تجاوز إلى المحتوى

من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)

التوسط في الأمور

- من ذلك قوله ﷺ حين ذكر العبادة والغلوّ فيها: «إنّ المنبتّ لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى». يقول إذا كلّف نفسه فوق طاقتها من العبادة بقي حسيرا كالذي أفرط في إغذاذ السّير حتى عطبت راحلته ولم يقض سفره.

- «لا تكن حلوا فتسترط ولا مرّا فتعقى»، أي تلفظ من المرارة، يقال: قد أعقى الشيء إذا اشتدّت مرارته، قال أبو عبيدة: وقول العامّة «فتلفظ» غير صحيح.

وقال عمر بن الخطاب ﵁: «إن هذا الأمر لا يصلحه إلا لين في غير ضعف وشدّة في غير عنف».

- وقيل: «خير الأمور الأوساط».

وقالوا في مثله: «لا وكس ولا شطط».

وقال زهير:

دون السماء ودون الأرض قدرهمادون الذّنابى فلا فوت ولا درك

وقال عنترة:

لا ممعنا هربا ولا مستسلم

- وقالوا: «شرّ السّير الحقحقة».

وفي الخبر: «خير الأمور أوساطها». فالوسط محمود على كلّ حال إلا في العلوم؛ فإن الغايات فيها خير وأولى. وقيل: سائر العلوم والصناعات ينفع فيها التوسّط ولا يضرّ، كالنحو ليس يضرّ من أحسن باب الفاعل والمفعول، وباب الإضافة، وباب المعرفة والنكرة، أن يكون جاهلا ببقية أبواب النحو؛ وكذلك

من نظر في علم الفرائض فليس يضرّ من أحكم باب الصّلب أن يجهل باب الجدّ. وغاية ذلك أن يكون علم من ذلك العلم نوعا دون نوع إلّا علم الطبّ والكلام، فأصلح الأمور لمن تكلّف علم الطبّ أن لا يحسن منه شيئا أو يكون حاذقا، فإنه إن أحسن منه شيئا ولم يبلغ فيه المبالغ هلك أو أهلك المرضى؛ وكذلك العلم بصناعة الكلام: إن قصّر فيه عرضت إليه الشّبهة، ولم يبلغ الغاية التي تزيلها فيضلّ ويضلّ.

النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «التذكرة الحمدونية»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.