من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع العاشر في شكوى الفراق واحتماله
- قال جميل:
وما مرّ يوم مذ تراخت بنا النوىولا ليلة إلا هوى منك رادف
أهمّ بشكوى منك ثم تردّنيإليك وتثنيني عليك العواطف
فلا تحسبنّ النأي أسلى مودتيولا أنّ عيني ردّها عنك طارف
وقال آخر:
يا قلب ويحك ما سلمى بذي سلمولا الزمان الذي قد فات يرتجع
أكلّما مرّ ركب لا يلائمهولا يبالون أن يشتاق من فجعوا
علّقتني بهوى منهم فقد جعلتمن الفراق حصاة القلب تنصدع
لما دنا البين بين الحيّ واقتسمواحبل النوى وهي في أيديهم قطع
جادت بأدمعها سلمى وعاجلنيوشك الفراق فمن أبكي ومن أدع
- وقال ذو الرمّة:
نظرت إلى أظعان ميّ كأنهامولّية ميس تميل ذوائبه
فأبديت منّي الدمع والدمع كاتمبمغرورق نمّت عليّ سواكبه
فلمّا عرفنا آية البين بغتةوردّت لأحداج الفراق ركائبه
ولم يستطع إلف لإلف تحيةمن الناس إلا أن يسلّم حاجبه
تراءى لنا ما بين سجفين لمحةغزال أحمّ العين بيض ترائبه
- وقال قيس بن ذريح، ويروى لعبد الله بن مصعب الزبيري:
فإن يحجبوها أو يحل دون وصلهامقالة واش أو وعيد أمير
فلن يمنعوا عينيّ من دائم البكاولن يذهبوا ما قد أجنّ ضميري
وكنّا جميعا قبل أن يظهر الهوىبأنعم حالي غبطة وسرور
فما برح الواشون حتى بدت لنابطون الهوى مقلوبة لظهور
لقد كان حسب النفس لو دام وصلهاولكنّما الدنيا متاع غرور
- وقال أيضا:
بكيت نعم بكيت وكلّ إلفإذا بانت قرينته بكاها
وما فارقت لبنى عن تقالولكن شقوة بلغت مداها
- وقال أيضا:
مضى زمن والناس يستشفعون بيفهل لي إلى لبنى الغداة شفيع
يقولون صبّ بالنساء موكّلوما ذاك من فعل الرجال بديع
إلى الله أشكو أمّة شقّت العصاهي اليوم شتّى وهي أمس جميع
لعمرك إني يوم جرعاء مالكلعاص لأمر المرشدين مطيع
ندمت على ما كان مني ومنكمكما ندم المغبون حين يبيع
وقال آخر:
وكلّ مصيبات الزمان عرفتهاسوى فرقة الأحباب هينة الخطب
وقلت لقلبي حين لجّ به الهوىوكلفني ما لا أطيق من الحبّ
ألا أيّها القلب الذي قاده الهوىأفق لا أقرّ الله عينك من قلب
- وقال أبو العباس النامي، وأحسن في قوله:
سألت بالفراق صبا وماينبئها بالفراق مثل خبير
هو بين الحشا صدوع وفي الأعين ماء وجمرة في الصدور
- وقال علي بن الجهم:
فارقتكم وأعيش بعدكمما هكذا كان الذي يجب
إني لألقى الناس معتذرامن أن أعيش وأنتم غيب
- وقال ابن المعتز:
ومتيّم جرح الفراق فؤادهفالدمع من أجفانه يترقرق
هزّته فرقة ساعة فكأنمافي كلّ عضو منه قلب يخفق
- وقال أيضا:
يقولون لي والبعد بيني وبينهانأت عنك ليلى وانطوى سبب القرب
فقلت لهم والحبّ يفضحه البكالئن فارقت عيني لقد سكنت قلبي
يوهّمنيك الشوق حتى كأنماأناجيك من قرب وإن لم تكن قربي
- وقال أبو العتاهية:
أما والذي لو شاء لم يخلق النوىلئن غبت عن عيني لما غبت عن قلبي
- وقال ابن المعتز:
ما أبالي بظنونوعيون أتّقيها
لي من ذكراك مرآة أرى وجهك فيها
- وقال آخر:
إن كنت لست معي فالذكر منك معييراك قلبي وإن غيّبت عن بصري
العين تبصر من تهوى وتفقدهوناظر القلب لا يخلو من النظر
- وقال الناجم:
لئن راح عن عينيّ أحمد غائبالما هو عن عين الفؤاد بغائب
له صورة في القلب لم يقصها النوىولا تتخطّاها أكفّ النوائب
إذا ساءني منه شحوط ديارهفضاقت عليّ في هواه مذاهبي
عطفت على شخص له، غير نازحمنازله بين الحشا والترائب
وكتب المستظهر بالله أبو العباس إلى يوسف بن أحمد الجزري
وكيله في سفرة سافرها متمثلا:
قلت وقالوا بان أحبابهوبدّلوه البعد بالقرب
والله ما شطّت نوى نازحسار عن العين إلى القلب
- وقال البحتري:
وأبي الظعائن يوم رحن لقد مضىفيهنّ مجدول القوام قضيفه
شمس تألّق بالفراق غروبهاعنّا وبدر والرحيل كسوفه
- وقال العلوي:
ولقد نظرت إلى الفراق فلم أجدللموت لو فقد الفراق سبيلا
إنّ المصائب لو تصوّر ما عدتمترحّلا بالبين أو مرحولا
يا ساعة البين انبري فكأنماوصلت بساعات القيامة طولا
وقال بعض العرب:
روّعت بالبين حتى ما أراع لهوبالمصائب في أهلي وجيراني
لم يترك الدهر لي علقا أضنّ بهإلا اصطفاه بنأي أو بهجران
- وقال ابن نباتة:
فزعت إلى يأسي فلم أسل عنهمإذا اليأس لم يسل المحبّ فما يسلي
تلافيت فيها قسوة الهجر بالبكاوداويت فيها عزّة الحبّ بالذلّ
عشية أستعدي على البين مسعدافينصرني دمعي ويخذلني أهلي
فيا بين حل بيني وبين عواذليإذا لم تحل بين المطيّة والرحل
ويا دمع لا تهتك عليّ سرائريفلو شئت يوم البين كذبت ما تملي
- وقال المتنبي:
كم غرّ صبرك وابتسامك صاحبالما رآه وفي الحشا ما لا يرى
قد كنت أحذر بينهم من قبلهلو كان ينفع حائنا أن يحذرا
- وأنشد ثعلب:
ولّت بهم عنك نيّة قذفغادرت الشعب غير ملتئم
واستودعت نشرها الديار فماتزداد طيبا إلا على القدم
وقال ابن الحجاج:
إنّ يوم الفراق مذ بعدت فيهـ وشطّت دار الحبيب القريب
شرّد النوم عن جفوني كما أللف ما بين مقلتي والنحيب
وقال أيضا:
يا مزعج النوم عن أجفان مغتبقعلى السهاد وبالأحزان مصطبح
بيني وبينك وعد ليس يخلفهبعد المزار وعهد غير مطّرح
فما ذكرتك والأقداح دائرةإلا مزجت بدمعي باكيا قدحي
ولا سمعت بصوت فيه ذكر نوىإلا عصبت عليه كلّ مقترحي
وقال أيضا:
أما الغزال الذي نهوى فقد ظعنافاستشعر الصبر أو مت بعده حزنا
ما لي وللبين لم يترك على كبديإلفا تقرّ به عيني ولا سكنا
قد كنت أكتم وجدي بعد بينكمفاليوم يا حادي الأظعان قد علنا
حمى جفوني الكرى شوقا إلى سكنييحرّك الوجد فينا كلّما سكنا
- وأنشد الجاحظ:
أنا أبكي خوف الفراق لأنيبالذي يفعل الفراق عليم
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع