من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثالث ما جاء في الخضاب
- أول من خضب من أهل مكة بالسواد عبد المطلب بن هاشم، خضبه بذلك ملك من ملوك حمير وزوّده، وأقبل عبد المطلب من عنده، فلما قرب من مكة اختضب ودخلها فقالت نثيلة بنت جناب بن كلب أمّ العباس بن عبد المطّلب: يا شيبة الحمد ما أحسن هذا الخضاب لو دام، فقال لها عبد المطّلب:
فلو دام هذا يا نثيل حمدتهولكن بديل من شباب قد انصرم
تمتّعت منه والحياة قصيرةولا بدّ من موت نثيلة أو هرم
وماذا الذي يجدي على المرء خفضهونعمته يوما إذا عرشه انهدم
فموت جهيز عاجل لا شوى لهأحبّ إلينا من مقالكم حطم
وقد قال رسول الله ﷺ: غيّروا الشّيب ولا تشبّهوا باليهود.
وكان جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم يخضبون، وسئل عليّ ﵇ عن خبر النبي ﷺ هذا فقال: إنما قال ﷺ ذلك والدين قلّ، فأمّا
الآن وقد اتسع نطاقه وضرب بجرانه فامرؤ وما اختار.
- وقد أحسن ابن الرومي في قوله:
إذا دام للمرء الشباب ولم تدمغضارته ظنّ الشّباب خضابا
فكيف يظنّ المرء أنّ خضابهيخال سوادا أو يظنّ شبابا
- الخضاب بالسواد مكروه، قال رسول الله ﷺ: خير شبابكم من تشّبه بشيوخكم، وشرّ شيوخكم من تشبّه بشبابكم، ونهى عن الخضاب بالسواد وقال: هو خضاب أهل النار، وفي لفظ آخر: الخضاب بالسواد خضاب الكفّار، والخضاب بالحمرة والصفرة جائز تلبيسا للشّيب على الكفار في الغزو والجهاد. وقال ﷺ: الصّفرة خضاب المؤمنين، وكانوا يخضبون بالحنّاء للحمرة، وبالخلوق والكتم للصّفرة، وخضب بعض العلماء بالسّواد، وذلك لا بأس به إذا صحّت النيّة، ولم يكن فيه هوى وشهرة.
- قال محمود الوراق في إنكار الخضاب:
يا خاضب الشّيب الذيفي كلّ ثالثة يعود
إنّ النّصول إذا بدافكأنه شيب جديد
فدع المشيب لما تريد فلن يعود كما تريد
- ولابن المعتز يعتذر عن ذلك:
وقالوا النصول مشيب جديدفقلت الخضاب شباب جديد
إساءة هذا بإحسان ذافإن عاد هذا فهذا يعود
وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهمذاني:
وأنكر جاراتي خضاب ذوائبيوهنّ به سوّدن بيض الأنامل
فواعجبا منهنّ ينكرن باطلاعليّ ولم يجلبن قلبي بباطل
فسلّ مشيبي من خضابي كأنماتسلّ من الأغماد بيض المناصل
وكنت متى أبدى النصول بياضهارأيت نصولا ركّبت في مقاتلي
- حدّث بعضهم قال: خرجت إلى ناحية الطفاوة فإذا أنا بامرأة لم أر أحسن منها فقلت: أيتها المرأة إن كان لك زوج فبارك الله لك فيه، وإلا فأعلميني، قال فقالت: وما تصنع بي وفيّ شيء لا أراك ترتضيه، قلت: وما هو؟ قالت: مشيب في رأسي، قال: فثنيت عنان دابّتي راجعا، فصاحت بي:
على رسلك أخبرك بشيء، فوقفت وقلت: ما هو يرحمك الله؟ قالت: والله ما بلغت العشرين بعد وهذا رأسي (وكشفت عن عناقيد كالحمم) وما رأيت في رأسي بياضا قط، ولكن أحببت أن تعلم أنّا نكره منكم ما تكرهون منا وأنشدت:
أرى شيب الرجال من الغوانيبموضع شيبهنّ من الرجال
قال: فرجعت خجلا كاسف البال.
- قال الأصمعي: بلغني عن بعض العرب فصاحة، فأتيته لأسمع من
كلامه، فصادفته وهو يخضب، فلما رآني قال: إنّ الخضاب لمن مقدّمات الضعف، ولئن كنت قد ضعفت فطالما مشيت أمام الجيوش، وعدوت على الوحوش، ولهوت بالنساء، واختلت في الرّداء، وأرويت السيف، وقريت الضّيف، وأبيت العار، وحميت الجار، وغلبت القروم، وعاركت الخصوم، وشربت الرّاح، ونادمت الجحجاح، فاليوم قد حناني الكبر، وضعف البصر، وجاءني بعد الصفو الكدر، ثم أنشد:
شيب نعلّله كيما ندلّسهكهيئة الثوب مطويّا على حرق
قد كنت كالغصن ترتاح الرياح لهفصرت عودا بلا ماء ولا ورق
صبرا على الدهر إنّ الدهر ذو غيروأهله فيه بين الصّفو والرّنق
يقال: إنّ أول من خضب بالسواد فرعون؛ وتزوّج رجل على عهد عمر ﵁ فكان يخضب بالسواد، فنصل خضابه وظهرت شيبته، فرفعه أهل المرأة إلى عمر فردّ نكاحه وأوجعه ضربا، وقال غررت القوم بالشباب، ولبّست عليهم بشيبتك.
سئل الحسن عن الخضاب فقال: هو جزع قبيح.
قال أسماء بن خارجة لجاريته اخضبيني، قالت: حتى متى أرقّعك، فقال:
عيّرتني خلقا أبليت جدّتهوهل رأيت جديدا لم يعد خلقا
- المتنبي:
وما خضب الناس البياض لأنهقبيح ولكن أحسن الشّعر فاحمه
مشبّ الذي يبكي الشباب مشيبهفكيف توقّيه وبانيه هادمه
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع