج به الناس، وقد أكثروا منه واختلفوا فيه (٢)
- وقال العباس بن الأحنف:
أحرم منكم بما أقول وقدنال به العاشقون من عشقوا
صرت كأني ذبالة نصبتتضيء للناس وهي تحترق
- وقال المرتضى أبو القاسم الموسوي:
فيا ربّ إن لقّيت وجها تحيةفحيّ وجوها بالمدينة سهّما
تجافين عن مسّ الدهان وطالماعصمن عن الحنّاء كفّا ومعصما
وكم من جليد لا يخامره الهوىشننّ عليه الوجد حتى تتيّما
أهان لهنّ النفس وهي كريمةوألقى إليهنّ الحديث المكتّما
وقال أبو عبد الله ابن الحجاج:
يا ظالما قلبي إلى جورهيحنّ مشتاق ويرتاح
أفسدتني بعد صلاحي وهليرجى لإفسادك إصلاح
وقال أيضا:
بنفسي من أحبّ العيش فيهوأكره ما يشير به النصيح
يطيب لي الكريه به ويحلوويحسن منه في عيني القبيح
ولم أر كالمليح الوجه مهماأتاه فإنه حسن مليح
وقال
تأوّبه هذا الهوى فهو قاتلهوعاوده جهل التصابي وباطله
وأخلق بأمر لم تؤدّ فروضهإلى أهله ألا تؤدّى نوافله
فقد أنبأتني في هواك بما جنتأواخره حتما عليّ أوائله
وإنّ أخا التحصيل من بات قبلناينبهه عن آجل الأمر عاجله
وقال:
إلى الله أشكو مقلة لا دموعهاتجفّ ولا تقري كراها جفونها
ونفسا إلى أحبابها مذ تحملوايطول على بعد المزار حنينها
وكانت تمنّيها الشكوك سفاهةوتوطئها بسط الغرور ظنونها
مواعيد قد ملّ التقاضي غريمهاوشدّت بأمراس المطال ديونها
وقال أيضا:
أفدي بنفسي من لا أسميّهأكتم وجدي به وأخفيه
أستره بين أضلعي شفقاوالدمع بين الوشاة يبديه
ظبي سقاني المدام من يدهممزوجة بالرحيق من فيه
قد ملك الحسن لا ينافسهيوسف فيه ولا يباريه
فالبدر في التمّ من صنائعهوالشمس في الدّجن من جواريه
يمنع ماعونه ويسألنيسواد عيني اليمنى فأعطيه
قد عيل صبري ممّا أعاتبهوضاق صدري ممّا أداريه
يحسن لي وجهه الجميل كمايسيء لي في الهوى تجنّيه
وكلما رمت أن أعاتبهعلى تماديه في تعدّيه
جاءت على غفلة محاسنهتسألني الصفح عن مساويه
وقال مقداد بن المطاميري، وهو ممّن عاصرناه، وكان قليل البضاعة في الأدب على حلاوة ألفاظه ورشاقة معانيه:
إن حال في الحبّ عما كنت أعهدهوبات يرقد ليلا لست أرقده
فلا طويت الحشا إلا على حرقيبلي من الصبر عنه ما أجدّده
يا عاذلي إنّ يوم البين ضلّ هوىقلبي المعنّى فقل لي أين أنشده
زار الخيال طليحا قلّما أنستجفونه بالكرى أو لان مرقده
أهلا به زائرا تدنيه من جسديضمائري وخفوق القلب يبعده
وقال أيضا:
ومجدولة مثل جدل العنانصبوت إليها فأصبيتها
إذا لام في حبّها العاذلاتأسخطتهنّ وأرضيتها
كأني إذا ما نهيت العيونعن الدمع بالدمع أغريتها
- لما صرمت الثريا عمر بن أبي ربيعة قال فيها:
من رسولي إلى الثريّا فإنيضقت ذرعا بهجرها والكتاب
سلبتني مجّاجة المسك عقليفسلوها ماذا أحلّ اغتصابي
وهي مكنونة تحيّر منهافي أديم الخدّين ماء الشباب
أبرزوها مثل المهاة تهادىبين خمس كواعب أتراب
فلما سمع ابن أبي عتيق قوله قال: إيّاي أراد وبي نوّه، لا جرم، والله لا أذوق أكلا حتى أشخص وأصلح بينهما، ونهض. قال بلال مولاه: ونهضت معه، فجاء إلى قوم من بني الديل بن بكر لم تكن تفارقهم نجائب لهم فره يكرونها، فاكترى منهم راحلتين وأغلى لهم، فقلت له: استوضعهم أو دعني أماكسهم فقد اشتطوا عليك، فقال: ويحك، أما علمت أنّ المكاس ليس من أخلاق الكرام، ثم ركب إحداهما، وركبت الأخرى، فسار سيرا شديدا، فقلت: أبق على نفسك، فإنّ ما تريد ليس يفوت، فقال: ويحك
أبادر حبل الودّ أن يتقضّبا
وما حلاوة الدنيا إن تمّ الصدع بين عمر والثريّا؟! فقدمنا مكة [ليلا] غير محرمين، فدقّ على عمر بابه، فخرج إليه فسلم عليه ولم ينزل عن راحلته، وقال:
اركب أصلح بينك وبين الثريّا فأنا رسولك الذي سألت عنه. فركبا معا وقدمنا الطائف، وقد كان عمر أوصى أم نوفل، فكانت تطلب له الحيلة لإصلاحها فلا يمكنها. فقال ابن أبي عتيق للثريا: هذا عمر قد جشّمني السفر من المدينة إليك، فجئتك به معترفا بذنب لم يجنه، معتذرا إليك من إساءتك إليه، فدعيني من التعداد والترداد، فإنه من الشعراء الذين يقولون ما لا يفعلون. فصالحته أتمّ صلح وأحسنه وأجمله، وكررنا إلى المدينة.
- تزوّج زيد بن عمرو بن عثمان سكينة بنت الحسين، فعتب عليها
يوما، فخرج إلى مال له، فذكر أشعب أنّ سكينة دعته فقالت: إنّ ابن عثمان خرج عاتبا عليّ فاعلم لي حاله، قلت: لا أستطيع أن أذهب إليه الساعة، قالت: فأنا أعطيك ثلاثين دينارا، قال: فأعطتني إيّاها، فأتيته ليلا فدخلت الدار، فقال:
انظروا من في الدار، فأتوه فقالوا أشعب، فنزل عن فرشه وصار في الأرض وقال:
شعيب؟ قلت: نعم، قال: ما جاء بك؟ قلت: أرسلتني سكينة بنت الحسين لأعلم خبرك، أتذكرت منها ما تذكّرت منك؟ وأنا أعلم أنك قد وجلت حين نزلت عن فرشك وصرت إلى الأرض، فقال: دعني من هذا وغنّني:
عوجا به فاستنطقاه فقدذكّرني ما كنت لم أذكر
فغنّيته فلم يطرب، ثم قال: غنّني ويلك غير هذا، فإن أصبت ما في نفسي فلك حلّتي هذه، وقد اشتريتها آنفا بثلاثمائة دينار، فغنّيته:
علق القلب بعض ما قد شجاهمن حبيب أمسى هوانا هواه
ما ضراري نفسي بهجران من ليسمسيئا ولا بعيدا نواه
واجتنابي بيت الحبيب وما الخلدبأهوى إليّ من أن أراه
قال: ما عدوت والله ما في نفسي، خذ الحلّة، فأخذتها ورجعت إلى سكينة فقصصت عليها القصة فقالت: أين الحلّة؟ قلت: معي، فقالت: أفأنت الآن تريد أن تلبس حلّة ابن عثمان، لا والله ولا كرامة، فاشترتها مني بثلاثمائة دينار.
- وروي أنّ رجلا كان له جارية يهواها وتهواه، فغاضبها يوما وتمادى الهجر بينهما، واتفق أن دخلت إليها مغنيّة فغنّتها:
ما ضراري نفسي [بهجران من ليس ...]
البيت المتقدّم ذكره، فقالت الجارية: لا شيء والله إلا الحمق، وقامت إلى مولاها وقبّلت رأسه واصطلحا.
- أحبّ المتوكل أن ينادم الحسين بن الضحاك، وأن يرى ما بقي من ظرفه وشهوته لما كان عليه، فأحضره وقد كبر وضعف، وسقاه حتى سكر، وقال لخادمه شفيع: اسقه، فسقاه حتى سكر، وحيّاه بوردة، وكان على شفيع ثياب موردة، فمدّ الحسين يده إلى ذراع شفيع، فقال له المتوكل: ويحك يا حسين أتجمّش أخصّ خدمي عندي بحضرتي؟ فكيف لو خلوت؟ ما أحوجك إلى أدب، وكان المتوكل غمز شفيعا على العبث به، فقال الحسين بن الضحاك: يا سيدي أريد دواة وقرطاسا، فأمر له بذلك، فكتب بخطه:
وكالوردة الحمراء حيّا بوردةمن الوشي يمشي في قراطق كالورد
له عبثات عند كلّ تحيّةبعينيه يستدعي الحليم إلى الوجد
تمنّيت أن أسقى بكفّيه شربةتذكّرني ما قد نسيت من العهد
سقى الله عيشا لم أبت فيه ليلةمن الدهر إلا من حبيب على وعد
ثم دفع الرقعة إلى شفيع وقال له: ادفعها إلى مولاك، فلما قرأها استملحها وقال له: أحسنت والله يا حسين، لو كان شفيع ممّن تجوز هبته لوهبته لك، ولكن بحياتي يا شفيع إلا كنت ساقيه بقيّة يومه هذا واخدمه كما تخدمني، وأمر له بمال، فحمل معه لما انصرف.
- ومن شعر الحسين بن الضحاك:
لا وحبّيك لا أصافح للدمع مدمعا
من بكى شجوه استراحوإن كان موجعا
كبدي من هواك أسقممن أن تقطعا
لم تدع سورة الضنىفيّ للسقم موضعا
- سعت أمة لبثينة بها إلى أخيها وأبيها، وقالت لهما: إنّ جميلا عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالسا حجرة منها يحدّثها ويشكو إليها بثّه، ثم قال لها: يا بثينة أرأيت ودّي إيّاك وشغفي بك؟ ألا تجرّبينه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون من المتحابّين، فقالت له: يا جميل:
أهذا تبغي؟ والله لقد كنت عندي بعيدا منه، ولئن عاودت تعريضا بريبة لا رأيت وجهي أبدا، فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني إليه، لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو علمت منك مساعدة عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك قائمه في يدي، ولو أطاعني قلبي لهجرتك هجرا للأبد، أوما سمعت قولي؟
وإني لراض من بثينة بالذيلو استيقن الواشي لقرّت بلابله
بلا وبأن لا أستطيع وبالمنىوبالأمل المرجوّ قد خاب آمله
وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضيأواخره لا نلتقي وأوائله
فقال أبوها لأخيها: قم فما ينبغي لنا بعد هذا اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.
- قال إسحاق الموصلي: صرت إلى الواثق فقال: بأيّ شيء أطرفتني من أحاديث الأعراب وأشعارهم؟ فقلت يا أمير المؤمنين: جلس إليّ فتى من الأعراب في بعض المنازل، فحادثني فرأيت منه أحلى ما رأيت من الفتيان منظرا وحديثا وظرفا وأدبا، فاستنشدته فأنشدني:
سقى العلم الفرد الذي في ظلالهغزالان مكحولان مؤتلفان
إذا أمنا التفّا بجيدي تواصلفطرفاهما للرّيب يسترقان
أرغتهما ختلا فلم أستطعهماورميا ففاتاني وقد قتلاني
ثم تنفّس نفسا ظننت أنّ حيازيمه قد تقطّعت، فقلت: ما لك بأبي أنت؟ فقال:
وراء هذين الجبلين لي شجن، وقد حيل بيني وبين المرور بهذه البلاد، وقد نذر دمي، وأنا أتمتع بالنظر إلى هذين الجبلين تعلّلا بهما إذا قدم الحجاج، ثم يحال بيني وبين ذلك، فقلت له: زدني مما قلت في ذلك فأنشدني:
إذا ما وردت الماء في بعض أهلهحضور فعرّض بي كأنّك مازح
فإن سألت عنّي حضور فقل لهابه غبّر من دائه وهو صالح
فأمرني الواثق فكتبت الشعرين وغنّي الواثق بهما بعد أيام، ووصلني بصلتين، وذكر خبرا طويلا ليس هذا موضعه.
- قال حمّاد الراوية: أتيت مكة فجلست في حلقة فيها عمر بن أبي ربيعة المخزومي، فتذاكروا العذريين، فقال عمر بن أبي ربيعة: كان لي صديق من بني عذرة يقال له الجعد بن مهجع، وكان أحد بني سلامان، وكان يلقى مثل الذي ألقى من الصبابة بالنساء والوجد بهنّ، على أنه كان لا
عاهر الخلوة، ولا سريع السلوة، وكان يوافي الموسم في كلّ سنة، فإذا راث عن وقته رجّمت عنه الأخبار، وتوكّفت الأسفار حتى يقدم، فغمّني ذات سنة إبطاؤه حتى قدم حجّاج عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا غلام قد تنفّس الصّعداء ثم قال: عن أبي المسهر تسأل؟ قلت: نعم وإياه أردت، قال: هيهات أصبح والله أبو المسهر لا مؤيسا فيهمل، ولا مرجوّا فيعلّل، أصبح والله كما قال القائل:
لعمرك ما حبّي لأسماء تاركيأعيش ولا أقضي به فأموت
قلت: وما الذي به؟ قال: مثل الذي بك من تهوّركما في الضلال وجرّكما أذيال الخسار، فكأنما لم تسمعا بجنة ولا نار! قلت: من أنت منه يا ابن أخي؟ قال: أخوه، قلت: أما والله يا ابن أخي ما يمنعك أن تسلك مسلك أخيك من الأدب، وأن تركب مراكبه، إلا أنك وأخاك كالبرد والبجاد لا يرفعك ولا ترفعه، ثم صرفت وجه ناقتي وأنا أقول:
أرائحة حجّاج عذرة وجهةولما يرح في القوم جعد بن مهجع
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوىمتى ما يقل أسمع وإن قلت يسمع
ألا ليت شعري أيّ شيء أصابهفلي زفرات هجن ما بين أضلعي
فلا يبعدنك الله خلّا فإننيسألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي
ثم انطلقت حتى وقفت موقفي من عرفات، فبينا أنا كذلك إذا أنا بإنسان قد
تغيّر لونه وساءت هيئته، فأدنى ناقته من ناقتي حتى خالف بين أعناقهما ثم عانقني وبكى حتى اشتدّ بكاؤه، فقلت: ما وراءك؟ فقال: برّح العذل وطول المطل، ثم أنشأ يقول:
لئن كانت عديّة ذات لبّلقد علمت بأنّ الحبّ داء
ألم تنظر إلى تغيير جسميوأني لا يفارقني البكاء
وأني لو تكلّفت الذي بيلقفّ الكلم وانكشف الغطاء
وإنّ معاشري ورجال قوميحتوفهم الصبابة واللقاء
إذا العذريّ مات خليّ بالفذاك العبد يبكيه الرشاء
فقلت: يا أبا المسهر: إنها ساعة تضرب إليها أكباد الإبل من شرق الأرض وغربها، فلو دعوت وأنت بمنى كنت قمينا أن تظفر بحاجتك، وأن تنصر على عدوّك، قال: فتركني وأقبل على الدعاء؛ فلما تدلت الشمس للغروب، وهمّ الناس أن يفيضوا، سمعته يتكلّم بشيء، فأصغيت إليه فإذا هو يقول:
يا ربّ كلّ غدوة وروحهمن محرم يشكو الضّحى ولوحه
أنت حسيب الخلق يوم الدوحه
فقلت: وما يوم الدوحة؟ فقال: والله لأخبرنّك وإن لم تسألني، فيمّمنا نحو مزدلفة، فأقبل عليّ وقال: إني رجل ذو مال كثير من نعم وشاء، وذو المال لا يسعه القلّ، ولا يرويه الثماد، وإني خشيت عاما أوّل على مالي التلف، وقطر الغيث أرض كلب، فانتجعت أخوالي منهم، فأوسعوا لي عند صدر المجلس، وسقوني جمّة الماء، وكنت فيهم في خير حال، ثم إني عزمت على موافقة إبلي
بماء لهم يقال له الحوذان، فركبت فرسي، وسمطت خلفي شرابا كان أهداه إليّ بعضهم، ثم مضيت حتى إذا كنت بين الحيّ ومرعى الغنم، رفعت لي دوحة عظيمة، فنزلت عن فرسي وشددته بغصن من أغصانها، وجلست في ظلّها، فبينا أنا كذلك إذ سطع غبار من ناحية الحيّ، ثم رفعت لي شخوص ثلاثة، ثم تبيّنت فإذا فارس يطرد مسحلا وأتانا، فتأمّلته فإذا عليه درع أصفر وعمامة خزّ سوداء، وإذا فروع شعره تضرب خصره، فقلت: غلام حديث عهد بعرس أعجلته لذّة الصيد فترك ثوبه ولبس ثوب امرأته، فما جاز عني إلّا قليلا حتى طعن المسحل وثّنى طعنة للأتان، فصرعهما وأقبل راجعا نحوي وهو يقول:
نطعنهم سلكى ومخلوجةكرك لأمين على نابل
فقلت له: إنك قد تعبت وأتعبت فلو نزلت، فثنى رجله ونزل، وشدّ فرسه بغصن من أغصان الشجرة، وألقى رمحه وأقبل حتى جلس، فجعل يحدّثني حديثا ذكرت فيه قول أبي ذؤيب:
وإنّ حديثا منك لو تعلمينهجنى النحل في ألبان عوذ مطافل
فقمت إلى فرسي فأصلحت من أمره، ثم رجعت وقد حسر العمامة عن رأسه، فإذا غلام كأنّ وجهه الدينار المنقوش، فقلت: سبحانك اللهم ما أعظم قدرتك وأحسن صنعتك! فقال لي: ممّ ذاك؟ قلت: ممّا راعني من جمالك وبهرني من نورك، قال: وما الذي روّعك من حبيس التراب وأكيل الدوابّ؟ ثم لا يدري أينعم بعد ذلك أم يبأس؟ قلت: لا يصنع الله بك إلا خيرا؛ ثم تحدّثنا ساعة، فأقبل عليّ فقال: ما هذا أراه قد سمطته خلفك في سرجك؟ قلت: شراب
أهداه إليّ بعض أهلك، فهل لك فيه من أرب؟ قال: أنت وذاك، فأتيته به فشرب منه وجعل ينكت أحيانا بالسوط على ثناياه، فكان والله يتبيّن لي ظلّ السوط فيهنّ، فقلت: مهلا فإني خائف أن تكسرهنّ، فقال: ولم؟ قلت:
لأنهنّ رقاق عذاب، قال: ثم رفع عقيرته يتغنّى:
إذا قبّل الإنسان آخر يشتهيثناياه لم يحرج وكان له أجرا
فإن زاد زاد الله في حسناتهمثاقيل يمحو الله عنه بها الوزرا
ثم قام إلى فرسه فأصلح من أمره، ثم رجع إليّ فبرقت لي بارقة من تحت الدرع فإذا ثدي كأنه حقّ عاج فقلت: ناشدتك الله امرأة أنت؟ قالت: إي والله إلا أنها تكره العهر وتحبّ الغزل، ثم جلست فجعلت تشرب معي ما أفتقد من أنسها شيئا، حتى نظرت إلى عينيها كأنهما عينا مهاة مذعورة، فو الله ما راعني إلا ميلها على الدوحة سكرى، فزيّن والله لي الغدر وحسن في عيني، ثم إنّ الله ﷿ عصمني، فجلست منها حجرة، فما لبثت إلا يسيرا حتى انتبهت فزعة، فلاثت عمامتها برأسها، وجالت في متن فرسها وقالت: جزاك الله عن الصحبة خيرا، قلت: ولم لا تزوّديني منك زادا، فناولتني يدها فقبّلتها، فشممت والله منها ريح المسك المفتوت، فذكرت قول الشاعر:
كأنها إذ تقضّى النوم وانتبهتوسنانة ما بها عين ولا أثر
فقلت: أين الموعد؟ قالت: إنّ لي إخوة شرسا وأبا غيورا، والله لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك، ثم انصرفت فجعلت أتبعها بصري حتى غابت، فهي والله يا ابن أبي ربيعة أحلّتني هذا المحلّ وأبلغتني هذا المبلغ. فقلت: يا أبا المسهر إنّ الغدر بك مع ما تذكر لمليح، فبكى واشتدّ بكاؤه. فقلت له: لا تبك، ما قلت
لك إلا مازحا، ولو لم أبلغ حاجتك إلا بمالي لسعيت في ذلك حتى أقدر عليه، فقال لي خيرا. فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي، وشدّ على ناقته، ودعوت غلامي فشدّ على بعير له، وحملت عليه قبّة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة المخزومي، وحملت معي ألف دينار ومطرف خزّ، وانطلقنا حتى أتينا بلاد كلب، فنشدنا عن أبي الجارية فوجدناه في نادي قومه، وإذا هو سيّد الحيّ، وإذا الناس حوله، فوقفت على القوم فسلّمت، فردّ الشيخ السلام، ثم قال: ممّن الرجل؟ قلت: عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقال: المعروف غير المنكر، فما الذي جاءك؟ فقلت: خاطبا، قال: الكفاء والرغبة، قلت: إني لم آت ذلك لنفسي عن غير زهادة فيك ولا جهالة بشرفك، ولكني أتيتك في حاجة ابن أختكم العذري، وها هو ذاك، فقال: إنه والله لكفيء الحسب رفيع البيت، غير أنّ بناتي لم يقعن إلا في هذا الحيّ من قريش، فوجمت لذلك، وعرف التغيّر في وجهي فقال: أما إني سأصنع بك ما لم أصنع بغيرك، قلت: فما ذاك؟ فقال:
أخيّرها، فهي وما اختارت، قلت: ما أنصفتني أو تختار لغيري وتولي الخيار غيرك، فأشار إليّ العذري: أن دعه يخيّرها، فأرسل إليها أنّ من الأمر كذا وكذا، فأرسلت إليه ما كنت أستبد برأي دون القرشي، والخيار في قوله وحكمه، فقال لي: إنها قد ولّتك أمرها، فاقض ما أنت قاض. فحمدت الله وأثنيت عليه وقلت: أشهد أني قد زوّجتها من الجعد بن مهجع، وأصدقتها هذه الألف دينار، وجعلت تكرمتها العبد والبعير والقبة، وكسوت الشيخ المطرف؛ وسألته أن يبتني بها من ليلته، فأرسل إلى أمها فأتته فقالت: تخرج ابنتي كما تخرج الأمة؟ فقال الشيخ: جهّزي في جهازها، فما برحت حتى ضربت قبّة في وسط الحريم، ثم أهديت إليه ليلا، وبتّ أنا عند الشيخ، فلما أصبحت أتيت القبة، فصحت بصاحبي فخرج إليّ، وقد أثّر السرور في وجهه، فقلت: كيف
كنت بعدي؟ وكيف هي بعدك؟ فقال: أبدت والله لي كثيرا مما كانت تخفيه يوم لقيتها، فسألتها عن ذلك فأنشأت تقول:
كتمت الهوى لما رأيتك جازعاوقلت فتى بعض الصديق يريد
وأن تطّرحني أو تقول فتيّةيضرّ بها برح الهوى فتعود
فورّيت عما بي وفي داخل الحشامن الوجد برح فاعلمنّ شديد
فقلت: أقم على أهلك، بارك الله لك فيهم، وانطلقت وأنا أقول:
كفيت أخا العذريّ ما كان نابهوإني لأعباء النوائب حمّال
وقال العذريّ:
إذا ما أبو الخطّاب خلّى مكانهفأفّ لدنيا ليس من أهلها عمر
فلا حيّ فتيان الحجازين بعدهولا سقيت أرض الحجازين بالمطر
- كان الرشيد يجد بماردة أمّ المعتصم وجدا شديدا، فغضبت عليه وغضب عليها، وتمادى بهما الهجر، فأمر جعفر بن يحيى العباس بن الأحنف فقال:
راجع أحبّتك الذين هجرتهمإن المتيّم قلّ ما يتجنّب
إنّ التجنّب إن تطاول منكمادبّ السلوّ له فعزّ المطلب
وأمر ابراهيم الموصلي فغنّى به الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فقالت: من السبب في ذلك؟ فعرفته فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم.
- هوي ديك الجنّ، وهو عبد السلام بن رغبان، امرأة نصرانية واستهيم بها ودعاها إلى الإسلام ليتزوّجها، ففعلت وفعل، ثم إنه سافر عنها إلى دمشق وخلّفها بحمص، وكان له ابن عمّ يعاديه، فسعى بها إليه ليكدّر حاله، وادّعى عليها الفساد، ووضع من أشاع عنها الفساد، حتى عاد ديك الجنّ إلى حمص، ورصده ابن عمّه وقت وصوله، ووضع الرجل الذي أشير بالتهمة إليه، فدقّ الباب عليها وديك الجنّ يسائلها عما قرفت به وهي تنكر، فحين طرق الباب فقال: أنا فلان، فقال لها ديك الجنّ: يا زانية زعمت أنك لا تعرفين من هذا الأمر شيئا، ثم اخترط سيفه فضربها به حتى قتلها، وقال في ذلك أشعارا كثيرة، فمن قوله فيها:
لك نفس مواتيهوالمنايا معاديه
أيها القلب لا تعدلهوى البيض ثانيه
ليس برق يكون أخلبمن برق غانيه
خنت سرا من لم يخنكفموتي علانيه
ثم إنه عرف الخبر على حقيقته وتيقّنه فندم، ومكث شهورا لا يستفيق من البكاء ولا يطعم إلا ما يقيم رمقه من بلغة يسيرة، وقال في ندمه على قتلها:
يا طلعة طلع الحمام عليهاوجنى لها ثمر الرّدى بيديها
روّيت من دمها الثرى ولطالماروّى الهوى شفتيّ من شفتيها
قد بات سيفي في مجال وشاحهاومدامعي تجري على خدّيها
فوحقّ نعليها فما وطىء الحصىشيء أعزّ عليّ من نعليها
ما كان قتليها لأني لم أكنأبكي إذا سقط الذباب عليها
لكن ضننت على العيون بحسنهاوأنفت من نظر العيون إليها
وقد رويت هذه الأبيات لفتى من غطفان يقال له: السليك بن مجمع، وكان من الفرسان، وكان مطلوبا بدماء، وكان يخطب بنت عمّ له يهواها، فيمنعها أبوها ثم زوّجها خوفا منه، فدخل بها في دار أبيها ثم نقلها بعد أسبوع إلى عشيرته، فلقيه من بني فزارة ثلاثون فارسا كلّهم يطالبه بذحل، فحلّقوا عليه، وقاتلهم فقتل منهم عددا، وأثخن بالجراح حتى أيقن بالموت، فعاد إليها وقال: ما أسمح بك نفسا لهؤلاء، وإني أحبّ أن أقدمك قبلي، قالت: افعل، فلو لم تفعله أنت لفعلته أنا بعدك، فضربها بسيفه حتى قتلها، وقال هذه الأبيات، ثم عمد إليها وتمرّغ في دمها، ثم تقدّم فقاتل حتى قتل، وحفظت فزارة الأبيات فنقلوها؛ وقيل: بل أدركه قومه وبه رمق، فسمعوه يردّد هذه الأبيات، فحفظوها عنه، وبقي عندهم يوما ومات.
- ومن شعر ديك الجن في المقتولة:
أشفقت أن يرد الزّمان بغدرهأو أبتلى بعد الوصال بهجره
قمر أنا استخرجته من دجنةلبليّتي وجلوته من خدره
فقتلته وله عليّ كرامةملء الحشا وله الفؤاد بأسره
عهدي به ميتا كأحسن نائموالحزن يسفح عبرتي في نحره
لو كان يدري الميت ماذا بعدهبالحيّ منه بكى له في قبره
غصص تكاد تفيض منها نفسهوتكاد تخرج قلبه من صدره
- قال معبد اليقطيني المغني: كنت منقطعا إلى البرامكة أخدمهم وألازمهم، فبينا أنا ذات يوم في منزلي إذا بابي يدقّ، فخرج غلامي ثم رجع إلي، فقال: على الباب رجل ظاهر المروءة يستأذن عليك، فأذنت له، فدخل عليّ شاب قلّما رأيت أحسن وجها، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل زيّا منه، من رجل دنف عليه أثر السقم، فقال لي: إني أحاول لقاءك منذ مدة، فلا أجد إليه سبيلا، وإنّ لي حاجة، قلت: وما هي؟ فأخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يديّ ثم قال: أسألك أن تقبلها وتصنع في بيتين قلتهما لحنا تغنّيني به، قلت: هاتهما، فأنشدني:
والله يا طرفي الجاني على بدنيلتطفئنّ بدمعي لوعة الحزن
أو لأبوحنّ حتى يحجبوا سكنيفلا أراه ولو أدرجت في كفني
قال: فصنعت فيهما لحنا ثم غنّيته إياه، فأغمي عليه حتى ظننت أنه قد مات، ثم أفاق فقال: أعد، فديتك! فناشدته الله في نفسه، وقلت: أخشى أن تموت، فقال: هيهات، أنا أشقى من ذلك، وما زال يخضع ويتضرّع حتى أعدته، فصعق صعقة أشدّ من الأولى، حتى ظننت نفسه قد فاضت، فلما أفاق رددت الدنانير عليه، فوضعتها بين يديه، وقلت: يا هذا خذ دنانيرك وانصرف عني، فقد قضيت حاجتك، وبلغت وطرك فيما أردت، ولست أحبّ أن أشرك في دمك، فقال: يا هذا لا حاجة لي في الدنانير وهذا مثلها لك، ثم أخرج ثلاثمائة دينار فوضعها بين يديّ وقال: أعد الصوت عليّ مرّة أخرى وحلال دمي، فشرهت نفسي إلى الدنانير، ثم قلت له: ولا بعشرة أضعافها إلا على ثلاث شرائط، قال: وما هنّ؟ قلت: أولهنّ أن تقيم عندي وتتحرّم بطعامي، والثانية
أن تشرب أقداحا من النبيذ تشدّ قلبك عليك، وتسكّن ما بك، والثالثة أن تحدّثني بقصّتك، فقال: أفعل ما تريد، فأخذت الدنانير ودعوت بالطعام فأصاب منه إصابة معذّر، ثم دعوت بالنبيذ فشرب أقداحا، وغنّيته بشعر غيره في نحو معناه، وهو يشرب ويبكي، ثم قال: الشرط أعزّك الله، فغنّيته صوته فجعل يبكي أحرّ بكاء، وينشج أشدّ نشيج وينتحب، فلما رأيت ما به قد خفّ عما كان يلحقه، ورأيت النبيذ قد شدّ من قلبه، كرّرت عليه صوته مرارا، ثم قلت له: حدّثني حديثك. فقال: أنا رجل من أهل المدينة، خرجت متنزّها في ظاهرها، وقد سال العقيق، في فتية من أقراني وأخداني، فبصرنا بفتيات قد خرجن لمثل ما خرجنا له، فجلسن حجرة منّا، وبصرت فيهنّ بفتاة كأنها قضيب قد طلّه الندى، تنظر بعينين ما ارتدّ طرفها إلا بنفس من يلاحظها، فأطلنا وأطلن حتى تفرّق الناس وانصرفنا، وقد أبقت بقلبي جرحا بطيئا اندماله، فعدت إلى منزلي وأنا وقيذ، وخرجت من غد إلى العقيق وليس به أحد، فلم أر لها ولا لصواحباتها أثرا، ثم جعلت أتبعها في طرق المدينة وأسواقها، فكأنّ الأرض أضمرتها، وسقمت حتى أيس مني أهلي، وخلت بي ظئر لي فاستعلمتني حالي وضمنت لي كتمانها والسعي في ما أحبه منها، فأخبرتها بقصتي، فقالت: لا بأس عليك، هذه أيام الربيع، وهي سنة خصب وأنواء، وليس يبعد عنك المطر، ثم غدا العقيق فتخرج حينئذ وأخرج معك، فإنّ النسوة يجئن، فإذا فعلن ورأيتها اتبعتها حتى أعرف موضعها، ثم أصل بينك وبينها، وأسعى لك في تزويجها. فكأنّ نفسي اطمأنت إلى ذلك ووثقت به وسكنت إليه، فقويت وطمعت، وتراجعت نفسي. وجاء المطر بعقب ذلك، فسال العقيق، وخرج الناس وخرجت مع إخواني إليه، فجلسنا مجلسنا الأول بعينه، فما كنا والنسوة
إلا كفرسي رهان، فأومأت إلى ظئري، فجلست حجرة منها ومنهنّ، وأقبلت على إخواني وقلت: لقد أحسن القائل:
رمتني بسهم أقصد القلب وانثنتوقد غادرت جرحا به وندوبا
فأقبلت على صواحباتها وقالت: أحسن والله القائل، وأحسن من أجابه حيث يقول:
بنا مثل ما تشكو فصبرا لعلّنانرى فرجا يشفي السقام قريبا
فأمسكت عن الجواب خوفا من أن يظهر مني ما يفضحني وإيّاها، وعرفت ما أرادت. ثم تفرّق الناس وانصرفنا، وتبعتها ظئري حتى عرفت منزلها، وصارت إليّ. فأخذت بيدي ومضينا إليها، فلم تزل تتلطّف حتى وصلت إليها، فتلاقينا وتزاورنا على حال مخالسة ومراقبة، حتى شاع حديثي وحديثها، وظهر ما بيني وبينها، فحجبها أهلها، وتشدّد عليها أبوها، فما زلت أجتهد في لقائها فلا أقدر عليه، وشكوت إلى أبي حالي لشدّة ما نالني فيها، وسألته خطبتها لي، فمضى أبي ومشيخة أهلي إلى أبيها فخطبوها فقال: لو كان ذلك قبل أن يفضحها ويشهّر بها لأسعفته بما التمس، ولكنه قد فضحها، فلم أكن لأحقّق قول الناس فيها بتزويجه إيّاها، فانصرفت على يأس منها ومن نفسي. قال معبد:
فسألته أين تنزل؟ فخبرني، وصارت بيننا عشرة، ثم جلس جعفر بن يحيى للشرب، فكان أوّل صوت غنّيته صوتي في شعر هذا الفتى، فطرب طربا شديدا وقال: ويحك إنّ لهذا الصوت حديثا، فما هو؟ فحدثته خبر الصوت فأمر بإحضار الفتى فأحضر من وقته، واستعاده الحديث فأعاده عليه، فقال له: هي في ذمتي حتى أزوّجك إيّاها، فطابت نفسه وأقام معنا ليلتنا حتى أصبح؛ وغدا جعفر إلى الرشيد، فحدّثه الحديث فتعجب منه، وأمر بإحضارنا جميعا فأحضرنا، وأمر بأن أغنّيه الصوت فغنّيته، فشرب عليه وسمع حديث الفتى،
وأمر من وقته بكتاب إلى عامل الحجاز بإشخاص الرجل وابنته وجميع أهله إلى حضرته، فلم يمض إلا مسافة الطريق حتى أحضر، فأمر الرشيد بإيصاله اليه فأوصل، وخطب إليه الجارية للفتى، وأقسم عليه ألا يخالف أمره، فأجابه، وزوّجه إيّاها، وحمل الرشيد إليه ألف دينار لجهازها وألف دينار لنفقة الطريق، وأمر للفتى بألفي دينار، ولي بألف دينار، وأمر لنا جعفر بألفي دينار لي وله، وكان المدني بعد ذلك في جملة ندماء جعفر.
- قال عصمة بن مالك: جمعني وذا الرمّة مربع مرة، فقال: هيا عصمة إنّ ميّة من منقر، ومنقر أخبث حيّ وأقفى للأثر، وأثبته في نظر، وأعلمه بشرّ، وقد عرفوا آثار إبلي، فهل عندك من ناقة نزدار عليها مية؟ قلت: أي والله عندي الجؤذر، فقال: فعليّ بها، فأتيته بها فركب وردفته، فأتينا محلة ميّة والقوم خلوف، والنساء في الرحال، فلما رأين ذا الرمة اجتمعن إلى ميّ، وأنخنا قريبا وأتيناهنّ وجلسنا إليهنّ، فقالت ظريفة منهن: أنشدنا يا ذا الرمّة، فقال:
أنشدهنّ يا عصمة، فأنشدتهنّ قصيدته التي يقول فيها:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنهاذرى النخل أو أثل تميل ذوائبه
فأسبلت العينان والقلب كاتمبمغرورق نمّت عليه سواكبه
بكاء فتى جاء الفراق ولم تجلجوائلها أسراره ومعاتبه
فقالت الظريفة: فالآن فلتجل ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
وقد حلفت بالله ميّة ما الذيأحدّثها إلا الذي أنا كاذبه
إذا فرماني الله من حيث لا أرىولا زال في أرضي عدوّ أحاربه
فقالت ميّة: ويحك يا ذا الرمّة، خف عواقب الله، ثم أنشدت حتى أتيت
على قوله:
إذا سرحت من حبّ ميّ سوارحعلى القلب آبته جميعا عوازبه
فقالت الظريفة: قتلته قتلك الله، فقالت ميّة: ما أصحّه وهنيئا له، فتنفّس ذو الرمّة تنفسة كاد حرّها يطير بلحيتي، ثم أنشدت حتى أتيت على قوله:
إذا نازعتك القول ميّة أو بدالك الوجه منها أو نضا الدرع سالبه
فما شئت من خدّ أسيل ومنطقرخيم ومن خلق تعلّل جادبه
فقالت الظريفة: قد بدا لك الوجه وتنوزع القول، فمن لنا بأن ينضو الدرع سالبه، فقالت لها ميّة: قاتلك الله، ماذا تأتين به، فتضاحكت الظريفة وقالت:
إنّ لهذين لشأنا، فقوموا عنهما، فقمنا معها، فخرجت فكنت قريبا حيث أراهما، وأسمع ما ارتفع من كلامهما، فو الله ما رأيته تحرّك من مكانه الذي خلّفته فيه، حتى ثاب أوائل الرجال، فأتيته، فقلت له: انهض بنا فقد ثاب القوم، فقام فودعها وولّت، وردفته وانصرفنا.
قد أتيت من هذه الأخبار والأشعار في هذا الباب وغيره بآخر قبل أول، وبأول بعد آخر، ولم ألزم الترتيب في الشعراء وغيرهم، على قدر منازلهم وأعصارهم، لأني تبعت الخاطر فيما أملّ، وأصبحت عندما تذكرت أو نقلت لأبرأ من كدر الكلفة وظلامها، وليس في ذلك خلل يلحق الغرض الذي أممته. فلا يظنّه المتصفح وصما، ولا يعده غباوة ونقصا، فالله تعالى يحرسنا من جهل يطلق ألسنة الزّارين، ويوقظنا من غفلة تنبّه علّنا لا نتبع الغاوين، بمنّه وسعة فضله.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع