من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع التاسع عشر في غزل العبّاد وتساهلهم فيه
- كان عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عمار من بني جشم بن معاوية فقيها عابدا من عبّاد مكة، يسمّى القسّ من عبادته، وكان يشبّه بعطاء بن أبي رباح، وكانت بمكة لسهيل بن عبد الرحمن مغنّية محسنة، فسمعها القس من غير تعمّد منه لذلك، فبلغ غناؤها منه كلّ مبلغ، فرآه مولاها فقال له: هل لك أن تدخل فتسمع؟ فأبى. فقال له مولاها: أنا أقعدها تسمع غناءها ولا تراها ولا تراك، فأبى، فلم يزل به حتى دخل فأسمعه غناءها، فأعجبته فقال: هل لك أن أخرجها إليك؟ فأبى، فلم يزل حتى أخرجها، فأقعدها بين يديه فغنّت، فشغف بها وشغفت به، وعرف ذلك أهل مكة حتى سمّيت به، فصارت تعرف.
بسلامة القس، فقالت له يوما: أنا والله أحبك، فقال: وأنا والله أحبك، قالت:
وأحبّ أن أضع فمي على فمك، قال: وأنا والله أحبّ ذلك، قالت: وألصق بطني ببطنك، قال: وأنا والله أحبّ ذلك، قالت: فما يمنعك؟ فو الله إنّ الموضع لخال، قال: إني سمعت الله ﷿ يقول: الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ
(الزخرف:) وإني أكره أن تكون خلّة ما بيني وبينك تؤول إلى عداوة. ثم قام فانصرف، وعاد إلى ما كان عليه من النسك.
[ ب]- وله فيها أشعار كثيرة فمنها:
قد كنت أعذل في السفاهة أهلهافاعجب لما تأتي به الأيام
فاليوم أعذرهم وأعلم إنّماسبل الضلالة والهدى أقسام
[ ج]- ومنها:
أسلام هل لمتيّم تنويلأم هل صرمت وغال ودّك غول
لا تصرفي عني دلالك إنهحسن إليّ وإن بخلت جميل
[ د]- ومنها:
أسلام إنك قد ملكت فاسجحيقد يملك الحرّ الكريم فيسجح
- وقال أبو السائب المخزومي لجرير المغني: ما معك من مرقصات ابن سريج؟ فغنّاه شعر عمر بن أبي ربيعة:
فلم أر كالتجمير منظر ناظرولا كليالي الحج أفتن ذا هوى
وكم من قتيل لا ينال به دمومن غلق رهنا إذا ضمّه منى
وكم مالىء من عينيه من شيء غيرهإذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
يسحبن أذيال المروط بأسوقخدال وأعجاز مآكمها روى
أوانس يسلبن الحليم فؤادهفيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى
قال أبو السائب: كما أنت حتى أتحرم لهذا بركعتين.
- وحدث بعضهم قال: أنشدت أبا السائب المخزومي قول قيس بن
ذريح، هكذا وفي الخبر الصحيح أن الأبيات لعبيد الله بن عتبة بن مسعود:
صدعت القلب ثم ذررت فيههواك فليم فالتأم الفطور
تغلغل حيث لم يبلغ شرابولا حزن ولم يبلغ سرور
فصاح بجارية له سندية تسمى زبدة: أي زبدة عجلي، فقالت: إني أعجن، فقال لها: ويحك تعالي ودعي العجين، فجاءت، فقال لها أنشدي بيتي قيس، فأعادتهما، فقال لها: يا زبدة أحسن قيس، وإلا فأنت حرة، ارجعي الآن إلى عجينك، أدركيه لا يبرد.
- وكان عبيد الله هذا فقيها عالما ورعا، وهو أحد الفقهاء المشهورين، وهو الذي قال فيه عمر بن عبد العزيز ﵁: وددت أنّ لي ليلة من عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقيل له يا أمير المؤمنين: مثلك يقول هذا مع تخوفك! فقال: إنكم لا تدرون، إني أرجع منه بأضعاف ذلك فيما أنتفع به منه، أو نحو هذا الكلام.
[ ب]- وكان عبيد الله مع هذا غزلا وله أشعار معروفة رقيقة في النسيب، فمن ذلك قوله:
ألا من لنفس ما تموت فينقضيعناها ولا تحيا حياة لها طعم
أأترك إتيان الحبيب تأثّماألا إنّ هجران الحبيب هو الإثم
فذق هجرها قد كنت تزعم أنهرشاد ألا يا ربما كذب الزعم
[ ج]- ومنه قوله:
لعمري لئن شطّت بعثمة دارهالقد كدت من وشك الفراق أليح
أروح بهمّ ثم أغدو بمثلهوتحسب أني في الثياب صحيح
[ د]- وقال أبو الزناد: قدمت المدينة امرأة من هذيل، وكانت جميلة فرغب الناس فيها، فخطبوها وكادت تذهب بعقول أكثرهم، فقال فيها عبيد الله ابن عبد الله:
أحبّك حبّا لا يحبّك مثلهقريب ولا في العاشقين بعيد
أحبّك حبّا لو شعرت ببعضهلجدت ولم يصعب عليك شديد
وحبّك يا أمّ الصبيّ مدلّهيشهيدي أبو بكر فنعم شهيد
ويعرف وجدي قاسم بن محمدوعروة ما ألقى بكم وسعيد
ويعلم ما أخفى سليمان علمهوخارجة يبدي بنا ويعيد
أبو بكر: عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، والقاسم بن محمد بن أبي بكر، وعروة بن الزبير، وسعيد بن المسيب بن حزن، وسليمان بن يسار مولى ميمونة بنت الحارث الهلالية، وخارجة بن زيد بن ثابت، وسابعهم عبيد الله قائل الأبيات، هم الفقهاء السبعة، فقهاء المدينة الذين أخذ عنهم الرأي والسنن.
- قال الخليل بن سعيد: مررت بسوق الطير فإذا الناس يركب بعضهم بعضا، فإذا أبو السائب المخزومي قائم على غراب يباع وهو آخذ طرف ردائه، وهو يقول للغراب: أيقول لك قيس بن ذريح:
ألا يا غراب البين قد طرت بالذيأحاذر من لبنى فهل أنت واقع
ثم لا تقع؟! ثم يضربه بردائه والغراب يصيح، قال: فقال له قائل: يا أبا
السائب ليس هذا ذاك الغراب، فقال: قد علمت، ولكني آخذ البريء حتى يقع النطف.
- وكان أبو السائب هذا مع زهده وعفافه مشغوفا بالغزل والغناء، وكذلك كان ابن أبي عتيق؛ أنشد كثير ابن أبي عتيق كلمته التي يقول فيها:
ولست براض من خليل بنائلقليل ولا أرضى له بقليل
فقال له هذا كلام مكافىء ليس بعاشق؛ القرشيّان أصدق وأقنع منك، ابن أبي ربيعة حيث يقول:
ليت حظّي كطرفة العين منهاوكثير منها القليل المهنّا
وقوله:
فعدي نائلا وإن لم تنيليإنه ينفع المحبّ الرجاء
وابن قيس الرقيّات حيث يقول:
رقيّ بعيشكم لا تصرميناومنّينا المنى ثم امطلينا
عدينا من غد ما شئت إنّانحبّ وإن مطلت الواعدينا
وذكر ذلك لأبي السائب المخزومي ومعه ابن المولى فقال: صدق ابن أبي عتيق وفقه الله، ألا قال المديون كثّير كما قال هذا حين يقول:
وأبكي فلا ليلى بكت من صبابةلباك ولا ليلى لذي الودّ تبذل
وأخنع بالعتبى إذا كنت مذنباوإن أذنبت كنت الذي أتنصل
- نظر أبو حازم المدايني، وكان من أعبد الناس وأزهدهم، إلى امرأة تطوف بالبيت مسفرة أحسن خلق الله تعالى وجها، فقال: أيتها المرأة اتقي الله، لقد شغلت الناس عن الطواف، فقالت: أما تعرفني؟ قال: من أنت؟ فقالت:
من اللائي لم يحججن يبغين حسبةولكن ليقتلن البريء المغفلا
فقال: إني أسأل الله أن لا يعذّب هذا الوجه الحسن بالنار، فبلغ ذلك سعيد بن المسيب فقال ﵀: أما لو كان بعض عبّاد العراق لقال: اغربي يا عدوة الله، ولكنه ظرف عبّاد أهل الحجاز.
- قال سائب راوية كثير: قال لي كثير يوما ونحن بالمدينة: اذهب بنا إلى ابن أبي عتيق نتحدث معه، فذهبت إليه معه، فاستنشده ابن أبي عتيق فأنشد قوله:
أبائنة سعدى نعم ستبين
حتى بلغ إلى قوله:
وأخلفن ميعادي وخنّ أمانتيوليس لمن خان الأمانة دين
قال ابن أبي عتيق: أعلى الأمانة تبعتها؟ فانكف واستغضب نفسه وصاح وقال:
كذبن صفاء الودّ يوم محلّهوأدركني من عهدهنّ رهون
فقال ابن أبي عتيق: ويحك فذاك أملح لهنّ وأدعى للقلوب إليهنّ؛ سيدك ابن قيس الرقيّات كان أعلم منك وأوضع للصواب موضعه فيهنّ، أما سمعت قوله:
حبّ ذاك الدلّ والغنجوالتي في طرفها دعج
والتي إن حدّثت كذبتوالتي في وعدها خلج
وترى في البيت صورتهامثل ما في البيعة السّرج
خبروني هل على رجلعاشق في قبلة حرج
فسكن كثير واستحلى ذلك وقال: لا إن شاء الله، فضحك ابن أبي عتيق حتى ذهب به. ولأبي السائب في ابن أبي عتيق في هذا الفن أخبار كثيرة كرهت الإطالة في إيرادها.
- وروي أنّ سعيد بن المسيب، وهو من العلم بالمكان المشهور، مرّ في بعض أزقّة مكة، فسمع الأخضر الحربيّ يتغّنى في دار العاص بن وائل، والشعر لمحمد بن عبد الله النميري:
تضوّع مسكا بطن نعمان إذ مشتبه زينب في نسوة عطرات
فضرب برجله فقال: هذا والله مما يلذّ استماعه ثم قال:
وليست كأخرى وسّعت جيب درعهاوأبدت بنان الكفّ للجمرات
وعلّت بنان المسك وحفا مرجّلاعلى مثل بدر لاح في الظلمات
وقامت تراءى يوم جمع فأفتنتبرؤيتها من راح من عرفات
فكانوا يرون أنّ هذا الشعر لسعيد بن المسيب.
- أنشد إنسان قول الأحوص:
سقيا لربعك من ربع بذي سلموللزمان به إذ ذاك من زمن
إذ أنت فينا لمن ينهاك عاصيةوإذ أجرّ إليكم سادرا رسني
فوثب أبو عبيدة بن عمّار بن ياسر قائما ثم أرخى رداءه ومضى يمشي على تلك الحال ويجرّه حتى بلغ العرض ثم رجع، وكان ذلك بمحضر إبراهيم بن هشام المخزومي، وهو والي المدينة، فقال إبراهيم حين جلس أبو عبيدة: ما شأنك؟ فقال: أيها الأمير: إني سمعت هذا البيت مرة فأعجبني، فحلفت ألا أسمعه إلّا جررت رسني.
- قال عبد الملك بن عبد العزيز: أنشدت أبا السائب المخزومي شعر الأحوص:
لقد منعت معروفها أمّ جعفر[وإني إلى معروفها لفقير]
حتى انتهيت إلى قوله:
[أزور على أن لست أنفك] كلماأتيت عدوا بالبنان يشير
فأعجبه ذلك وطرب وقال: أتدري يا ابن أخي كيف كانوا يقولون؟ قلت: لا، قال: كانوا يقولون: الساعة دخل، الساعة خرج، [الساعة] مرّ، الساعة رجع، وجعل يومىء بإبهامه إلى وراء منكبيه، وسبابته إلى حيال وجهه، ويقلبها، يحكي ذهابه ورجوعه.
- وسمع أبو السائب رجلا ينشد قول أبي دهبل:
أليس عظيما أن نكون ببلدةكلانا بها ثاو ولا نتكلم
فقال له: قف يا حبيبي، فوقف، فصاح بجارية له: [يا سلامة] اخرجي، فخرجت، فقال له: أعد بأبي أنت البيت، فأعاده، فقال: بلى والله إنه لعجيب عظيم وإلا فسلامة حرة لوجه الله، اذهب فديتك مصاحبا، ثم دخل وجعلت الجارية تقول: ما لقيت منك، لا تزال تقطعني عن شغلي فيما لا ينفعك ولا ينفعني.
- قال عروة بن عبيد الله بن عروة بن الزبير: جاءني أبو السائب المخزومي يوما فسلم وجلس إليّ، فقلت له بعد الترحيب به: ألك حاجة يا أبا السائب؟ قال: وكما تكون الحاجة، أبيات لعروة بن أذينة، بلغني أنك سمعتها منه، قلت: أيّ أبيات، قال: وهل يخفى القمر؟ [قوله]:
إن التي زعمت فؤادك ملّها
فأنشدته إياها [فلما بلغت إلى قوله: فقلت لعلها قال: أحسن والله]، ما يروم هذا إلا أهل المعرفة والفضل، هذا والله الصادق الودّ، الدائم العهد، لا الهذلي الذي يقول:
إن كان أهلك يمنعونك رغبةعني فأهلي بي أضنّ وأرغب
لقد عدا الأعرابيّ طوره، وإني لأرجو أن يغفر الله لابن أذينة في طلب العذر لها، وحسن الظنّ بها، فدعوت له بطعام فقال: لا والله حتى أروي هذه الأبيات، فلما رواها وثب، فقلت له: كما أنت يغفر الله لك حتى تأكل، فقال: والله ما
كنت لأخلط بمحبتي لها وأخذي إياها غيرها، وانصرف.
- وكان أبو السائب واقفا على رأس بئر فأنشده ابن جندب:
غيضن من عبراتهن وقلن ليماذا لقيت من الهوى ولقينا
فرمى بنفسه في البئر بثيابه فبعد لأي ما أخرجوه.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع