من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الثالث عشر في ذكر العذول والرقيب
- وقال بعض العرب:
يقولون مجنون بسمراء مولعبنفسي جنون في هوى وولوع
إذا أمرتني العاذلات بهجرهاأبت كبد عمّا يقلن صديع
وكيف أطيع العاذلات وحبّهايؤرقني والعاذلات هجوع
- وقال أحمد بن سليمان بن وهب، قال لي أبي: قد عزمت على معاتبة عمك، يعني الحسن بن وهب، في حبه لبنات، فقد شهر بها وافتضح، فكن معي وأعنّي عليه، وكان هواي مع عمي، فمضيت معه فقال له أبي وقد طال عتابه: يا أخي جعلت فداك الهوى ألذّ وأمتع، والرأي أصوب وأنفع، فقال عمي متمثّلا:
إذا أمرتني العاذلات ...
البيت فالتفت إليّ أبي ينظر ما عندي فتمثلت:
وإني ليلحاني على فرط حبّهارجال أطاعتهم قلوب صحائح
فنهض أبي مغضبا وضمّني عمي إليه وقبّلني وانصرفت إلى بنات فحدثتها بما
جرى وعمي يسمع، فأخذت العود وغنّت:
يلومك في محبتها رجاللو انهم برأيك لم يلوموا
- وقال ابن الرومي:
وشكى الشجي من الخلي ملامةوشكى الوفيّ تلوّن المذّاق
فدع المحبّ من الملامة إنهابئس الدواء لموجع مقلاق
لا تطفئنّ جوى بلوم إنهكالريح تغري النار بالإحراق
- وقال الحسن بن هانىء:
ما حطّك الواشون من رتبةعندي وما ضرّك مغتاب
كأنما أثنوا ولم يعلمواعليك عندي بالذي عابوا
- وقال محمد بن وهيب الحميري:
ونظرة عين تلافيتهاغرارا كما نظر الأحول
مقسّمة بين وجه الحبيبولحظ الرقيب متى يغفل
- وقال البحتري:
ولا بدّ من واش يتاح على النوىوقد يجلب الشيء البعيد جوالبه
أفي كلّ يوم كاشح متكلّفينم علينا أو رقيب نراقبه
- وقال عبد الله بن المعتز:
وابلائي من محضر ومغيبوحبيب منّي بعيد قريب
لم ترد ماء وجهه العين إلّاشرقت قبل ريّها برقيب
- وكان للمراكبي جارية يقال لها مظلومة، مليحة الوجه يبعثها مع عريب ترقبها، وكانت أجمل منها، فقال فيها الشاعر:
لقد ظلموك يا مظلوم لماأقاموك الرقيب على عريب
ولو أولوك إنصافا وعدلالما أخلوك أنت مع الرقيب
أتنهين المريب عن المعاصيفكيف وأنت من شأن المريب
وكيف يفارق الجاني ذنوبالديك وأنت داعية الذنوب
- وقال آخر في مثله:
فديتك لو أنهم أنصفوالما منعوا العين عن ناظريك
ألم يقرأوا ويحهم ما يرون من وحي طرفك في مقلتيك
وقد جعلوك رقيبا لنافمن ذا يكون رقيبا عليك
تصدّين أعيننا عن سواكوهل تنظر العين إلّا إليك
- والجيّد في قول الوشاة قول أبي دهبل:
لقد قطع الواشون ما كان بينناونحن إلى أن يوصل الحبل أحوج
هم منعونا ما نحبّ وأوقدواعلينا وشبّوا نار صرم تأجّج
ولو تركونا لا هدى الله هديهمولم يلحموا قولا من الشرّ ينسج
لأوشك صرف الدهر تفريق بينناولا يستقيم الدهر والدهر أعوج
وإني لمحزون عشيّة زرتهاوكنت إذا ما جئتها لا أعرّج
فلما التقينا لجلجت في حديثهاومن آية الصدّ الحديث الملجلج
- وقال العرجي:
وأطعت فيها الكاشحين فأكثروافيها المقالة شامتا ومعرّضا
وسفاهة بالمرء صرم حبيبهيرضي بهجرته العدوّ المبغضا
- وقال ذو الرمة:
وكنت إذا ما جئت ميّا مسلّماأتوني وفودا بين ساع وجالس
غضابا إذا ما جئت ميّا أزورهاعليّ ألا رغما لتلك المعاطس
فإنّا على ما يزعم الناس بيننامن الودّ لا نهوى دنيّ المجالس
كلانا أبى أن يقري السوء نفسهوفي النفس للإنسان أحرس حارس
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع