من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الثاني عشر في تعاطي الصبر والتجلّد
- قال غلام من بني فزارة:
فأعرض كيما يحسب الناس أنّمابي الهجر لا والله ما بي لك الهجر
ولكن أروض النفس أنظر هل لهاإذا فقدت يوما أحبّتها صبر
- وأنشد التّوزي:
فلو كنت أدري أن ما كان كائنهجرتك أيام الفؤاد سليم
تقاضيك عيناك الدموع كما لناكما يتقاضاك الديون غريم
ولكن حسبت الهجر شيئا أطيقهوما كان لي فيما حسبت عزيم
- وقال آخر:
وإن أك عن ليلى سلوت فإنماتسلّيت عن يأس ولم أسل عن صبر
وإن يك عن ليلى غنى وتجلّدفربّ غنى نفس قريب من الفقر
فيا ربّ إن أهلك ولم ترو هامتيبليلى أمت لا قبر أعطش من قبري
- وقال نصيب:
أهابك إجلالا وما بك قدرةعليّ ولكن ملء عين حبيبها
وما هجرتك النفس يا ميّ أنهاقلتك ولكن قلّ منك نصيبها
ولكنهم يا أحسن الناس أولعوابقول إذا ما جيت هذا حبيبها
- وقالت ظبية الخضرية:
فلا يفرح الواشون بالهجر ربماأطال الحبيب الهجر والحبّ ناصح
ويغدو النّوى بين المحبين والهوىمع القلب مطويّ عليه الجوانح
- وقال ذو الرمة:
وقد كنت أبكي والنوى مطمئنةبنا وبكم من علم ما البين صانع
وأشفق من هجرانكم وتشفنيمخافة وشك البين والشمل جامع
وأعمد للأمر الذي لا أريدهلترجعني يوما إليك الرواجع
وأهجركم هجر البغيض وحبكمعلى كبدي منه شؤون صوادع
- ويروى للمجنون وغيره:
وأحبس عنك النفس والنفس صبّةبذكراك والممشى إليك قريب
مخافة أن يسعى الوشاة بظنّةوأكرمكم أن يستريب مريب
لقد جعلت نفسي وأنت اخترمتهاوكنت أعزّ الناس عنك تطيب
ولو شئت لم أغضب عليك ولم يزللك الدهر مني ما حييت نصيب
أما والذي يبلو السرائر كلّهاويعلم ما يبلو به ويغيب
لقد كنت ممّن تصطفي النفس خلّةلها دون خلّان الصفاء حجوب
- وقال الصمة القشيري، ويروى للأقرع بن معاذ وغيره:
أتبكي على ليلى ونفسك باعدتمزارك من ليلى وشعباكما معا
فما حسن أن تأتي الأمر طائعاوتجزع أن داعي الصبابة أسمعا
بكت عيني اليسرى فلما زجرتهاعن الجهل بعد الحلم أسبلتا معا
- وقال أبو دهبل:
أأترك ليلى ليس بيني وبينهاسوى ليلة إني إذا لصبور
عفا الله عن ليلى الغداة فإنهاإذا وليت حكما عليّ تجور
ويا عطشي والماء عذب أخوضهويا وحشتا والمؤنسون كثير
ويا حسرة في القلب يوم رحيلهموليلى على ظهر البعير تسير
وقال أبو القاسم بن المعتمر الزهري: أنشدت أبا السائب أبيات أبي دهبل هذه فقال لي: وابأبي، كنت والله أحبك وتثقل عليّ، وأنا الآن أحبك وتخفّ عليّ.
وقال أبو عبد الله ابن الحجاج:
هجرتك لا أنّ البعاد أفادنيسلوا ولا أني بعهدك غادر
ولكن هو الهجر الذي كلّ كائنلمدته فيه وإن طال آخر
- غضبت متيم الهشامية على مولاها علي بن هشام، فتمادى عتبها فكتب إليها: الإدلال يدعو إلى الإملال، وربّ هجر دعا إلى صبر، وإنما سمي القلب قلبا لتقلّبه، ولقد صدق العباس بن الأحنف حيث يقول:
لا أراني إلا سأهجر من ليس يراني أقوى على الهجران
ملّني واثقا بحسن وفائيما أضرّ الوفاء بالإنسان
قال: فخرجت إليه من وقتها [ورضيت] - عبد الله بن مصعب:
وإني وإن قصّرت عن غير بغضةلراع لأسباب المودّة حافظ
وأنتظر العتبى وأغضي عن القذىألاين طورا مرة وأغالظ
وإني ليدعوني إلى الصّرم ما أرىوآبى وتثنيني إليك الحفائظ
وأنتظر الإقبال بالودّ منكموأصبر حتى أوجعتني المغائظ
وجربت ما يسلي المحبّ من الهوىفأقصرت والتجريب للمرء واعظ
- أم فروة:
وما ماء مزن أي ماء تقولهتحدّر من غرّ طوال الذوائب
بمنعرج أو بطن واد تقابلتعليه رياح المزن من كلّ جانب
نفى نسم الريح القذى عن متونهفما إن به عيب يكون لشارب
بأطيب ممّن يقصر الطرف دونهتقى الله واستحياء ما في العواقب
وقال آخر:
ألا ربّ همّ يمنع النوم برحهأقام كقبض الراحتين على الجمر
وشوق كأطراف الأسنّة في الحشاملكت عليه طاعة الدمع أن يجري
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع