من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
الفصل الأول الفجيعة بالشيّب وحلوله
- يقال: إنّ أوّل من شاب إبراهيم الخليل ﵇ ليتميّز به عن إسحاق فإنه كان شديد الشّبه به، فلما وخطه الشيّب قال: يا ربّ ما هذا؟! قال: هو الوقار، قال: يا ربّ زدني وقارا، ولم يكن أحد رأى الشيّب قبله.
- والشّيب رائد الموت، قال الله ﷿: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجاءَكُمُ النَّذِيرُ
(فاطر:). جاء في التفسير: أنه الشيّب.
- وقال النبي ﷺ: لو لم يوكل بابن آدم إلّا الصحة والسلامة لأوشك أن يردّاه إلى أرذل العمر.
- وقال ﷺ: كفى بالسّلامة داء.
- وقال النمر بن تولب:
يسرّ الفتى طول السلامة جاهدافكيف ترى طول السلامة يفعل
- ومثله لحميد بن ثور:
أرى بصري قد رابني بعد صحةوحسبك داء أن تصحّ وتسلما
- وقال عبد الرحمن بن سويد المرّي:
كانت قناتي لا تلين لغامزفألانها الإصباح والإمساء
ودعوت ربي بالسلامة جاهداليصحّني فإذا السلامة داء
- كعب بن زهير:
كلّ ابن أنثى وإن طالت سلامتهيوما على آلة حدباء محمول
- بعض المعمّرين:
وإذا رأيت عجيبة فاصبر لهافالدهر قد يأتي بما هو أعجب
ولقد أراني والأسود تخافنيوأخافني من بعد ذاك الثعلب
- قال ابن عباس: ما آتى الله عبده علما إلا شابّا، والخير كلّه في الشباب، ثم تلا قوله تعالى: قالُوا سَمِعْنا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقالُ لَهُ إِبْراهِيمُ
(الأنبياء:) وقوله ﷿: إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْناهُمْ هُدىً
(الكهف:) وقوله تعالى: وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
(مريم:).
وكان أنس يقول: قبض رسول الله ﷺ وفي رأسه ولحيته عشرون شعرة بيضاء، فقيل له: يا أبا حمزة وقد أسنّ؟ فقال: لم يشنه الله تعالى بالشيّب، فقيل: أوشين هو؟ قال: كلّكم يكرهه.
قال بعض الزهّاد: الشيّب للجاهل نذير، وللعاقل بشير.
- وقال آخر: الشيّب تبسّم المنايا.
- كان عيسى ﵇ إذا مرّ على الشباب قال لهم: كم من زرع لم يدرك الحصاد، وإذا مرّ على الشيوخ قال: ما ينتظر بالزرع إذا أدرك إلا أن يحصد.
- وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله.
أنس رفعه: من أتى عليه أربعون سنة ولم يغلب خيره شرّه فليتجهّز إلى النار.
- محمد بن علي بن الحسين ﵉: إذا بلغ الرجل أربعين سنة نادى مناد من السماء: دنا الرحيل فاتخذ زادا.
- قال النخعي: كانوا يطلبون الدنيا فإذا بلغوا الأربعين طلبوا الآخرة.
- وقال الشّعبيّ: الشّيب علّة لا يعاد عنها، ومصيبة لا يعزّى عليها.
- وقال عمرو بن قميئة:
كأني وقد جاوزت تسعين حجّةخلعت بها عنّي عذار لجامي
على الرّاحتين مرّة وعلى العصاأنوء ثلاثا بعدهنّ قيامي
رمتني بنات الدهر من حيث لا أرىفكيف بمن يرمى وليس برام
فلو أنها نبل إذا لاتّقيتهاولكنّني أرمى بغير سهام
إذا ما رآني الناس قالوا ألم يكنحديثا حديد الطرف غير كهام
وأفنى وما أفني من الدهر ليلةولم يغن ما أفنيت سلك نظام
وأهلكني تأميل يوم وليلة وتأميل عام بعد ذاك وعام - وأنشد الفرّاء:
حنتني حانيات الدهر حتىكأنّي حابل يدنو لصيد
قصير الخطو يحسب من رآنيولست مقيّدا أنّي بقيد
- الأخطل:
وقد لبست لهذا الدهر أعصرهحتى تجلّل رأسي الشّيب واشتعلا
فبان مني شبابي بعد لذّتهكأنما كان ضيفا طارقا نزلا
وبينما المرء مغبوط بعيشتهإذ خانه الدهر عما كان فانتقلا
- وقال أيضا:
أعرضن عن شمط في الرأس لاح بهمنهنّ منه إذا أبصرنني حيد
يا قلّ خير الغواني كيف رعن بهفشربه وشل منهنّ تصريد
قد كنّ يعهدن مني منظرا حسناومفرقا حسرت عنه العناقيد
إنّ الشباب لمحمود لذاذتهوالشّيب منصرف عنه ومصدود
- وقال بعض العرب، بل هي للتيمي:
إذا كانت السبعون سنّك لم يكنلدائك إلا أن تموت طبيب
وإن امرءا قد عاش سبعين حجةإلى منهل من ورده لقريب
إذا ما مضى القرن الذي أنت فيهموخلّفت في قرن فأنت غريب
- رأى إياس بن قتادة العبشمي شيبة في لحيته فقال: أرى الموت يطلبني وأراني لا أفوته، أعوذ بك من فجآت الأمور، يا بني سعد قد وهبت لكم شبابي فهبوا لي شيبي، ولزم بيته، فقال أهله: تموت هزلا، قال: لأن أموت مهزولا مؤمنا أحبّ إليّ من أن أموت منافقا سمينا.
- وقال غسان خال الفرّار:
ابيضّ مني الرأس بعد سوادودعا المشيب حليلتي لبعاد
واستحصد القرن الذي أنا منهموكفى بذاك علامة لحصاد
- وقال نافع بن لقيط الفقعسي:
فلئن بليت لقد عمرت كأننيغصن تثنّيه الرياح رطيب
وكذاك حقّا من يعمّر يبلهكرّ الزمان عليه والتقليب
حتى يعود من البلى وكأنّهفي الكفّ أفوق ناصل معصوب
مرط القذاذ فليس فيه مصنعلا الريش ينفعه ولا التعقيب
- وقال النابغة الجعدي:
وما البغي إلا على أهلهوما الناس إلا كهذي الشّجر
ترى المرء في عنفوان الشّبابيهتزّ في بهجات خضر
زمانا من الدهر ثم التوىوعاد إلى صفرة فانكسر
وقال آخر:
من عاش دهرا فسيأتيه الأجلوالمرء توّاق إلى ما لم ينل
والمرء يبلوه ويلهيه الأمل
- وقال لبيد:
وما المرء إلا كالشهاب وضوئهيحور رمادا بعد إذ هو ساطع
نظر ابن الرومي إلى المعنى فقال:
محار الفتى شيخوخة أو منيّةومرجوع وهّاج المصابيح رمدد
- آخر:
لعمري لئن حلّئت عن منهل الصّبالقد كنت ورّادا لمشربه العذب
ليالي أغدو بين برديّ لاهياأميس كغصن البانة الناعم الرطب
سلام على سير القلاص مع الركبووصل الغواني والمدامة والشرب
سلام امرىء لم تبق منه بقيّةسوى نظر العينين أو شهوة القلب
- ابن مقبل:
يا حرّ إن سواد الرأس خالطهشيب القذال اختلاط الصّفو بالكدر
يا حرّ من يعتذر من أن يلمّ بهريب الزمان فإني غير معتذر
- وقال منصور النمري:
ما تنقضي حسرة مني ولا جزعإذا ذكرت شبابا ليس يرتجع
بان الشباب وفاتتني بشرّتهصروف دهر وأيام لها خدع
ما كنت أوفي شبابي كنه غرّتهحتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
أبكي شبابا رزيناه وكان ولاتوفي بقيمته الدنيا ولا تسع
ما واجه الشيب من عين وإن ومقتإلا لها نبوة عنه ومرتدع
- محمد بن خازم:
لا تكذبنّ فما الدنيا بأجمعهامن الشباب بيوم واحد بدل
كفاك بالشّيب ذنبا عند غايتهوبالشباب شفيعا أيّها الرجل
وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي:إذا المرء قاسى الدهر وابيضّ رأسه
وثلّم تثليم الإناء جوانبهفليس له في العيش خير وإن بكى
على العيش أو رجّى الذي هو كاذبه
- وقال أبو دلف العجلي:
في كلّ يوم أرى بيضاء قد طلعتكأنما نبتت في ناظر البصر
لئن قصصتك بالمقراض عن بصريلما قصصتك عن همّي ولا فكري
- وقال يحيى بن خالد بن برمك:
[الليل شيّب والنهار كلاهمارأسي بكثرة ما تدور رحاهما]
الشّيب إحدى الميتتين تقدّمتأولاهما وتأخّرت أخراهما
- أبو تمّام:
غدا الشّيب مختطّا بفوديّ خطةطريق الرّدى منها إلى النفس مهيع
هو الزّور يجفى والمعاشر يجتوىوذو الإلف يقلى والجديد يرقّع
له منظر في العين أبيض ناصعولكنه في القلب أسود أسفع
ونحن نرجّيه على الكره والرّضىوأنف الفتى من وجهه وهو أجدع
- وقال:
لو رأى الله أنّ في الشّيب فضلاجاورته الأبرار في الخلد شيبا
- وقال:
شاب رأسي وما رأيت مشيب الرراس إلا من فضل شيب الفؤاد
وكذاك القلوب في كلّ بؤسونعيم طلائع الأجساد
طال إنكاري البياض وإن عممرت شيئا أنكرت لون السّواد
- البحتري:
وكنت أرجّي في الشباب شفاعةفكيف لباغي حاجة بشفيعه
مشيب كبثّ السّرّ عيّ بحملهمحدّثه أو ضاق صدر مذيعه
تلا حق حتى كاد يأتي بطيئهبحثّ الليالي قبل أتي سريعه
- وقال:
جاوزت حدّ الشباب النّضر ملتفتاإلى بنات الصّبا يركضن في طلبي
والشيب مهرب من جارى منيّتهولا نجاء له من ذلك الهرب
والمرء لو كانت الشّعرى له وطناصبّت عليه صروف الدهر من كثب
- وقال:
خلّياه وجدّة اللهو ما دام رداء الشباب غضّا جديدا
إنّ أيامه من البيض بيضما رأين المفارق السّود سودا
- ابن الرومي:
لو يدوم الشباب مدّة عمريلم تدم لي بشاشة الأوطار
كلّ شيء له تناه وحدّكلّ شيء يجري إلى مقدار
- أبو العتاهية:
ألا يا موت لم أر منك بدّاأتيت فما تحيف ولا تحابي
كأنك قد هجمت على مشيبيكما هجم المشيب على شبابي
- دخل أبو الأسود الدؤلي على عبيد الله بن زياد وقد أسنّ، فقال له عبيد الله يهزأ به: يا أبا الأسود إنك لجميل فلو علّقت تميمة، فقال أبو الأسود:
أفنى الشباب الذي أفنيت جدّتهكرّ الجديدين من آت ومنطلق
لم يتركا لي في طول اختلافهماشيئا أخاف عليه لذعة الحدق
قيل لشيخ: ما صنع الدهر بك؟ فقال: فقدت المطعم وكان المنعم، وأجمت النساء وكنّ الشفاء، فنومي سبات، وسمعي خفات، وعقلي تارات.
- وسئل آخر فقال: ضعضع قناتي، وأوهن شهواتي، وجرأ عليّ عداتي.
- ابن الرومي:
كفى بسراج الشّيب في الرأس هادياإلى من أضلّته المنايا لياليا
أمن بعد إبداء المشيب مقاتليلرامي المنايا تحسبيني ناجيا
وكان كرامي الليل يرمي ولا يرىفلما أضاء الشّيب شخصي رمانيا
- عبد العزيز الطارقي المغربي:
سقى الله أيام الصّبا كلّ ريّقإذا جادها صوب البشاشة أرزما
فلا زال يرتاد الزّمان لرجعهارقيب متى غمّت عن اللحظ رجّما
فما هي إلا بهجة العيش قوّضتهناك وإلا نور عيني أظلما
- ضرار بن عمرو، وتروى للعتبي:
من عاش أخلقت الأيام جدّتهوخانه الثقتان السمع والبصر
قالت عهدتك مجنونا فقلت لهاإن الشباب جنون برؤه الكبر
- المخارق اليشكري:
وكنت أباهي الرائحين بلمّتيفأصبح باقي نبتها قد تقصّبا
فقد ذهبت إلا شكيرا كأنهعلى ناهض لم يبرح العشّ أزغبا
- أبو حيّة النميري:
ترحّل بالشباب الشّيب عنّافليت الشّيب كان به الرحيل
وقد كان الشباب لنا خليلافقد قضّى مآربه الخليل
لعمر أبي الشباب لقد تولّىحميدا ما يراد به بديل
إذ الأيام مقبلة عليناوظلّ أراكة الدنيا ظليل
- ابن الرومي:
أعر طرفك المرآة فانظر فإن نبابعينيك عنك الشّيب فالبيض أعذر
إذا شنئت وجه الفتى عين نفسهفعين سواه بالشناءة أجدر
- وقال العتبي:
رأين الغواني الشّيب لاح بمفرقيفأعرضن عني بالخدود النواضر
وكنّ إذا أبصرنني أو سمعن بيسعين فرقّعن الكوى بالمحاجر
فصرن إذا أبصرنني أو سمعننينهضن فرقّعن الكوى بالمعاجر
- الحماني:
لعمرك للمشيب أشدّ ممافقدت من الشباب أشدّ فوتا
تملّيت الشباب فصار شيباوأبليت المشيب فصار موتا
- أبو العتاهية:
عريت من الشباب وكان غضّاكما يعرى من الورق القضيب
فيا ليت الشباب يعود يومافأخبره بما فعل المشيب
- الحماني:
واها لمنزلة وطيببين الأجارع والكثيب
واها لأيام الشباب وعيشه الغضّ الرطيب
واها لأيام الشباب بعدن عن عهد قريب
أيام كنت من الغواني في السواد من القلوب
لو يستطعن خبأننيبين المخانق والجيوب
- مزرّد:
فلا مرحبا بالشّيب من وفد زائرمتى يأت لا تحجب عليه المداخل
وسقيا لريعان الشباب فإنهأخو ثقة في الدهر إذ أنا جاهل
- أبو نواس:
كان الشباب مطيّة الجهلومحسّن الضّحكات والهزل
كان الجميل إذا ارتديت بهومشيت أخطر صيّت النعل
كان الفصيح إذا نطقت بهوأصاخت الآذان للمملي
كان المشفّع في مآربهعند الفتاة ومدرك التّبل
والباعثي والناس قد رقدواحتى أبيت خليفة البعل
والآمري حتى إذا عزفتنفسي أعان يديّ بالبخل
فالآن صرت إلى مقاربةوحططت عن ظهر الصبا رحلي
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع