تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

ومن الخطب في الاستسقاء

- روي أنّ النبي ﷺ خرج للاستسقاء، فتقدم فصلّى ركعتين جهر فيهما بالقراءة، وكان يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسبّح اسم ربّك الأعلى، وفي الثانية بفاتحة الكتاب وهل أتاك حديث الغاشية.

فلما قضى صلاته استقبل القبلة بوجهه، وقلب رداءه ثم جثا على ركبتيه، ورفع

يديه وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقي، ثم قال: اللهمّ اسقنا غيثا مغيثا، وحيا ربيعا، وجدا طبقا غدقا، مونقا عامّا، هنيئا مريئا، وابلا سابلا مسيلا مجلّلا دائما دررا نافعا غير ضارّ، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيي به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا للحاضر منّا والباد. اللهم أنزل علينا في أرضنا زينتها، وأنزل علينا في أرضنا سكنها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا، فأحي به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت لنا أنعاما وأناسيّ كثيرا.

- تتابعت السنون على قريش فخرج عبد المطّلب بن هاشم حتى ارتقى أبا قبيس، ومعه رسول الله ﷺ وهو غلام، فقال: اللهم سادّ الخلّة، وكاشف الكربة، أنت عالم غير معلّم، ومسؤول غير مبخّل، وهذه عبدّاؤك وإماؤك بعذرات حرمك، يشكون إليك سنتهم التي أكلت الظّلف والخفّ، فاسمعنّ اللهم وأمطرن غيثا مريئا مغدقا.

فما راموا حتى انفجرت السماء بمائها وكظّ الوادي ثجثجه، فقال شيخان قريش وجلّتها: هنيئا لك أبا البطحاء.

- ومن خطبة لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇:

اللهم قد انصاحت جبالنا، واغبرّت أرضنا، وهامت دوابّنا، وتغيّرت مرابضها، وعجّت عجيج الثّكالى على أولادها، وملّت التردّد في مراتعها،

والحنين إلى مواردها. فارحم أنين الآنّة، وحنين الحانّة. اللهم وارحم حيرتها في مذاهبها، وأنينها في موالجها. اللهم خرجنا إليك حين اعتكرت علينا حدابير السنين، وأخلفتنا مخايل الجود، وكنت الرجاء للمبتئس، والبلاغ للملتمس، ندعوك حين قنط الأنام، ومنع الغمام، وهلك السّوام، ألا تؤاخذنا بأعمالنا [ولا تأخذنا] بذنوبنا، وانشر علينا رحمتك بالسحاب المنبعق، والربيع المغدق، والنبات المونق، سحّا وابلا تحيي به ما قد مات، وتردّ به ما قد فات.

اللهم اسقنا منك سقيا محيية مروية، تامّة عامّة، مباركة، مريئة، زاكيا نبتها، ثامرا فرعها، ناضرا ورقها، تنعش بها الضعيف من عبادك، وتحيي بها الميّت من بلادك. اللهم اسقنا منك ديمة تعشب بها بلادنا، وتجري بها وهادنا، ويخصب بها جنابنا، وتعيش بها مواشينا، وتدنى بها أقاصينا، وتستغني بها ضواحينا، من بركاتك الواسعة، وعطاياك الجزيلة على بريّتك المرملة، ووحشك المهملة. وأنزل علينا سماء مخضلّة، مدرارا هاطلة، يدافع الودق منها الودق، ويحفز القطر منها القطر، غير خلّب برقها، ولا جهام عارضها، ولا قزع ربابها، ولا شفّان ذهابها، حتى يخصب لإمراعها المجدبون، ويحيا ببركتها المسنتون، فإنك تنزل الغيث من بعد ما قنطوا، وتنشر رحمتك وأنت الوليّ الحميد.

غريب هذه الخطبة: انصاحت: أي تشقّقت؛ وهامت: من الهيام وهو داء يصيب الإبل من العطش فتكوى له مشافرها؛ والحدابير: جمع حدبار؛ وهي الناقة التي أنضاها السير، شبّه بها سنة الجدب [والقزع: القطع الصغار من

السحاب]؛ وقوله: ولا شفّان ذهابها: أراد ذات شفّان، والشفّان: الريح الباردة؛ والذّهاب: الأمطار اللينة.

- ومن خطبة له ﵇:

ألا وإنّ الأرض التي تحملكم، والسماء التي تظلّكم مطيعتان لربّكم، وما أصبحتا تجودان لكم ببركتهما توجّعا لكم، ولا زلفة إليكم، ولا لخير ترجوانه منكم، ولكن أمرتا بمنافعكم فأطاعتا، وأقيمتا على حدود مصالحكم فقامتا. إنّ الله يبتلي عباده عند الأعمال السيّئة بنقص الثمرات، وحبس البركات، وإغلاق خزائن الخيرات، ليتوب تائب، ويقلع مقلع، ويتذكّر متذكّر، ويزدجر مزدجر. وقد جعل الله الاستغفار سببا لدرور الرزق، ورحمة الخلق، فقال:

اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً

(نوح:

). فرحم الله امرءا استقبل توبته، واستقال خطيئته، وبادر منيّته.

إنّا خرجنا إليك من تحت الأستار والأركان، بعد عجيج البهائم والولدان، راغبين في رحمتك، وراجين فضل نعمتك، وخائفين من عذابك ونقمتك.

اللهم فاسقنا غيثك ولا تجعلنا من القانطين، ولا تهلكنا بالسنين، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، يا ارحم الراحمين.

اللهم إنّا خرجنا نشكو إليك ما لا يخفى عليك، حين ألجأتنا المضايق الوعرة، وأجاءتنا المقاحط المجدبة، وأعيتنا المطالب المتعسّرة، وتلاحمت

علينا الفتن المستصعبة. اللهم إنّا نسألك ألّا تردّنا خائبين، ولا تقلبنا واجمين، ولا تخاطبنا بذنوبنا، ولا تقايسنا بأعمالنا. اللهم انشر علينا غيثك وبركتك ورزقك ورحمتك، واسقنا سقيا ناقعة مروية معشبة، تنبت بها ما قد فات، وتحيي بها ما قد مات، نافعة الحيا، كثيرة المجتنى، تروي بها القيعان، وتسيل البطنان، وتستورق الأشجار، وترخص الأسعار، إنك على ما تشاء قدير.

- لما خرج عمر بالعباس يستسقي قال:

اللهمّ إنّا نتقرّب إليك بعمّ نبيّك، وبقيّة آبائه وكبر رجاله، فإنك تقول وقولك الحق وَأَمَّا الْجِدارُ فَكانَ لِغُلامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُما وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً

(الكهف:)، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ نبيّك في عمّه، فقد دلونا به إليك مستشفعين ومستغفرين. ثم أقبل على الناس فقال: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً

(نوح:).

قال الراوي: ورأيت العباس ﵁ وقد طال عمره وعيناه تنضحان، وشيبته تجول على صدره وهو يقول: اللهم أنت الراعي فلا تهمل الضالّة، ولا تدع الكبير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير، ورقّ الكبير، وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السرّ وأخفى. اللهم فأغثهم بغياثك من قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنّه لا ييأس من روحك إلّا القوم الكافرون.

قال: فنشأت سحابة، وقال الناس: ترون؟ ثم تلامّت واستتمّت ومشت

فيها ريح ثم هدأت ودرّت، فوالله ما برحوا حتى اعتلقوا الحذاء وقلّصوا الميازر، وطفق الناس بالعباس يمسحون أركانه ويقولون: هنيئا لك ساقي الحرمين.

شهد أبو حنيفة نكاحا فقالوا له تكلم، فقال: الحمد لله شكرا لنعمته، وسبحان الله خضوعا لعظمته، ولا إله إلا الله إقرارا بتوحيده، وصلّى الله على سيدنا محمد عند ذكره. إنّ الله ﷿ خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربك قديرا، على أن أحلّ النكاح وحرّم السفاح وأمرنا بالإصلاح، ثم إنّ فلانا خطب إلى فلان، فعلى اسم الله فلتكن الإجابة، وعلى الخيرة تكون منه العقدة، زوجت وأنكحت.

خطبة نكاح من إنشاء علي بن نصر الكاتب:

الحمد لله أهل الحمد وخالقه، فاطر الخلق ورازقه، ومرشد المرء وواعظه، ومنزّل الذكر وحافظه، الذي بسط الآمال ونشرها، وطوى الآجال وسترها، وأنشأ السحاب وأزجاه، وأنشأ العقاب وأرجاه، جلّ عن صفة الواصف، وتعالى عن معرفة العارف، ألا فإنه الله الذي لا إله إلا هو، وسع كلّ شيء رحمة وعلما. أحمده على ما نفع وضرّ، وأشكره على ما ساء وسرّ، وأستعينه على ما بهظ وأثقل، وأتوكّل عليه في ما ألمّ وأعضل، واؤمن به إيمان من اهتدى واستنصر، وأفوّض أمري إليه تفويض من استقال واستغفر، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادة تغني من العسرة، وتقي الندامة يوم الحسرة، وتنفّس كربة المكروب، وتضيء في ظلم الخطوب، وأشهد أنّ محمدا عبده ورسوله، انتخبه من أشرف أرومة وعنصر، وابتعثه أرأف هاد ومنذر، فبلّغ الرسالة، وأوضح الدلالة، وأدّى الأمانة في ما سمعه، وخفض الجناح لمن اتّبعه، وحذّر من شاقّه وعصاه، وأنذر من حادّه وعاداه، مغمضا على القذى، وواطئا

على جمرات الأذى، حتى غضب الله لحلمه، ونصره بأخيه وابن عمّه، وجعلهما الله ومن اتّبعهما الغالبين، فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين، صلّى الله عليهما صلاة غادية رائحة، سانحة بارحة. ثم إنّ الله تعالى أمرنا بالتواصل والتكاثر، ومنعنا من التقاطع والتدابر، وخبّرنا أنه خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا، وكان ربّك قديرا. وهذا فلان يخطب فلانة.

- دخل عبد الله بن الأهتم على عمر بن عبد العزيز مع العامّة، فلم يفجأ عمر إلا وهو ماثل بين يديه، فتكلم فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أمّا بعد فإنّ الله خلق الخلق غنيّا عن طاعتهم، آمنا معصيتهم، والناس يومئذ في المنازل والرأي مختلفون: فالعرب بشرّ تلك المنازل: أهل الحجر والوبر وأهل المدر الذين تحتاز دونهم طيبات الدنيا ورفاهة عيشها، ميّتهم في النار وحيّهم أعمى، مع ما لا يحصى من المرغوب عنه والمرهوب منه. فلما أراد الله تعالى أن ينشر عليهم من رحمته، بعث إليهم رسولا من أنفسهم عزيزا عليه ما عنتوا، حريصا عليهم، بالمؤمنين رؤوفا رحيما. فلم يمنعهم ذلك أن جرّحوه في جسمه، ولقّبوه في اسمه، ومعه كتاب من الله ناطق [وبرهان صادق] لا يرحل إلا بأمره، ولا ينزل إلا بإذنه، واضطروه إلى بطن غار. فلما أمر بالعزمة انبسط لأمر الله لونه، فأفلج الله حجّته، وأعلى كلمته، وأظهر دعوته، وفارق الدنيا نقيّا تقيّا. ثم قام بعده أبو بكر، فسلك سنّته، وأخذ بسبيله، فارتدّت العرب، فلم يقبل منهم بعد رسول الله ﷺ إلا الذي كان قابلا

منهم، فانتضى السيوف من أغمادها، وأوقد النيران في شعلها، ثم ركب بأهل الحقّ إلى أهل الباطل، فلم يبرح يفصل أوصالهم ويسقي الأرض دماءهم، حتى أدخلهم في الذي خرجوا منه، وقرّرهم بالذي نفروا عنه. وقد كان أصاب من مال الله بكرا يرتوي عليه، وحبشية ترضع ولدا له، فرأى من ذلك غصّة في حلقه عند موته، فأدّى ذلك إلى الخليفة من بعده، وبرىء إليهم منه، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبه. ثم قام بعده عمر بن الخطاب، فمصّر الأمصار، وخلط الشدّة باللين، فحسر عن ذراعيه، وشمّر عن ساقيه، وأعدّ للأمور أقرانها، وللحرب آلتها، فلما أصابه فتى المغيرة استهلّ بحمد الله ألا يكون أصابه ذو حقّ في الفيء فيستحلّ دمه بما استحلّ من حقّه. وقد كان أصاب من مال الله بضعة وثمانين ألفا، فكسر بها رباعه، وكسر بها كفالة أولاده من بعده، وفارق الدنيا تقيّا نقيّا على منهاج صاحبيه. ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، ثم إنك يا عمر ابن الدنيا، ولدتك ملوكها، وألقمتك ثديها، فلما وليتها ألقيتها حيث ألقاها الله، فالحمد لله الذي جلابك حوبتنا، وكشف بك كربتنا، امض ولا تلتفت، فإنه لا يعز على الحقّ شيء، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وللمؤمنين والمؤمنات.

ولما أن قال: ثم إنّا والله ما اجتمعنا بعدهما إلا على ظلع، سكت الناس إلا هشاما، فإنه قال: كذبت، كان عثمان هاديا مهديا.

- لما قام السفاح أبو العباس أول خلافته على المنبر، قام بوجه كورقة المصحف فاستحيا فلم يتكلم، فنهض داود بن علي عمّه حتى صعد المنبر. قال

المنصور، فقلت في نفسي: شيخنا وكبيرنا يدعو إلى نفسه، فانتضيت سيفي وغطّيته بثوبي وقلت: إن فعل ناجزته، فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس، ثم قال: أيها الناس، إنّ أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله، ولأثر الفعال أجدى [عليكم] من تشقيق الكلام، وحسبكم كلام الله ممتثلا فيكم، وابن عمّ رسول الله ﷺ خليفة عليكم، والله قسما برّا لا أريد بها إلا الله، ما قام بهذا المقام بعد رسول الله ﷺ أحقّ به من عليّ بن أبي طالب ﵇، وأمير المؤمنين هذا، فليظنّ ظانّكم وليهمس هامسكم.

قال أبو جعفر المنصور: ثم نزل فشمت سيفي.

- ولداود بن علي خطبة مشهورة، خطبها وأبو العباس على المنبر، صعد دونه بمرقاة فقال: شكرا شكرا، أظنّ عدوّ الله أن لن نقدر عليه، أرخى له في زمامه، حتى عثر بفضل خطامه، فالآن طلعت الشمس من مشرقها، وأخذ القوس باريها، وعاد السهم إلى النّزعة، وصار الأمر إلى أهل بيت نبيّكم، أهل الرأفة والرحمة. والله ما نزلنا مقهورين حتى أتاح الله لنا شيعتنا من أهل خراسان، والله ربّ هذه البنيّة لا يظلم منكم أحد، وأشار بيده إلى المسجد ثم نزل.

- فقام سديف مولاهم إلى جنب المنبر فقال: أيزعم الضلّال- حبطت أعمالهم- أنّ غير آل محمّد أحقّ بالخلافة، فلم وبم؟ أيها الناس، ألكم الفضل بالصحابة دون ذوي القرابة، الشركاء في النسب، الورثة للسلب، الخاصّة في الحياة، الولاة عند الوفاة، مع ضربهم على الدين جاهلكم، وتأمينهم بعد

الخوف سائلكم، وإطعامهم في اللأواء جائعكم؟ كم قصم الله بهم من جبّار طاغ، ومنافق باغ، وفاسق ظالم ؟ لم يسمع بمثل العباس، لم تخضع له الأمة لواجب حقّ الحرمة، أبو رسول الله ﷺ بعد أبيه، وأمينه ليلة العقبة، ورسوله يوم مكة، وحاميه يوم حنين، لا يخالف له كلما، ولا يعصي له قسما. إنكم والله معشر قريش ما اخترتم لأنفسكم من حيث اختار الله لنفسه طرفة عين، ما زلتم تختارون تيميّا مرة وعدويّا مرة، فأصبحتم بين ظهراني قوم آثروا العاجل على الآجل، والفاني على الباقي، أهل خمور وماخور، وطنابير ومزامير، إن ذكّروا لم يذكروا، وإن قوّموا بحقّ أدبروا، بذلك كان زمانهم، وبه كان سلطانهم، حتى أتاكم من هذه الخرسية من لا تعرفون له وجها، ولا تثبتون له نسبا، فضربكم بالسيف حتى أعطيتموها عنوة وأنتم صاغرون، وأنشد:

أمست أميّة قد تشتّت شعبهاشعب الضّلال وشتّتت أهواؤها
زعمت أميّة وهي غير حكيمةأن لن تزول ولن يهدّ بناؤها
وقضى الإله بغير ذاك فذبّحتحتى تريع على الفجاج دماؤها

- خطب سليمان بن علي فقال: وَلَقَدْ كَتَبْنا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُها عِبادِيَ الصَّالِحُونَ

(الأنبياء:)، قضاء فصل، وقول مبرم، فالحمد لله الذي صدق عبده وأنجز وعده، وبعدا للقوم الظالمين الذين اتخذوا الكعبة غرضا والدين هزؤا، والفيء إرثا، والقرآن عضين، لقد

ضلّ عنهم ما كانوا يستهزؤون، وكأيّن ترى من بئر معطّلة وقصر مشيد، ذلك بما قدّمت أيديهم وما الله بظلّام للعبيد، أمهلهم حتى اضطهدوا [العترة] وأمنوا الغرّة، ونبذوا السّنّة، وخاب كلّ جبّار عنيد، ثم أخذهم فهل تحسّ منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا.

وخطب عبد الله بن علي لما قدم مروان بن محمد دورا: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دارَ الْبَوارِ، جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَها وَبِئْسَ الْقَرارُ

(ابراهيم:)، ركض بكم يا أهل الشأم آل حرب وآل مروان، يتسكعون بكم الظلم، ويخوضون بكم مداحض المراقي، ويوطئونكم محارم الله تعالى ومحارم رسوله. فما يقول علماؤكم غدا عند الله تعالى إذ يقولون رَبَّنا هؤُلاءِ أَضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ

فيقول: لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلكِنْ لا تَعْلَمُونَ

(الأعراف:). أما أمير المؤمنين فقد ائتنف بكم التوبة، وغفر لكم الزّلّة، وبسط لكم الإقالة بفضله، فليفرّخ روعكم، ولتعظكم مصارع من كان قبلكم، فهذه الجثى منكم مصرّعة، وبيوتهم خاوية، بما ظلموا والله لا يحبّ الظالمين.

ثم نزل عن المنبر.

- وصعد بعده صالح بن علي فقال: الحمد لله، يا أهل النفاق وعمد الضّلالة، أغرّكم لين الإبساس وطول الإيناس، حتى ظنّ جاهلكم أنّ ذلك

لفلول حدّ وخور قناة. فإذ استوبأتم العافية فغدا فطام ونكال، وسيف يعضّ بالهام.

خطب زيد بن علي فقال: أوصيكم عباد الله بتقوى الله التي من اكتفى بها كفته، ومن اجتنّ بها وقته، وهي الزاد وعليها المعاد، زاد مبلّغ ومعاد منج، دعا إليها أسمع داع فوعاها خير واع، فأعذر داعيها وفاز واعيها. عباد الله إنّ تقوى الله حمت أولياء الله محارمه، وألزمت قلوبهم مخافته حتى أسهرت ليلهم وأظمأت هواجرهم، فأخذوا الراحة بالنّصب، والريّ بالظمأ، واستقربوا الأجل، فبادروا بالعمل، وكذّبوا الأمل، ولا حظوا الأجل. طوبى لهم وحسن مآب. ثم إنّ الدنيا دار فناء وعناء، وغير وعبر، فمن العناء أنّ المرء يجمع ما لا يأكل، ويبني ما لا يسكن، ثم يخرج إلى الله تعالى لا مالا حمل ولا بناء نقل، ومن الفناء أنّ الدهر موتّر قوسه، ثم لا تخطىء سهامه، ولا توسى جراحه، يرمي الحيّ بالموت، والصحيح بالعطب. آكل لا يشبع، وشارب لا يروى.

ومن غيرها أنك تلقى المحروم مغبوطا، والمغبوط محروما، وليس ذلك إلا لنعيم زال، وبؤس نزل. ومن عبرها أنّ المشرف على أمله يقطعه أجله، فلا أمل يدرك، ولا مؤمّل يترك، فسبحان الله ما أغرّ سرورها، وأظمأ ريّها، وأضحى فيّها. فكأنّ الذي كان من الدنيا لم يكن، وكأنّ الذي هو كائن منها قد كان.

صار أولياء الله فيها إلى الأجر بالصبر، وإلى الأمل بالعمل، جاوروا الله تعالى في داره ملوكا خالدين. إنّ الله ﷿ خلق موتا بين حياتين: موت بعد حياة، وحياة ليس بعدها موت. وإنّ أعداء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلّا والموت أهون منه، فسألوا الله ﷿ الموت فقالوا يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ، قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ

(الزخرف:). وإنّ أولياء الله نظروا فلم يجدوا شيئا بعد الموت إلا والموت أشدّ منه، فسألوا الله الحياة جزعا من الموت؛ ولكلّ مما

هو فيه مزيد. فسبحان الله ما أقرب الحيّ من الميت باللحاق به، وما أبعد الميّت من الحيّ لانقطاعه عنه، وليس شيء بخير من الخير إلا ثوابه، وليس شيء بشرّ من الشرّ إلا عقابه، وكلّ شيء من الدنيا سماعه أعظم من عيانه، وكلّ شيء من الآخرة عيانه أعظم من سماعه. فليكفكم من السماع العيان، ومن الغيب الخبر. إنّ الذي أمرتم به أوسع مما نهيتم عنه، وما أحلّ لكم أكثر مما حرّم عليكم، فذروا ما قلّ لما كثر، وماضاق لما اتّسع. وقد تكفّل لكم بالرزق وأمركم بالعمل، فلا يكوننّ المضمون لكم طلبه أولى بكم من المفروض عليكم، مع أنه والله قد اعترض الشكّ ودخل اليقين، حتى كأنّ الذي ضمن لكم قد فرض عليكم، وكأنّ الذي فرض عليكم قد وضع عنكم. فبادروا العمل، وخافوا بغتة الأجل، فإنه لا يرجى من رجعة الحياة ما يرجى من رجعة الرّزق، فإنّ ما فات اليوم من الرّزق يرجى غدا ارتداده، وما فات أمس من العمر لم ترج اليوم رجعته.

- خطب محمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم طباطبا بن الحسن بن الحسن بن عليّ الخارج مع أبي السرايا، فقال:- وكان أبو السرايا قد انتهب قصر العباس بن موسى بن عيسى- أما بعد، فإنّه لا يزال يبلغني أنّ القائل منكم يقول: إنّ بني العباس فيء لنا نخوض في دمائهم، ونرتع في أموالهم، ويقبل قولنا فيهم، وتصدّق دعوانا عليهم. حكم بلا علم وعزم بلا رويّة. عجبا لمن أطلق بذلك لسانه أو حدّث به نفسه. أبكتاب الله ﷿ أخذ، أم لسنّة رسوله ﷺ اتبع؟ أو في ميلي معه طمع، أو بسط يدي له بالجور أمّل؟ هيهات هيهات، فاز ذو الحقّ بما نوى، وأخطأ طالب ما تمنّى، حقّ كلّ ذي حقّ في يده، وكل مدّع

على حجّته. ويل لمن اغتصب حقّا وادّعى باطلا، وأفلح من رضي بحكم الله تعالى، وخاب من أرغم الحقّ أنفه. العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون.

حقّ لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر، ولمن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الحقّ. كلّ نفس تسمو إلى همّتها، ونعم الصاحب القناعة. أيها الناس، إنّ أكرم العبادة الورع، وأفضل الزّاد التقوى، فاعملوا في دنياكم، وتزوّدوا لآخرتكم، اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ، وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ

(آل عمران:

). وإيّاكم والعصبية وحميّة الجاهلية، فإنهما يمحقان الدين، ويورثان النفاق، خلّتان ليستا من ديني ولا دين آبائي. وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ

(المائدة:)، يصلح لكم دينكم، وتحسن المقالة فيكم. الحقّ أبلج، والسبيل نهج، والباطل لجلج، والناس مختلفون، ولكلّ في الحقّ سعة. من حاربنا حاربناه، ومن سالمنا سالمناه. الناس جميعا آمنون إلا رجلين: رجل نصب لنا نفسه وأعان علينا بماله، ولو شئت أن أقول، ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا، قلت، ولكن حسب امرىء وما اكتسب، وسيكفي الله الظالمين.

- خطبة تنسب إلى يزيد:

أيّها الناس، سافروا بأبصاركم في كرّ الجديدين، ثم أرجعوها كليلة عن بلوغ الأمل، فإنّ الماضي عظة للباقي، ولا تجعلوا الغرور سبيل العجز فتنقطع حجّتكم في موقف الله سائلكم فيه ومحاسبكم على ما أسلفتم. أيها الناس، أمس شاهد فاحذروه، واليوم مؤدّب فاعرفوه، وغدا رسول فأكرموه، وكونوا على حذر من هجوم القدر. أعمالكم تطلق أبدانكم، والصراط ميدان يكثر فيه

العثار، فالسالم ناج، والعاثر في النار.

- خطب محمد بن سليمان بن علي بن عبد الله فقال:

الحمد لله، أحمده وأستعينه وأستغفره، وأومن به، وأتوكّل عليه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، أرسله بالحقّ داعيا، وبالعدل آمرا، وبالجنة مبشّرا، ومن النار منذرا، وبلّغ رسالته، وجاهد من عند عن سبيل ربّه حتى أكمل الله له دينه، وأظهر حجّته، وصلّى الله عليه وعلى آله كما صلّى على إبراهيم وآل إبراهيم. أوصيكم عباد الله بتقوى الله، وأحضّكم على طاعة الله، وأرضى لكم ما عند الله، فإنّ تقوى الله أفضل ما تحاثّ الناس عليه وتداعوا إليه، وتواصوا به، فاتّقوا الله ما استطعتم، واسمعوا وأطيعوا، وأنفقوا خيرا لأنفسكم، ولا تغرّنّكم الدنيا فإنها غرّارة، مغرور من اغترّ بها، ألا ترونها لم ترفع أحدا إلا وضعته؟ ولم تعزّ جبّارا إلا أذلّته؟ ولم تذق أبناءها من حلاوتها إلا أعقبتهم سمّا قاتلا وذعافا موبيا؟ قد أعدّت لهم مصارع الردى ومدارج التلف لطول الحسرة والندامة، يوم تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذاتِ حَمْلٍ حَمْلَها

(الحج:). فلمثل هذه تسعون، وفي مثلها ترغبون، وإليها تركنون، ولها تجمعون، وأنتم ترون مصارع الملوك الذين كانوا أطول منكم أعمارا، وأكثر منكم أموالا وأعتد عتادا فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ

(القصص:). فاحذروها كما حذّركم الله فإنّها بالموضع الذي وضعها الله، والصفة التي وصفها، قال الله ﷿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً

(الكهف:)، وقال ﷿: أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ، وَتَتَّخِذُونَ مَصانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ، وَإِذا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ

(الشعراء:

). فاعملوا عباد الله لدار المتّقين، فإنّ الدار الآخرة هي الحيوان ودار المقامة التي لا يمسّ أهلها فيها نصب ولا يمسّهم فيها لغوب.

خطب المأمون فقال: اتّقوا الله عباد الله وأنتم في مهل، بادروا الأجل ولا يغرنّكم الأمل، فكأن بالموت وقد نزل، فشغلت المرء شواغله، وتركت عنه بواطله، وهيّئت أكفانه، وبكاه جيرانه، وصار إلى المنزل الخالي بجسده البالي، قد فارق الرفاهية وعاين الداهية، فوجهه في التراب عفير، وهو إلى ما قدّم فقير.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.