من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
النوع السابع عشر في إسرار الهوى وإعلانه
- وقال نصيب:
وما زال كتمانيك حتى كأنّنيبرجع جواب السائلي عنك أعجم
لأسلم من قول الوشاة وتسلميسلمت وهل حيّ من الناس يسلم
- وقال الأخطل:
ولما تلاحقنا نبذنا تحيّةإليهنّ فالتذّ الحديث أصيلها
فكان لدينا السرّ بيني وبينهاولمع غضيضات العيون رسولها
وقال آخر:
بنفسي الذي إن قال خيرا وفى بهوإن قال شرّا قاله وهو مازح
ومن قد رماه الناس حتى اتقاهمببغضي إلا ما تكنّ الجوانح
- وقال أعرابي:
وما بحت يوما بالذي كان بينناكما يستباح الهذريان المبيّح
سوى أنني قد قلت والعيس ترتميبنا عرصات في الأزمّة جنّح
هنيئا لمسواك الأراك فإنهبخمر ثنايا أمّ عمرو يصبّح
وللطوق مجراه وللقرط إنهعلى نفنف من جيدها يتطوّح
- وقال ابن سماعة الأسدي فيما رواه أبو هلال العسكري:
بنفسي من لا بدّ أنّي هاجرهومن أنا في الميسور والعسر ذاكره
ومن قد رماه الناس حتى اتقاهمببغضي إلا ما تجنّ ضمائره
أحبك يا ليلى على غير ريبةولا خير في حبّ تذمّ سرائره
أكفكف دمعي أن يكون طليعةعلى سرّ نفسي حين ينهلّ قاطره
والبيتان الأولان الأصح أنهما ليزيد بن الطثرية من قصيدة طويلة من هذا النوع، وأنا أذكر مستحسنها ومختارها هاهنا لئلا ينقطع:
ألا يا شفاء النفسي لو يسعف الهوىونجوى فؤاد لا تباح سرائره
أثيبي أخا ضارورة أصفق العدىعليه وقلّت في الصديق معاذره
بنفسي من إن يدن ينفع دنوّهوإن ينأ لا تخز الصديق جرائره
ومستخبر عنها ليعلم ما الذيلها في فؤادي ودّ أني أحاذره
تركت على عمياء منه ولم أكنإذا ما وشى واش بليلي أناظره
أتهجر بيتا بالحجاز تكنّفتجوانبه الأعداء أم أنت زائره
فإن آته لا أنج إلا بظنّةوإن يأته غيري تنط بي جرائره
ولا بأس بالهجر الذي ليس عن قلىإذا شجرت عند الحبيب شواجره
وقد روي شطر هذه الأبيات للحسين بن مطير، ومنها قوله:
ألا حبّ بالبيت الذي أنت هاجرهوأنت بتلماح من الطرف زائره
لأنك من بيت لعينيّ معجبوأملح في عيني من البيت عامره
أصدّ حياء أن يلجّ بي الهوىوفيك المنى لولا عدوّ أحاذره
وفيك حبيب النفس لو تستطيعهلمات هوى والشوق حين تجاوره
وكان حبيب النفس للقلب واتراوكيف يحبّ القلب من هو واتره
فإن يكن الأعداء أحموا كلامهعلينا فلن تحمى علينا مناظره
أحبك حبّا لن أعنّف بعدهمحبّا ولكني إذا ليم عاذره
لقد مات قلبي أول الحبّ فانقضىولو متّ أضحى الحبّ قد مات آخره
- وقال ابن ميادة:
يا خليليّ هجّرا كي تروحاهجتما للرواح قلبا قريحا
إن تريغا لتعلما سرّ سعدىتجداني بسرّ سعدى شحيحا
إنّ سعدى لمنية المتمنّيجمعت عفّة ووجها صبيحا
- وقال جميل:
سأمنح طرفي غيركم إن لقيتكملكي يحسبوا أنّ الهوى حيث أنظر
وأكني بأسماء سواك وأتقيزيارتكم والحبّ لا يتغيّر
- وقال الحسن بن هانىء:
لأبيحنّ حرمة الكتمانراحة المستهام في الإعلان
قد تعزّيت بالسكوت وبالإطراق جهدي فنمّت العينان
تركتني الوشاة نصب المشيرين وأحدوثة بكلّ مكان
ما أرى خاليين في السرّ إلاقلت ما يخلوان إلا لشاني
- وقال البحتري:
إذا العين راحت وهي عين على الجوىفليس بسرّ ما تسرّ الأضالع
- وقال تميم بن أبي بن مقبل:
لقد طال ما أخفيت حبّك في الحشاوفي القلب حتى كاد في القلب يجرح
قديما ولم يعلم بذلك عالموإن كان موثوقا يودّ وينصح
فردّي فؤادي أو أثيبي ثوابهفقد يملك المرء الكريم فيسجح
سبتك بمأشور الثنايا كأنهأقاحي غداة بات بالدّجن ينضح
- وقال ابن الدمينة:
هجرتك أياما بذي الغمر إننيعلى هجر أيام بذي الغمر نادم
هجرتك إشفاقا عليك من الرّدىوخوف الأعادي واجتناب النمائم
وإني وذاك الهجر لو تعلمينهكعازبة عن طفلها وهي رائم
فما أعلم الواشين بالسرّ بينناونحن كلانا للمودة كاتم
- ويستحسن قول أبي الطيب في المعنى:
وإذا خامر الهوى قلب صبّفعليه لكلّ عين دليل
- وأحسن ما قيل في ذلك قول قيس بن ذريح:
لو انّ امرءا أخفى الهوى عن ضميرهلمتّ ولم يعلم بذاك ضمير
ولكن سألقى الله والنفس لم تبحبسرّك والمستخبرون كثير
- وقال آخر:
يقولون ليلى بالمغيب أمينةله وهو راع سرّها وأمينها
فإن تك ليلى استودعتني أمانةفلا وأبي ليلى إذا لا أخونها
أأرضي بليلى الكاشحين وأبتغيكرامة أعدائي لها وأهينها
معاذة وجه الله أن أشمت العدىبليلى وإن لم تجزني ما أدينها
سأجعل ديني جنّة دون دينهاوعرضي ليبقى عرض ليلى ودينها
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع