من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الثاني الرضى بالشّيب والتسلّي عن جدّته
- جاء في الأثر أنّ الشّيب وقار، ومنه قول الشاعر:
لا يرعك المشيب يا ابنة عبد اللّه فالشّيب حلية ووقار
إنّما تحسن الرياض إذا ماضحكت في خلالها الأنوار
- وقال طريح بن إسماعيل الثقفي:
والشّيب للحكماء من سفه الصّبابدل تكون له الفضيلة مقنع
والشّيب غاية من تأخّر حينهلا يستطيع دفاعه من يجزع
إنّ الشّباب له لذاذة جدّةوالشّيب منه في المغبّة أنفع
لا يبعد الله الشباب ومرحبابالشّيب حين أرى إليه المرجع
- وقال بشّار، ويروى لمسلم:
الشيب كره وكره أن يفارقنيأعجب بشيء على البغضاء مودود
يمضي الشباب ويأتي بعده خلفوالشّيب يذهب مفقودا بمفقود
- بعض العرب:
ألا قالت الحسناء يوم لقيتهاكبرت ولم تجزع من الشّيب مجزعا
رأت ذا عصا يمشي عليها وشيبةتقنّع منها رأسه ما تقنعا
فقلت لها لا تهزئي بي فقلّمايسود الفتى حتى يشيب ويصلعا
وللقارح اليعبوب خير علالةمن الجذع المجرى وأبعد منزعا
- دعبل:
أهلا وسهلا بالمشيب فإنّهسمة العفيف وحلية المتحرّج
وكأن شيبي نظم درّ زاهرفي تاج ذي ملك أغرّ متوّج
- والجيّد في ذلك قول الآخر:
والشّيب إن يحلل فإنّ وراءهعمرا يكون خلاله متنفّس
لم ينتقص مني المشيب قلامةالآن حين بدا ألبّ وأكيس
- أبو تمام:
فلا يؤرّقك إيماض القتير بهفإنّ ذاك ابتسام الرأي والأدب
- وقد اعتذر البحتري للشّيب وكرّر ذلك في مواضع من شعره فقال:
عيّرتني المشيب وهي بدتهفي عذاري بالصدّ والاجتناب
لا تريه عارا فما هو بالشّيب ولكنّه جلاء الشّباب
وبياض البازيّ أصدق حسناإن تأمّلت من سواد الغراب
- وقال:
ورأت لمّة ألمّ بها الشيب فريعت من ظلمة في شروق
ولعمري لولا الأقاحي لأبصرت أنيق الرياض غير أنيق
وسواد العيون لو لم يحسّنببياض ما كان بالموموق
ومزاج الصهباء بالماء أملىبصبوح مستحسن وغبوق
أيّ ليل يبهى بغير نجومأو سحاب يبدى بغير بروق
وهذا من قول الآخر:
تفاريق شيب في الشباب لوامعوما حسن ليل ليس فيه نجوم
- البحتري أيضا:
طبت نفسا عن الشباب وما سوود من صبغ برده الفضفاض
فهل الحادثات يا ابن عويفتاركاتي ولبس هذا البياض
- وقال:
رأت فلتات الشّيب فابتسمت لهاوقالت نجوم لو طلعن بأسعد
أعاذل ما كان الشباب مقرّبيإليك فألحى الشّيب إذ كان مبعدي
- فأما ما ورد في الأثر من رأفة الله ﷿ بالشيخ، وما أعدّ له من صنوف الرحمة والعفو، فتلك حال مقترنة بالطاعات، ويوجبها التقلّب في العبادات، وإلا فهو كلّما أسنّ في المعاصي كان أبعد له عن الله، وأنأى مما أمّله ورجاه، وليس هذا موضع ذكرها، ولا يليق بإيرادها؛ وقد روي أن النبي ﷺ قال: إنّ الله تعالى عزّ ذكره يقول: «وعزّتي وجلالي وفاقة خلقي إليّ إني لأستحي من عبدي وأمتي يشيبان في الإسلام أن أعذّبهما». ثم بكى، فقيل له: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أبكي ممّن يستحي الله منه وهو لا يستحي من الله.
وقال أبو الفرج حمد بن خلف الهمذاني:
تعيّرني وخط المشيب بعارضيولولا الحجول البيض لم تحسن الدّهم
حتى الدهر قوسي فاستمرّت عزيمتيولولا انحناء القوس لم ينفذ السهم
وقال النمر بن تولب:
فإنّ تك أثوابي تمزّق عن بلىّفإني كنصل السّيف في خلق الغمد
- لبيد:
فأصبحت مثل السيف أخلق جفنهتقادم عهد القين والنصل قاطع
ومثله للعجير السّلولي:
لقد آذنت بالهجر هيفاء ليتهابه آذنتنا والفؤاد جميع
وإنّي وإن واجهن شيئا كرهنهلكالسيف يبلى الجفن وهو قطوع
- المتنبي:
وشى بالمشيب الشّيب عند الكواعبفهنّ وإن واصلن ميل الحواجب
رأين بياضا في سواد كأنهبياض العطايا في سواد المطالب
هو الليل لا يزري عليه بأن ترىجوانبه محفوفة بالكواكب
بلغ أبو بكر هبة الله بن الحسن الشيرازي تسعين سنة ولم تبيضّ له شعرة فقال يتبرّم بالشباب من قصيدة:
إلام وفيم يظلمني شبابيوتلبس لمّتي حلك الغراب
وآمل شعرة بيضاء تبدوبدوّ البدر من خلل السحاب
وأدعى الشّيخ ممتلئا شباباكذي ظمإ يعلّل بالشراب
وكافور المشيب أجلّ عنديوفي فوديّ من مسك الشباب
وأين من الصباح ظلام ليلوأين من الرّباب دجى ضباب
قال أفلاطون: هرم النفس شباب العقل؛ أخذ ذلك ابن المعتز ونظمه فقال:
وما ينتقص من شباب الرجاليزد في نهاها وألبابها
قال أبو مجيب الأعرابي، وقد رأى قوما يعذلون شابّا: لا تعذلوه فقد رأيتني وأنا شاب أعضّ على الملام عضّ الجموح على اللّجام، حتى أخذ الشّيب بعنان شبابي.
- روي عن النبي ﷺ أنه قال: الا أنبئكم بخياركم، قالوا: بلى يا
رسول الله، قال: أطولكم أعمارا في الإسلام إذا سددوا.
- وقال الحسن: أفضل الناس ثوابا يوم القيامة المؤمن المعمّر.
- رأى حكيم طارىء شيبة فقال: مرحبا بثمرة الحكمة، وجنى التجربة، ولباس التقوى.
- وكان المأمون يتمثل:
رأت وضحا في الرأس منّي فراعهافريقان مبيضّ به وبهيم
تفاريق شيب في السواد لوامعوما حسن ليل ليس فيه نجوم
- العكوّك:
وأرى الليالي ما طوت من قوتيردّته في عظتي وفي افهامي
وعلمت أنّ المرء من سنن الرّدىحيث الرميّة من سهام الرّامي
عبد الله بن محمد الأزدي المعروف بالعطار المغربي:
سلني بوقعات الزمان فإنماهذا القتير غبار ذاك الموكب
ولقد عذلت الدهر ثم عذرتهورأيت ظلما عذل من لم يذنب
وحمدته لمّا علمت بأنهيسم المجرّب بالعذار الأشيب
وعجبت أن طلع المشيب بلمّتيفنكرته والليل ثوب الكوكب
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع