تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

الفصل الرابع أخبار المعمّرين

- زعموا أنّ الربيع بن ضبع الفزاري كان من المعمّرين، وأنه دخل على بعض خلفاء بني أمية فقال له: وأبيك يا ربيع لقد طلبك جدّ غير عاثر، ثم قال: فصّل لي عمرك، قال: عشت مائتي سنة في الفترة، فترة عيسى بن مريم، وعشرين ومائة سنة في الجاهلية، وستين في الإسلام، فقال: أخبرني عن الفتية من قريش المتواطئي الأسماء، قال: سل عن أيّهم شئت، قال: أخبرني عن عبد الله بن عباس، قال: فهم وعلم وعطاء جذم، ومقرىء ضخم، قال:

فأخبرني عن عبد الله بن عمر، قال: حلم وعلم وطول كظم وبعد عن الظلم، قال: فأخبرني عن عبد الله بن جعفر، قال: ريحانة طيّب ريحها، ليّن مسّها، قليل على المسلمين ضرّها، قال: فأخبرني عن عبد الله بن الزبير، قال: جبل وعر ينحدر منه الصخر، قال: لله درّك يا ربيع ما أخبرك بهم! قال: يا أمير المؤمنين قرب جواري وكثر استخباري.

أتي معاوية برجل من جرهم قد أتت عليه الدهور، فقال له:

أخبرني عمّا رأيت في سالف عمرك، قال: رأيت مثل ما رأيت، رأيت الدنيا ليلة في إثر ليلة، ويوما في إثر يوم، ورأيت الناس بين جامع مالا مفرّقا، ومفرّق مالا مجموعا، وبين قويّ يظلم، وضعيف يظلم، وصغير يكبر، وكبير يهرم، وحيّ يموت، وجنين يولد، وكلّهم بين مسرور بموجود، ومحزون بمفقود.

والعرب لا تعدّ معمّرا إلا من بلغ مائة وعشرين سنة فصاعدا.

- ومن المعمّرين المستوغر بن ربيعة، وهو عمر بن ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم بن مرّ، قيل إنه أدرك الإسلام أو كاد يدرك أوله، ونسبه إلى تميم، وبقاؤه إلى الإسلام أو قبله يدلّ على طول بقائه، قيل إنه عاش ثلاثمائة وعشرين سنة حتى قال:

ولقد سئمت من الحياة وطولهاوعمرت من عدد السنين مئينا
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة
مائة أتت من بعدها مائتان ليوازددت من عدد الشهور سنينا
هل ما بقي إلا كما قد فاتنايوم يكرّ وليلة تحدونا
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة

وإنما سمّي المستوغر لبيت قاله وهو:

ينشّ الماء في الرّبلات منهانشيش الرضف في اللبن الوغير
للشاعر المُستَوغِر، اقرأ القصيدة

الربلات: واحدها ربلة بفتح الباء وإسكانها، وهي لحمة غليظة، والرّضف: الحجارة المحماة، والوغير: لبن تلقى فيه حجارة محماة ثم يشرب، أخذ من وغيرة الظهيرة، وهي أشدّ ما يكون من الحرّ، ومنه وغر صدر فلان يغر وغرا إذا التهب من الغيظ من غضب أو حقد.

- ومنهم دويد بن زيد بن نهد بن زيد بن أسلم بن الحاف بن قضاعة: قال أبو حاتم: عاش دويد بن زيد أربعمائة سنة وستا وخمسين سنة.

وقال ابن دريد: لما حضرت دويد بن زيد الوفاة قال لبنيه: أوصيكم بالناس شرّا، لا ترحموا لهم عبرة، ولا تقيلوا لهم عثرة، قصّروا الأعنّة، وطوّلوا الأسنّة،

واطعنوا شزرا، واضربوا هبرا، وإذا أردتم المحاجزة فقبل المناجزة؛ والمرء يعجز لا المحالة، بالجدّ لا بالكدّ، التجلّد ولا التبلّد، المنيّة ولا الدنيّة، لا تأسوا على فائت وإن عزّ فقده، ولا تحنوا إلى ظاعن وإن ألف قربه، ولا تطمعوا، ولا تهنوا فتجزعوا، ولا يكون لكم المثل السوء، إن الموصّين بنو سهوان، إذا متّ فأرحبوا حطّ مضجعي ولا تصبوا عليّ برحب الأرض، وما ذاك بمؤدّ إليّ نفعا، ولكن حاجة نفس خامرها الإشفاق. ثم مات؛ وهو القائل عند موته:

اليوم يبنى لدويد بيتهيا ربّ نهب صالح حويته
وربّ قرن بطل أرديتهومعصم مخضّب ثنيته

لو كان للدهر بلى أبليته

ومن قوله أيضا:

ألقى عليّ الدهر رجلا ويداوالدهر ما أصلح يوما أفسدا
للشاعر دويد القضاعي، من قصيدة «ألقى علي الدهر رجلاً ويدا»

يفسد ما أصلحه اليوم غدا

قوله: الموصون بنو سهوان مثل، أي لا تكونوا كمن تقدم إليهم فسهوا وأعرضوا عن الوصيّة.

- ومن المعمّرين عبيد بن شرية، أتى عليه مائتان وعشرون سنة، سأله معاوية عمّن رأى من القرون، فقال: أدركت الناس يقولون: ذهب الناس.

- وممّن عمّر عديّ بن حاتم الطائي، ولما غلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة وقع بينهما، فهمّ عديّ بالخروج عليه، ثم عجز لكبر سنّه، وكان قد بلغ مائة وعشرين سنة وقال:

أصبحت لا أنفع الصديق ولاأملك ضرّا للشانىء الشّرس
للشاعر عدي بن حاتم الطائي، اقرأ القصيدة
وإن جرى بي الجواد منطلقالم تملك الكفّ رجعة الفرس
للشاعر عدي بن حاتم الطائي، اقرأ القصيدة

- وعمّر زهير بن أبي سلمى المزني مائة وثماني سنين فقال:

بدا لي أني عشت تسعين حجةخلعت بها عن منكبيّ ردائيا
بدا لي أني لست مدرك ما مضىولا سابقا شيئا إذا كان جائيا
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «ألا ليت شعري هل يرى الناس ما أرى»
وما إن أرى نفسي تقيها كريمتيوما إن تقي نفسي كريمة ماليا
للشاعر صرمة بن أبي أنس الخزرجي، اقرأ القصيدة

وروي أن أكثم بن صيفيّ طال عمره فقال:

وإن امرءا قد عاش تسعين حجةإلى مائة لم يسأم العيش جاهل
مضت مائتان غير ستّ وأربعوذلك من عدّ الليالي قلائل

- وقيل إن رجلا من جرهم وفد على معاوية بن أبي سفيان وقد أتت عليه مائتان وأربعون سنة، فقال له معاوية: ممّن الرجل؟ قال: من جرهم، قال: وهل بقي من جرهم باق؟! قال: بقيت ولو لم أبق لم ترني، فقال له معاوية: صف لي الدنيا وأوجز، قال: نعم سنيّات رخاء وسنيّات بلاء، يولد مولود ويهلك هالك، ولولا المولود لباد الخلق، ولولا الهالك لضاقت الأرض بأهلها، ثم أنشأ يقول:

وما الدهر إلّا صدر يوم وليلةويولد مولود ويفقد فاقد
وساع لرزق ليس يدرك رزقهومهدى إليه رزقه وهو قاعد

- ومنهم زهير بن جناب بن هبل بن عبد الله بن كنانة بن بكر بن عوف بن عذرة بن زيد بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان ابن عمران بن الحاف بن قضاعة بن مالك ابن عمرو بن زيد بن مرّة بن زيد بن مالك بن حمير.

قال أبو حاتم: عاش زهير بن جناب مائتي سنة وعشرين سنة، وأوقع مائتي وقعة، وكان سيدا مطاعا شريفا في قومه، ويقال: كان فيه عشر خصال لم تجتمع في غيره من أهل زمانه، كان سيد قومه وشريفهم وخطيبهم وشاعرهم وقائدهم إلى الملوك وطبيبهم، والطبّ في ذلك الزمان شرف، وحازي قومه: أي كاهنهم، وكان فارس قومه، وله البيت فيهم والعدد منهم. وأوصى بنيه فقال:

يا بني إني قد كبرت سنّي، وبلغت حرسا من دهري، فأحكمتني التجارب والأمور تجربة واختبارا، فاحفظوا عني ما أقول وعوا، وإياكم والخور عند المصائب، والتواكل عند النوائب، فإن ذلك داعية للغمّ وشماتة العدوّ وسوء الظنّ بالربّ. وإياكم أن تكونوا بالأحداث مغترّين، ولها آمنين، ومنها ساخرين، فإنه ما سخر قوم قط إلا ابتلوا، ولكن توقّعوها، فإنما الإنسان في الدنيا غرض تعاوره الرماة، فمقصّر دونه ومجاوز موضعه، وواقع عن يمينه وشماله، ثم لا بدّ أنه مصيبه.

وكان زهير بن جناب على عهد كليب وائل، ولم تجتمع قضاعة إلا عليه وعلى رزاح بن ربيعة. وسمع زهير بعض نسائه تتكلّم بما لا ينبغي أن تتكلّم به امرأة عند زوجها فنهاها، فقالت: اسكت عنّي وإلّا ضربتك بهذا العمود، فو الله ما كنت أراك تسمع شيئا وتعقله فقال:

ألا يا لقومي لا أرى النجم طالعاولا الشمس إلا حاجتي بيميني
معزبتي عند القفا بعمودهايكون نكيري أن أقول ذريني
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
أمين على سرّ النساء وربماأكون على الأسرار غير أمين
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
فللموت خير من حداج موطّإمع الظّعن لا يأتي المحلّ لحين

وهو القائل:

أبنيّ إن أهلك فقدأورثتكم مجدا بنيّه
وتركتكم أبناء سادات زنادكم وريّه
من كلّ ما نال الفتىقد نلته إلا التحيه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة
فالموت خير للفتىفليهلكن وبه بقيّه
من أن يرى الشيخ البجال وقد تهادى بالعشيه
للشاعر زهير بن جَناب الكلبي، اقرأ القصيدة

وقال، وقد مضت له مائتا سنة من عمره:

ولقد عمّرت حتّى ما أباليأحتفي في صباحي أم مسائي
وحقّ لمن أتت مائتان عاماعليه أن يملّ من الثّواء

- ومن المعمّرين ذو الإصبع العدواني، واسمه حرثان بن محرّث بن الحارث بن ربيعة بن وهب بن ثعلبة بن ظرب بن عمرو بن عتّاب بن يشكر بن عدوان، وهو الحارث بن عمرو بن قيس بن عيلان بن مضر، وإنما سمي الحارث عدوان: لأنه عدا على أخيه فهمّ بقتله، وقيل بل فقأ عينيه، وقيل إن اسم ذي الإصبع حرثان بن حويرث، وقيل: ابن حرثان بن حارثة، ويكنّى: أبا عدوان، وسبب لقبه بذي الإصبع: أن حيّة نهسته على إصبعه فشلّت فسمّي بذلك، ويقال: إنه عاش مائة وتسعين سنة.

وقال أبو حاتم: عاش ثلاثمائة سنة. وهو أحد حكام العرب في الجاهلية، وروي أنه كان أثرم، وروي عنه:

لا يبعدن عصر الشباب ولالذّاته ونباته النضر
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
لولا أولئك ما حفلت متىعوليت في حرجي إلى قبري
هزئت أثيلة أن رأت هرميوأن انحنى لتقادم ظهري

وخبر بناته اللواتي زوّجهنّ مشهور يرد في موضعه. وهو القائل:

إذا ما الدهر جرّ على أناسكلاكله أناخ بآخرينا
للشاعر ذو الإصبع العدواني، اقرأ القصيدة
فقل للشامتين بنا أفيقواسيلقى الشامتون كما لقينا
للشاعر أبو الفيض الكتاني، من قصيدة «فقل للشامتين بنا أفيقوا»

- ومن المعمّرين معدي كرب من آل ذي رعين، وهو القائل وقد طال عمره:

أراني كلّما أفنيت يوماأتاني بعده يوم جديد
للشاعر مَعدي كَرِب الحِميَري، اقرأ القصيدة
يعود ضياؤه في كلّ فجرويأبى من شبابي لا يعود

- ومن المعمّرين أبو الطمحان القيني، واسمه حنظلة بن الشرقي من بني كنانة بن القين.

قال أبو حاتم: عاش أبو الطمحان القيني مائتي سنة، وقال في ذلك:

حنتني حانيات الدهر حتىكأني خاتل يدنو لصيد
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة
قصير الخطو يحسب من رآنيولست مقيّدا أمشي بقيد
للشاعر أبو الطَمحان القَيني، اقرأ القصيدة

- ومن المعمّرين عبد المسيح بن بقيلة الغسّاني، وبقيلة اسمه ثعلبة، وقيل: الحارث، وإنما سمّي بقيلة لأنه خرج على قومه في بردين أخضرين، فقالوا له: ما أنت إلا بقيلة فسمّي بذلك. وذكر ابن الكلبي وأبو مخنف وغيرهما أنه عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وأدرك الإسلام ولم يسلم وكان نصرانيّا.

وروي أن خالد بن الوليد لما نزل الحيرة وتحصّن أهلها منه، أرسل إليهم: ابعثوا لي رجلا من عقلائكم وذوي أسنانكم، فبعثوا إليه عبد المسيح بن بقيلة، فأقبل يمشي حتى دنا من خالد، فقال: أنعم صباحا أيها الشيخ، قال: قد أغنانا الله عن تحيتك هذه، فمن أين أقصى أثرك أيها الشيخ؟ قال: من ظهر أبي، قال:

فمن أين خرجت؟ قال: من بطن أمي، قال: فعلام أنت؟ قال: على الأرض، قال: ففيم أنت؟ قال: في ثيابي، قال: أتعقل لا عقلت؟ قال: أي والله وأقيّد، قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن رجل واحد، قال خالد: ما رأيت كاليوم قط، إني أسأله عن الشيء وينحو بي في غيره، قال: ما أنبأتك إلا عمّا سألت، فسل ما بدا لك، قال: أعرب أنتم أم نبط؟ قال: عرب استنبطنا، ونبط استعربنا، قال:

فحرب أنتم أم سلم؟ قال: بل سلم، قال: فما هذه الحصون؟ قال: بنيناها لسفيه نحذر منه حتى يجيء الحليم ينهاه، قال: كم أتى لك؟ قال: خمسون وثلاثمائة سنة، قال: فما أدركت؟ قال: أدركت سفن البحر ترقى إلينا في هذا الجرف، ورأيت المرأة من أهل الحيرة مكتلها على رأسها، لا تزوّد إلا رغيفا واحدا حتى ترد الشام، ثم قد أصبحت اليوم خرابا، وذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد. قال: وبيده سم ساعة يقلبه في كفه، فقال له خالد: ما هذا في كفك؟ قال: السمّ، قال: وما تصنع به؟ قال: إن كان عندك ما يوافق قومي وأهل بلدي حمدت الله تعالى وقبلته، وإن كانت الأخرى لم أكن أوّل من ساق إليهم ذلّا، أشربه وأستريح من الحياة، فإن ما بقي من عمري ليسير، قال خالد:

هاته، فأخذه وقال: بسم الله وبالله ربّ الأرض والسماء الذي لا يضرّ مع اسمه شيء ثم أكله، فتجللّته غشية ثم ضرب بذقنه في صدره طويلا، ثم عرق وأفاق فكأنما نشط من عقال، فرجع ابن بقيلة إلى قومه فقال: جئتكم من عند شيطان أكل سمّ ساعة فلم يضرّه، صانعوا القوم وأخرجوهم عنكم، فإن هذا أمر مصنوع لهم، فصالحوهم على مائة ألف درهم.

وقال عبد المسيح: لما بنى بالحيرة قصره المعروف بقصر بني بقيلة:

لقد بنّيت للحدثان حصنالو انّ المرء تنفعه الحصون
طويل الرأس أقعس مشمخرّالأنواع الرياح به حنين

وذكر أن بعض مشايخ أهل الحيرة خرج إلى ظهرها فخطّ ديرا، فلما حفر موضع الأساس وأمعن في الاحتفار، أصاب كهيئة البيت، فدخله فإذا رجل على سرير من زجاج، وعند رأسه كتابة: أنا عبد المسيح بن بقيلة:

حلبت الدهر أشطره حياتيونلت من المنى بلغ المزيد
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وكافحت الأمور وكافحتنيولم أحفل بمعضلة كؤود
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة
وكدت أنال في الشرف الثريّاولكن لا سبيل إلى الخلود
للشاعر عبد المسيح بن بقيلة الغساني، اقرأ القصيدة

- ومن المعمّرين: النابغة الجعدي، واسمه قيس بن عبد الله بن ربيعة ابن جعدة بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، ويكنى: أبا ليلى.

وروى أبو حاتم السجستاني قال: كان النابغة الجعدي أسنّ من النابغة

الذبياني، والدليل على ذلك قوله:

تذكرت والذكرى تهيج على الهوىومن حاجة المحزون أن يتذكّرا
نداماي عند المنذر بن محرّقأرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»
كهول وشبّان كأنّ وجوههمدنانير مما شيف في أرض قيصرا

فهذا يدلّ على أنه كان مع المنذر بن محرق، والنابغة الذبياني كان مع النعمان بن المنذر بن محرق، ويقال: إنّ النابغة غبر ثلاثين سنة لا يتكلم، ثم تكلّم بالشعر، ومات وهو ابن مائة وعشرين سنة.

وروي عن هشام بن محمد الكلبي: أنه عاش مائة وثمانين سنة، وروى ابن دريد عن أبي حاتم أنه عاش مائتي سنة، ووفد النابغة على عبد الله بن الزبير في خلافته، وروي أنه مات بأصبهان، وبها كان ديوانه، ومن شعره:

ومن يك سائلا عنّي فإنيمن الفتيان أيام الخنان

أيام الخنان: كانت للعرب قديمة، هاج بها فيهم مرض من أنوفهم وحلوقهم. وقال محمد بن حبيب: بل هي وقعة كانت لهم، قال قائل منهم وقد لقوا عدوهم خنّوهم بالرماح:

مضت مائة لعام ولدت فيهوعشر بعد ذاك وحجتان
فأبقى الدهر والأيام منيكما أبقى من السيف اليماني
يفلّل وهو مأثور جرازإذا جمعت بقائمه اليدان

قيل: وعمّر بعد ذلك طويلا، ومن ذلك قوله:

المرء يأمل أن يعيش وطول عيش قد يضرّه
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «المرء يأمل أن يعيش»
تفنى بشاشته ويبقى بعد حلو العيش مرّه
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «المرء يأمل أن يعيش»
وتسوءه الأيام حتتى لا يرى شيئا يسرّه
للشاعر الحارث بن حبيب الباهلي، اقرأ القصيدة
كم شامت بي إن هلكت وقائل لله درّه
للشاعر لبيد بن ربيعة، من قصيدة «المرء يدعو للسلام»

وتمثّل المنصور بهذه الأبيات عند موته. ومن شعره في المعنى:

لبست أناسا فأفنيتهموأفنيت بعد أناس أناسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»
ثلاثة أهلين أفنيتهموكان الإله هو المستآسا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لبست أناسا فأفنيتهم»

ويروى أن النابغة كان يفتخر ويقول: أتيت النبي ﷺ وأنشدته:

بلغنا السماء مجدنا وجدودناوإنّا لنبغي فوق ذلك مظهرا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «خليلي غضا ساعة وتهجرا»

فقال ﵇: أين المظهر يا أبا ليلى؟ فقلت: الجنة يا رسول الله، فقال ﵇: أجل إن شاء الله. وأنشده القصيدة، فقال ﷺ: لا يفضض الله فاك، وفي رواية أخرى: لا يفضض فوك، فيقال: إنه لم يسقط من فمه سنّ ولا ضرس.

ومن شعره في كبره:

شيخ كبير قد تخدّد لحمهأفنى ثلاث عمائم ألوانا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «شيخ كبير قد تخدد لحمه»
سوداء داجية وسحق مفوّفودروس مخلقة تلوح هجانا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «شيخ كبير قد تخدد لحمه»
ثم المنية بعد ذلك كلّهوكأنما يعنى بذاك سوانا
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «شيخ كبير قد تخدد لحمه»

- ويزعمون أن أماناة بن قيس بن الحارث بن شيبان بن العاتك ابن معاوية الكندي عاش ثلاثمائة وعشرين، وفي ذلك يقول المثلم النخعي:

ألا ليتني عمّرت يا أمّ خالدكعمر أماناة بن قيس بن شيبان
لقد عاش حتى قيل ليس بميّتوأفنى فئاما من كهول وشبّان
فحلّت به من بعد حرس وحقبةدويهية حلّت بنصر بن دهمان

- ومنهم عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي، قال عبد العزيز بن عمران: خرج أبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي قبل الإسلام في نفر من قريش يريدون اليمن، فأصابهم عطش شديد ببعض الطريق، فأمسوا على الطريق، فساروا جميعا فقال لهم أبو سلمة: إني أرى ناقتي تنازعني شقّا، أفلا أرسلها وأتبعها؟ قالوا: فافعل، فأرسل ناقته وتبعها فأصبحوا على ماء وحاضر، فأسقوا وسقوا، فإنهم لعلى ذلك إذا أقبل رجل فقال: من القوم؟ فقالوا: من قريش، فرجع إلى شجرة أمام القوم فتكلم عندها بشيء ورجع فقال: لينطلق أحدكم معي إلى رجل يدعوه، قال أبو سلمة: فانطلقت معه، فوقف بي تحت شجرة، فإذا وكر مغلق، فصوّت يا أبه، فزعزع شيخ رأسه فأجابه، فقال: هذا الرجل، فقال لي: ممّن الرجل؟ قلت: من قريش، قال: من أيها؟ قلت: من بني مخزوم بن يقظة، قال: من أيها؟ قلت: أنا أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة، قال: ايهات أنا ويقظة بسنّ واحد، أتدري من يقول؟

كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفاأنيس ولم يسمر بمكة سامر
للشاعر الحارث بن مضاض الجرهمي الأصغر، اقرأ القصيدة
بلى نحن كنّا أهلها فأبادناصروف الليالي والجدود العواثر
للشاعر عبد الملك الحارثي، اقرأ القصيدة

قلت: لا، قال: أنا قائلها، أنا عمرو بن الحارث بن مضاض الجرهمي،

أتدري لم سمّي أجيادا؟ قلت: لا، قال: جادت بالدماء يوم التقينا نحن وقطورا، أتدري لم سمّي فعيقعان؟ قلت: لا، قال: لتقعقع السلاح على ظهورنا لما طلعنا عليهم منه.

- دخل سليمان بن عبد الملك مسجد دمشق فرأى شيخا يزحف فقال: يا شيخ أيسرك أن تموت؟ قال: لا، قال: ولم، وقد بلغت من السنّ ما أرى؟ قال: ذهب الشباب وشرّه، وبقي الكبر وخيره، إذا أنا قعدت ذكرت الله، وإذا قمت حمدت الله، فأحبّ أن تدوم [لي] هاتان الخصلتان.

- وقد جاءت الأخبار عن القرن الأول دالّة على طول العمر المضاعف على أعمار هذا العصر، فمن الحجة فيها عمر نوح ﵇ في قومه الذي لا خلاف فيه، دلّ عليه كتاب الله تعالى والتوراة وسائر الكتب.

وقال وهب: إن أصغر من مات من ولد آدم ﵇ ابن مائتي سنة فبكته الإنس والجنّ لحداثة سنّه.

وقال عبد الله: كان الرجل ممن كان قبلكم لا يحتلم حتى تأتي عليه ثمانون سنة.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.