من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الرابع في ذكر الوداع
- وقال الشماخ:
وأعجلنا وشك الفراق وبينناحديث كتنفيس المريضين مزعج
حديث لو انّ اللحم يصلى بحرّهغريضا أتى أصحابه وهو منضج
- وقال بعض العرب:
ومما شجاني أنها يوم ودّعتتولّت وماء العين في الجفن حائر
فلما أشارت من بعيد بنظرةإليّ التفاتا أسلمتها المحاجر
يقولون لا تنظر وتلك بليّةألا كلّ ذي عينين لا بدّ ناظر
ألام بأن حنّت قلوصي من الهوىولا ذنب لي في أن تحنّ الأباعر
- وقال البحتري:
رحلوا فأيّة عبرة لم تسكبأسفا وأيّ عزيمة لم تغلب
لو كنت شاهدنا وما صنع الهوىبقلوبنا لحسدت من لم يحبب
شغل الرقيب وأسعدتنا خلوةفي هجر هجر واجتناب تجنّب
تشكو الفراق إلى قتيل صبابةشرق المدامع بالفراق معذّب
- وقال المتنبي:
وجلا الوداع من الحبيب محاسناحسن العزاء وقد جلين قبيح
فيد مسلّمة وطرف شاخصوحشا يذوب ومدمع مسفوح
- وقال جرير:
أتنسى إذ تودّعنا سليمىبعود بشامة سقي البشام
فلو وجد الحمام كما وجدنابسلمانين لا كتأب الحمام
بنفسي من تجنّبه عزيزعليّ ومن زيارته لمام
ومن أمسى وأصبح لا أراهويطرقني إذا هجع النيام
- وقال البحتري:
وأنا الفداء لمرهف غضّ الصبايوهيه حمل وشاحه وعقوده
قصرت تحيّته فجاد بخدّهيوم الوداع لنا وضنّ بجيده
ولو استطاع لكان يوم وصالهللمستهام مكان يوم صدوده
- وقال ابن الرومي:
لو كنت يوم الفراق حاضرناوهنّ يطفين غلّة الوجد
لم تر إلا دموع باكيةتسفح من مقلة على خدّ
كأنّ تلك الدموع قطر ندىيقطر من نرجس على ورد
- وقال أيضا:
تلاقينا لقاء لافتراقكلانا منه ذو قلب مروع
فما افترّت شفاه عن ثغوربل افترّت جفون عن دموع
وقال الطائي:
مدّت إليك بنانة أسروعاتصف الفراق ومقلة ينبوعا
كادت لعرفان النوى ألفاظهامن رقة الشكوى تكون دموعا
- وقال البصير:
ألمّت بنا يوم الرحيل اختلاسةفأضرم نيران الهوى النظر الخلس
تأنّت قليلا وهي ترعد خيفةكما تتأنّى حين تعتدل الشمس
فخاطبها صمتي بما أنا مضمروأبلست حتى ليس يعلم لي حسّ
وولّت كما ولّى الشباب لطيّةطوت دونها كشحا على نأيها النفس
وقال الحسن بن هاني:
وكأنّ سلمى إذ تودّعناوقد اشرأبّ الدمع أن يكفا
رشأ تواصين القيان بهحتى عقدن بأذنه شنفا
- وقال المرتضى أبو القاسم الموسوي:
ويوم وقفنا للوداع وكلّنايعدّ مطيع الشوق من كان أحزما
نصرت بقلب لا يعنّف في الهوىوعين متى استمطرتها قطرت دما
- وقال أبو المطاع ابن ناصر الدولة بن حمدان:
لو كنت ساعة بيننا ما بيننافشهدت حين نكرّر التوديعا
أيقنت أنّ من الدموع محدّثاوعلمت أنّ من الحديث دموعا
وقال أبو الحسين بن لنكك البصري:
وقفنا موقف التوديع نوطينجوم الدمع آفاق الغروب
تعجّب من عناق حرّ دمعاوتقبيل يشيّع بالنحيب
وقد ضاق العناق فلو فطنّادخلنا في المخانق والجيوب
وقال جعفر بن علبة الحارثي:
أشارت بطرف العين وهي حزينةتودّعنا إذ لم يبيّن كلامها
فلو كنت أبكي للفراق صبابةشفى بعض وجدي من جفوني انسجامها
ولكنها عين كتوم لدمعهاإذا ما حبال الوصل جدّ انصرامها
وخبّرتها تهدي السلام ودونهاجبال السرى تثليثها وإكامها
فإنّ التي أهدت على نأي دارهاسلاما لمردود عليّ سلامها
- وقال ذو الرمّة:
عدون فأحسنّ الوداع فلم نقلكما قلن إلا ما تشير الأصابع
ولما تلاحقنا ولا مثل ما بنامن الوجد لا تنقضّ منه الأضالع
تخلّلن أبواب الخدور بأعينغرابيب والألوان بيض صوادع
وخالسن تبساما إلينا كأنماتصيب به حبّ القلوب القواطع
- وقال آخر:
ولا أنسى من أسماء بالأمس قولهاوأدمعها يذرين حشو المكامل
تمتّع بذا اليوم القصير فإنهرهين بأيام الشهور الأطاول
- وقال البحتري:
إن أنت ودّعت بتقبيلةكانت يدا مشكورة للفراق
أحاذر البين من اجل النوىطورا وأهواه من اجل العناق
- وقال أبو دهبل:
فوا ندما إذ لم أعج إذ تقول ليتقدّم فشيّعنا إلى ضحوة الغد
فأصبحت مما كان بيني وبينهاسوى ذكرها من قابض الماء باليد
وأنشد أبو السائب ذلك فقال: ما صنع شيئا، اكترى حمارا يشيّعهم ولا يقول: فواندمي، وأظنّه قد كان له عذر ولا يقدر يذكره، وقال للرجل: ما تقول أنت؟ فقال الرجل: وأنا أظنّه قد كان له عذر، قال: وما هو، قال الرجل: لا أدري، قال: أظنّه قد كان مثلي لا يجد شيئا.
- الحسين بن الضحاك:
نفسي الفداء لخائف مترقّبجعل الوداع إشارة بعناق
إذ لا جواب لمفحم متحيّرإلا الدموع تصان بالإطراق
- المتنبي:
ولم أر كالألحاظ يوم رحيلهمبعثن بكلّ القتل من كلّ مشفق
عشيّة يعدونا عن النظر البكاوعن لذّة التوديع خوف التفرّق
نودّعهم والبين فينا كأنهقنا ابن أبي الهيجاء في قلب فيلق
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع