من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الثاني في الإعراض والصدّ
- قال البحتري:
علمتك إن منّيت منّيت موعداجهاما وإن أبرقت أبرقت خلّبا
فواأسفا حتّام أسأل مانعاوآمن خوانا وأعتب مذنبا
- وقال أيضا:
أين الغزال المستعير من النّقاكفلا ومن نور الأقاحي مبسما
تظما مراشفنا إليه وريّهافي ذلك اللّعس الممنّع واللّمى
متعتّب في غير ما متعتّبإن لم يجد جرما لديّ تجرّما
ألف الصدود فلو يمرّ خيالهبالصبّ في سنة الكرى ما سلّما
- وقال عروة بن أذينة:
إنّ التي زعمت فؤادك ملّهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
بيضاء باكرها النعيم فصاغهابلباقة فأدقّها وأجلّها
حجبت تحيّتها فقلت لصاحبيما كان أكثرها لنا وأقلّها
وإذا وجدت لها وساوس سلوةشفع الضمير إلى الفؤاد فسلّها
- وقال البحتري:
تصرّم الدهر لا وصل فيطمعنيفيما لديك ولا يأس فيسليني
ولست أعجب من عصيان قلبك لييوما إذا كان قلبي فيك يعصيني
- وقال آخر:
إذا كان هذا منك حقّا فإننيمداوي الذي بيني وبينك بالهجر
ومنصرف عنك انصراف ابن حرّةطوى ودّه والطيّ أبقى من النشر
- وقال عبد الله بن الدّمينة:
ولما بدا لي منك ميل مع العدىعليّ ولم يحدث سواك بديل
صددت كما صدّ الرميّ تطاولتبه مدة الأيّام وهو قتيل
وعزيت نفسا عن نوار كريمةعليّ بها من لوعة وغليل
- وقال أيضا:
وإذا غضبت عليّ بتّ كأننيبالليل مستحر الفؤاد كليم
ولقد أردت الصبر عنك فعاقنيعلق بقلبي من هواك قديم
يبقى على حدث الزمان وريبهوعلى جفائك إنّه لكريم
واريته زمنا فعاد بحلمهإنّ المحبّ عن الحبيب حليم
وعتبت حين صحوت وهو بدائهشتّى العتاب مصحّح وسقيم
- وقال النظار الفقعسي:
يقولون هذي أمّ عمرو قريبةدنت بك أرض نحوها وسماء
ألا إنّما قرب الحبيب وبعدهإذا هو لم يوصل إليه سواء
- وقال ابن نباتة:
ملالك علّمني في هواك أن أتمنّى النّوى والصدودا
وكيف السبيل إلى رقدةأذكّر طيفك فيها العهودا
- وأغرب ابن الروميّ فحمد الإعراض فقال:
ما ساءني إعراضهعنّي ولكن سرّني
سالفتاه عوضعن كلّ شيء حسن
عوّضني من حسنهحسنا فماذا ضرّني
ما قلت أن قد عقّنيبالصدّ إلا برّني
- وقال قيس بن ذريح:
وقد أيقنت نفسي ببينك برهةمن الدهر لو يأتي بيأس يقينها
صلي الحبل يحمل ما سواه فإنهيعفّي على غثّ الأمور سمينها
- وقال إسماعيل بن يسار:
لو تبذلين لنا دلالك مرّةلم نبغ منك سوى دلالك محرما
ما ضرّ أهلك لو تطوّف عاشقبفناء بيتك أو ألمّ مسلّما
- وقال أبو الطيب المتنبي:
وما صبابة مشتاق على أملمن اللقاء كمشتاق بلا أمل
والهجر أقتل لي مما أفارقهأنا الغريق فما خوفي من البلل
وقال ابن الحجاج:
يا مولعا بالهجر مهلا فقدعلّمتني الصبر على الهجر
وقد تسببت لقلبي إلىسلوّه من حيث لا تدري
صبرا وتسليما وهل لي إذاجنت سوى التسليم والصبر
كم تتجنّى والتجنّي إذافكّرت فيه أوّل الغدر
- عتب المأمون على عريب وهجرها أياما، ثم اعتلّت فعادها فقال:
كيف وجدت طعم الهجر؟ فقالت: يا أمير المؤمنين لولا مرارة الهجر ما عرفت حلاوة الوصل، ومن ذمّ بدء الغضب حمد عاقبة الرضى؛ فخرج المأمون إلى جلسائه فحدثهم بالقصة وقال: أترى لو كان من كلام النّظام لم يكن كثيرا؟.
- وكلّمها دفعة بكلام أغضبها فهجرته، فدخل أحمد بن أبي دواد فقال: يا أحمد اقض بيننا، فقالت عريب: لا حاجة لي في قضائه ودخوله بيننا، ثم أنشأت تقول:
ونخلط الهجر بالوصال ولايدخل في الصلح بيننا أحد
- وقال ابن مقبل:
فأصبحن لا يسقيننا من مودّةبلالا ولو سالت بهنّ الأباطح
إذا الناس قالوا كيف أنت وقد بداضمير الهوى بي قلت للناس صالح
أري الناس أني لا أحبّ وأننيسلوت وفي قلبي كلوم جوارح
- وقال عتيق بن مفرج المغربي:
خمصانة ملء الإزار إذا مشتتمشي الهوينا خطوها مقصور
قالت وقد نظرت إليّ بمقلةهاروت من أجفانها مسحور
عرّضت نفسي في الهوى وتلومهاإنّ المحبّ على الهوى لجسور
ما أنت أوّل مغرم هجر الكرىلما تيقّن أنه مهجور
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع