من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الثالث في الشوق والنزاع
- قال ابن ميّادة، وهو الرمّاح بن أبرد:
ألا ليت شعري هل أبيتنّ ليلةبحرّة ليلى حيث ربّبني أهلي
بلاد بها نيطت عليّ تمائميوقطّعن عني حيث أدركني عقلي
وروي أنّ عبد السلام ابن القتّال الكلابيّ أنشد ابن ميّادة البيت الثاني فأغار عليه وأدخله شعره. يقال: ربّيته ورببته، ومنه قول الأحوص:
وفي بيته مثل الغزال المربّب
- وقال آخر:
لعمرك إني يوم بانوا ولم أمتخفاتا على آثارهم لصبور
أهذا ولّما تمض للبين ليلةفكيف إذا مرّت عليك شهور
- وقال آخر:
يقرّ بعيني أن أرى من بلادهاذرى عقدات الأجرع المتقاود
وأن أرد الماء الذي وردت بهسليمى وقد ملّ السّرى كلّ واحد
وألصق أحشائي ببرد ترابهولو كان ممزوجا بسمّ الأساود
- وقال جميل:
وما صاديات حمن يوما وليلةعلى الماء يغشين العصيّ حواني
لوابث لا يصدرن عنه لوجهةولا هنّ من برد الحياض دواني
يرين حباب الماء والموت دونهفهنّ لأصوات السقاة رواني
بأوجع مني جهد شوق وغلّةإليك ولكنّ العدوّ عداني
- وقال أبو الطيب المتنبي:
وما شرقي بالماء إلا تذكّرالماء به أهل الحبيب نزول
يحرّمه لمع الأسنّة فوقهفليس لظمآن إليه سبيل
- وقال آخر:
رعاك ضمان الله يا أمّ مالكولله عن يشقيك أغنى وأوسع
يذكرنيك الخير والشرّ والذيأخاف وأرجو والذي أتوقّع
- وقال عبد الله بن نمير بن حسوسة الثقفي:
تعزّ بصبر لا وجدّك لن ترىعراض الحمى إحدى الليالي الغوابر
كأنّ فؤادي من تذكّره الحمىوأهل الحمى يهفو به ريش طائر
- وقال آخر، وجدتها في ديوان إبراهيم بن العباس:
باتت تشوّقني برجع حنينهاوأبيت أسعدها برجع حنيني
إلفان مغتربان بين مهامهطويا الضلوع على هوى مكنون
- وقال آخر:
ولو وقفت ليلى بقبري وقد عفتمعالمه واستفتحت بسلام
لحنّت إليها بالتحيّة رمّتيورنّت بترجيع السلام عظامي
- وقال آخر:
لا تعذلينا في الزيارة إننيوإياك كالظمآن والماء بارد
تراه قريبا دانيا غير أنّهتحول المنايا دونه والرواصد
وقال عون الكندي الكاتب:
سقى الله أيّاما لنا ولياليامضين فما يرجى لهنّ رجوع
إذ العيش صاف والأحبّة جيرةوإذ كلّ أيام الزمان ربيع
وإذ أنا أمّا للعواذل في الصبافعاص وأمّا للهوى فمطيع
- وقال عمرو بن قميئة:
لله عيشتنا بجوّ سويقةوالعيش غضّ والزمان غرير
طابت فقصّر طيبها أيامهافكأنما فيها السنون شهور
- وقال يحيى بن طالب الحنفي:
إذا ارتحلت نحو اليمامة رفقةدعاني الهوى وارتاح قلبي إلى الذكر
كأنّ فؤادي كلّما مرّ راكبجناح عقاب رام نهضا إلى الوكر
أحقّا عباد الله أن لست ناظراإلى قرقرى يوما وأعلامها الغبر
يقولون إنّ الهجر يشفي من الجوىولا ازددت إلّا ضعف ما بي من الهجر
تنحّيت عنها كارها وتركتهاوهجرانها عندي أمرّ من الصبر
- وقال قيس بن ذريح:
لقد خفت ألّا تقنع النفس بعدهابشيء من الدنيا وإن كان مقنعا
وأعذل فيها النفس إذ حيل دونهاوتأبى إليها النفس إلّا تطلعا
- وقال أيضا، ويروى لمزاحم:
إلى الله أشكو فقد ليلى كما اشتكىإلى الله فقد الوالدين يتيم
بكت دارهم من نأيهم وتهلّلتدموعي فأيّ الجازعين ألوم
أمستعبر يبكي من الشوق والبلىأم آخر يبكي شجوه ويهيم
- وقال الصمة بن عبد الله القشيري:
ألا قاتل الله اللّوى من محلةوقاتل دنيانا بها كيف ولّت
غنينا زمانا باللّوى كيف أصبحتعراض اللّوى من أهلها قد تخلّت
وأول الأبيات وهي من هذا النوع:
ألا من لعين ما ترى قلل الحمىولا أبرق الظمآن إلّا استهلّت
لجوج إذا لجّت بكيّ إذا بكتبكت فأدقّت في البكا وأجلّت
أبو بكر الوراق التميمي المغربي:
تعبي راحتي وأنسي انفراديوشفائي الضنّا ونومي سهادي
لست أشكو فعال من صدّ عنيأيّ بعد وقد ثوى في فؤادي
هو يختال بين قلبي وعينيوهو ذاك الذي يرى في السواد
أنشد الجاحظ:
عسى أن تحلّ الحيّ جرعاء وابلوعلّ النوى بالظاعنين تريع
أفي كلّ عام زفرة مستجدّةتضمّنها منّي حشا وضلوع
- وقال جميل:
أشوقا ولمّا يمض لي غير ليلةرويد الهوى حتى يغبّ لياليا
لحى الله أقواما يقولون إنناوجدنا بعيد النأي للحبّ شافيا
ومثله:
أشوقا ولمّا تمض لي غير ليلةفكيف إذا جدّ المسير بنا عشرا
- ومثله لكثير:
لعمرك إنّ الجزع أمسى ترابهمن الطيب كافورا وعيدانه رندا
وما ذاك إلا أن مشت في عراصهعزيزة في سرب وجرّت به بردا
وأصبح ماء الشعب خمرا وأصبحتجلاميده مسكا وأوراقه وردا
وظلّت ظبا البيداء ترعى خمائلاسقتها رياح الجوّ من سحبها شهدا
- وقال آخر:
فإن ترجع الأيّام بيني وبينهابذي الأثل صيفا مثل صيفي ومربعي
أشدّ بأعناق النوى بعد هذهمرائر إن جاذبتها لم تقطّع
- وقال الصمة القشيري، ويروى لغيره:
وأذكر أيّام الحمى ثم أنثنيعلى كبدي من خشية أن تقطّعا
فليست عشيّات الحمى برواجععليك ولكن خلّ عينيك تدمعا
- وقال آخر:
سقى بلدا أمست سليمى تحلّهمن المزن ما تروى به وتسيم
وإن لم أكن من ساكنيه فإنهيحلّ به شخص عليّ كريم
ألا حبّذا من ليس يعدل قربهلديّ وإن شطّ المزار نعيم
ومن لا مني فيه حبيب وصاحبفردّ بغيظ صاحب وحميم
- وقال ابن نباتة:
يا حبذا أرض نجد كيف ما سمحتبها الخطوب على يسر وإعسار
وحبّذا دمث من أرضها عبقهبّت عليه رياح غبّ أمطار
أحبّها وبلاد الله واسعةحبّ البخيل غناه بعد إقتار
ما كنت أول من حنّت ركائبهشوقا وفارق إلفا غير مختار
- وقال أبو القمقام الأسدي:
اقرأ على الوشل السلام وقل لهكلّ المشارب مذ هجرت ذميم
سقيا لظلّك بالعشيّ وبالضّحىولبرد مائك والمياه حميم
لو كنت أملك برد مائك لم يذقما في قلاتك ما حييت لئيم
وقال ابن الحجاج:
يا ليلتي هل لك أن ترجعيحتى أرى فيك حبيبي معي
ماذا على الصبح الذي راعنيلو أنه أبطا ولم يسرع
اذانه شتّت شمل الهوىليت أذان الصبح لم يسمع
- وقال رجل من بني كلاب:
نحنّ إلى الرّمل اليماني صبابةوهذا لعمري إن رضيت كثيب
فأين الأراك الدّوح والسّدر والغضاومستخبر عمّن نحبّ قريب
هناك تغنّينا الحمام ونجتنيجنى اللهو يحلولي لنا ويطيب
- وقال خارجة بن فليح:
أحنّ إلى ليلى وقد شطّ وليهاكما حنّ محبوس عن الإلف نازع
إذا خوّفتني النفس بالنأي تارةوبالصّرم منها كذّبتها المطامع
أكلّ هواك الطّرف عن كلّ بهجةوصمّت عن الداعي إليك المسامع
- وقال ذو الرمّة:
ومن حاجتي لولا التنائي وربّمامنحت الهوى من ليس بالمتقارب
عطابيل بيض من ربيعة عامررقاق الثنايا مشرفات الحقائب
- وقال أيضا:
تعتادني زفرات حين أذكرهاتكاد تنقضّ منهنّ الحيازيم
هام الفؤاد لذكراها وخامرهمنها على عدواء الدار تسقيم
فما أقول ارعوى إلا تهيّضهحظ له من خبال الشوق مقسوم
- وله أيضا:
أدارا بحزوى هجت للعين عبرةفماء الهوى يرفضّ أو يترقرق
وقفنا فسلّمنا فكاد بمشرفلعرفان صوتي دمنة الدار تنطق
تجيش إليّ النفس في كلّ منزللميّ ويرتاح الفؤاد المشوّق
- وله أيضا:
إذا ذكّرتك النفس ميّا فقل لهاأفيقي فأيهات الهوى من مزارك
وما ذكرك الشيء الذي ليس راجعابه الوجد إلا خفقة من ضلالك
أما والذي حجّ الملبّون بيتهشلالا ومولى كلّ باق وهالك
لئن قطع اليأس الحنين فإنهرقوء لتذراف الدموع السوافك
لقد كنت أهوى الأرض ما يستفزّنيلها الشوق إلا أنّها من ديارك
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع