من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع الأول شدة الغرام والوجد
- قال جرير:
لا يستطيع أخو الصبابة أن يرىحجرا أصمّ ولا يكون حديدا
الله يعلم لو أردت زيادةفي الحبّ عندي ما وجدت مزيدا
- وقال أيضا:
أسرى بخالدة الخيال ولا أرىشيئا أحبّ من الخيال الطارق
إنّ البليّة من تملّ حديثهفانشح فؤادك من حديث الوامق
أهواك فوق هوى النفوس ولم يزلما بنت قلبي كالجناح الخافق
- وقال الصمة بن عبد الله القشيري:
لعمري لئن كنتم على النأي والقلىبكم مثل ما بي إنكم لصديق
إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشارددن ولم ينهج لهنّ طريق
- وقال بعض بني طيء:
هويتك حتى كاد يقتلني الهوىوزرتك حتى ملّني كلّ صاحب
وحتى رأى مني أدانيك لينةلديهم ولولا أنت ما لان جانبي
ألا حبّذا لو ما الحياء وربمامنحت الهوى من ليس بالمتقارب
بأهلي ظباء من ربيعة عامرعذاب الثنايا مشرفات الذوائب
- وقال المتنبي:
وما هي إلا نظرة بعد نظرةإذا نزلت في قلبه رحل العقل
جرى حبّها مجرى دمي في مفاصليفأصبح لي عن كلّ شغل بها شغل
كأن رقيبا منك سدّ مسامعيعن العذل حتى ليس يدخلها العذل
- وقال البحتري:
رأى البرق مجتازا فبات بلا لبّوأصباه من ذكر البخيلة ما يصبي
وقد عاج في أطلالها غير ممسكلدمع ولا مصغ إلى عذل الركب
وكنت جديرا يوم أعرف منزلالآل سليمى أن يعنّفني صحبي
وبي ظمأ لا يملك الماء دفعهإلى نهلة من ريقها الخصر العذب
تزوّدت منها نظرة لم تجد بهاوقد يؤخذ العلق الممنّع بالغصب
وما كان حظّ العين من ذاك مذهبيولكن رأيت العين بابا إلى القلب
- وقال أيضا:
شوق إليك تفيض منه الأدمعوجوى عليك تضيق عنه الأضلع
وهوى تجدّده الليالي كلماقدمت وترجعه السّنون فيرجع
يقتادني طربي إليك فيغتليوجدي ويدعوني هواك فأتبع
كلفا بحبّك مولعا ويسرّنيأنّي امرؤ كلف بحبّك مولع
- وقال أيضا:
قضى الله أني منك ضامن لوعةتقضّى الليالي وهي ثاو مقيمها
أميل بقلبي عنك ثم أردّهوأعذر نفسي فيك ثم ألومها
- وقال جميل:
أظنّ هواها تاركي بمضلّةمن الأرض لا مال لديّ ولا أهل
محاحبّها حبّ الأولى كان قبلهاوحلّت مكانا لم يكن حلّ من قبل
- وقال كثير:
أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثّل لي ليلى بكلّ سبيل
وقالوا نأت فاختر من الصبر والبكافقلت البكا أشفى إذن لغليلي
- وقال ذو الرمّة:
إذا ذكرت عندي أئنّ لذكرهاكما أنّ من حرّ السلاح جريح
ولي كبد مقروحة من يبيعنيبها كبدا ليست بذات قروح
أبى الناس ويب الناس لا يشترونهاومن يشتري ذا علّة بصحيح
- وقال أيضا:
وجدت بها وجد المضلّ بعيرهبمكّة والحجاج غاد ورائح
وجدت بها ما لم تجد أمّ واحدبواحدها تطوى عليه الصفائح
وجدت بها ما لم يجد ذو حرارةيراقب جمّات الركيّ البرائح
- وقال أيضا:
إذا غيّر النأي المحبّين لم أجدرسيس الهوى من ذكر ميّة يبرح
فلا القرب يدني من هواها ملالةولا حبّها إن تبرح الدار يبرح
تصرّف أهواء القلوب ولا أرىنصيبك من قلبي لغيرك يمنح
إذا خطرت من ذكر ميّة خطرةعلى القلب كادت في فؤادك تجرح
أناة يطيب البيت من طيب نشرهابعيد الكرى زين له حين يصبح
لئن كانت الدنيا عليّ كما أرىتباريح من ذكراك للموت أروح
ويروى: من ميّ فللموت أروح
- وقال أعرابي:
أيا منشر الموتى أعنّي على التيبها نهلت نفسي سقاما وعلّت
لقد بخلت حتى لو اني سألتهاقذى العين من سافي التراب لضنّت
ألا قاتل الله الحمامة غدوةعلى الغصن ماذا هيّجت حين غنّت
تغنّت بصوت أعجميّ فهيّجتهواي الذي كانت ضلوعي أجنّت
فلو قطرت عين امرىء من صبابةدما قطرت عيني دما وألّمت
إذا قلت هذي زفرة اليوم قد مضتفمن لي بأخرى في غد قد أطلّت
حلفت لها بالله ما أمّ واحدإذا ذكرته آخر الليل أنّت
وما وجد أعرابيّة قذفت بهاصروف النّوى من حيث لم تك ظنّت
إذا ذكرت ماء العضاه وطيبهوبرد حصاه آخر الليل حنّت
بأكثر منّي لوعة غير أننيأجمجم أحشائي على ما أجنّت
- وقال عروة بن حزام:
وإني لتعروني لذكراك فترةلها بين جلدي والعظام دبيب
وما هو إلا أن أراها فجاءةفأبهت حتى ما أكاد أجيب
عشية لا عفراء منك بعيدةفتسلو ولا عفراء منك قريب
لئن كان برد الماء حرّان صادياإليّ حبيبا إنها لحبيب
- وقال عمرو بن ضبيعة:
تضيق جفون العين عن عبراتهافتسفحها بعد التجلّد والصّبر
وغصة صدر أظهرتها فرفّهتحرارة حرّ في الجوانح والصدر
ألا ليقل من شاء ما شاء إنمايلام الفتى فيما استطاع من الأمر
قضى الله حبّ المالكية فاصطبرعليه فقد تجري الأمور على قدر
- وقال خلف بن خليفة:
سلبت عظامي لحمها فتركتهامجرّدة تضحى إليك وتخصر
وأخليتها من مخّها فتركتهاأنابيب في أجوافها الريح تصفر
إذا سمعت باسم الفراق تقعقعتمفاصلها من هول ما تتنظّر
خذي بيدي ثم ارفعي الثوب فانظريبي السقم إلا أنني أتستّر
وليس الذي يجري من العين ماؤهاولكنّها روح تذوب فتقطر
- وقال عبد الله بن الدمينة الخثعمي:
أقضّي نهاري بالحديث وبالمنىويجمعني والهمّ بالليل جامع
نهاري نهار الناس حتى إذا بدالي الليل هزّتني إليك المضاجع
إذا نحن أنفدنا الدموع عشيّةفموعدنا قرن من الشمس طالع
- وقال أيضا:
يقولون مجنون بسمراء مولعنعم زيد في حبّ لها وولوع
وإني لأخفي حبّ سمراء في الحشاويعلم قلبي أنه سيشيع
أظلّ كأني واجم لمصيبةألمّت وأهلي سالمون جميع
- وقال أيضا:
ولما أبى إلا جماحا فؤادهولم يغن عن ليلى بمال ولا أهل
تسلّى بأخرى غيرها فإذا التيتسلّى بها تغري بليلى ولا تسلي
- وقال حسان بن ثابت:
كأنّ فؤادي في مخاليب طائرإذا ذكرتك النفس شدّت به قبضا
كأنّ فجاج الأرض حلقة خاتمعليّ فما تزداد طولا ولا عرضا
وقال المأمون:
نفس تدمى مسالكهوحنين لست أملكه
والذي أخفيه من سقمفلسان الدمع يهتكه
- وقال ديك الجن:
كأنّ على قلبي قطاة تذكرتعلى ظمأ وردا فهزّت جناحها
ولي كبد حرّى ونفس كأنهابكفّ عدوّ ما يريد سراحها
- وقال بعض بني قشير:
ولما تبيّنت المنازل باللوىولم تقض لي تسليمة المتزوّد
زفرت إليها زفرة لو حشوتهاسرابيل أبدان الحديد المسرّد
لقصّت حواشيها وظلّت لحرّهاتلين كما لانت لداود في اليد
- وقال آخر:
إذا كنت لا يسليك عمّن تودّهتناء ولا يشفيك طول تلاق
فهل أنت إلّا مستعير حشاشةلمهجة نفس آذنت بفراق
- وقال أبو الشيص الخزاعي:
وقف الهوى بي حيث أنت فليس ليمتأخّر عنه ولا متقدّم
أجد الملامة في هواك لذيذةحبّا لذكرك فليلمني اللّوم
أشبهت أعدائي فصرت أحبّهمإذ كان حظّي منك حظّي منهم
وأهنتني فأهنت نفسي عامداما من يهون عليك ممّن أكرم
إن كان عندك قد أذلّني الهوىفبكلّ ناحية أعزّ وأكرم
وقال ابن الحجاج:
بديعة حسن الوجه ليس بمنكرعليك جوى قلبي ولا ببديع
سأبكيك لا أنّ المنى يستفزّنيلعود ووصل منك أو لرجوع
ولكنّ نار الشوق لم أر مطفيالها في فؤادي مثل فيض دموعي
تبدّلت بي من لا يكون قنوعهيسرّ وما تولينه كقنوعي
فعيشكما لا زال إلّا منغّصاوشملكما لا زال غير جميع
آخر:
كأنّ هموم الناس في الأرض كلّهاعليّ وقلبي فيهم قلب واحد
ولي شاهدا عدل سهاد وعبرةوكم مدّع للحبّ من غير شاهد
- وقال أبو نواس:
دع جنانا وذكرهاعنك إن كنت عاقلا
لا تذكّر بنفسك الموت ما دام غافلا
- عبد الكريم بن إبراهيم النهشلي المغربي:
أواجدة وجدي حمائم أيكةتميل بها ميل النزيف غصونها
نشاوى وما مالت بخمر رقابهابواك وما فاضت بدمع عيونها
أعيدي حمامات اللّوى إنّ عندنالشجوك أمثالا يعود حنينها
وكلّ غريب الدار يدعو همومهغرائب محشود عليها شجونها
- أبو إسحاق الحصري الأنصاري المغربي:
ولقد تنسّمت الرياح لعلّنيأرتاح أن يبعثن منك نسيما
فأثرن من حرق الصبابة كامناوأذعن من سرّ الهوى مكتوما
وكذا الرياح إذا مررن على لظىنار بدت ضرّمنها تضريما
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع