من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
نوادر من هذا الباب (١٧)
دخل اللصوص على رجل فقير ليس في بيته شيء، وجعلوا يطلبون ويفتشون، فانتبه الرجل فرآهم فقال: يا فتيان هذا الذي تطلبون بالليل قد طلبناه بالنهار فلم نجده.
دخل لصّ دارا فلم يجد فيها شيئا إلا دواة، فكتب على الحائط:
عزّ علي فقركم وغناي.
احتاج مزبّد أن يبيع جبة لسوء حاله فنادى المنادي عليها فلم تطلب بشيء، فقال مزبد: ما كنت أعلم أني كنت عريانا إلا الساعة.
قيل لأعرابي فقير: ما تلبس؟ قال: الليل إذا عسعس، والصبح إذا تنفس.
أتى أعرابي الحضر فجعل يؤجر بعيره ويحمل عليه، فقيل: قد أتعبت نفسك وكددت بعيرك، فقال:
يشكو إليّ جملي طول السّرىيا جملي ليس إليّ المشتكى
الدرهمان كلفاني ما ترىحمل الجواليق وجذبا بالعرى
صبرا قليلا فكلانا مبتلى
- كان أبو الشمقمق الشاعر أديبا ظريفا عاقلا محارفا صعلوكا متبرما قد لزم بيته في أطمار مسحوقة. وكان إذا استفتح أحد بابه خرج فنظر من فروج الباب، فإن أعجبه فتح له وإلا سكت عنه. فأقبل إليه بعض إخوانه، فلما رأى
سوء حاله قال له: أبشر أبا الشمقمق فإنا نجد في الحديث أن العارين في الدنيا الكاسون في الآخرة. قال: لئن كان هذا الذي تقوله حقا لأكونن يوم القيامة بزّازا، وقال:
أنا في حال تعالى الله ربّي أي حال
ليس لي شيء إذا قيل لمن ذا قلت ذا لي
ولقد أفلست حتىمحت الشمس خيالي
ولقد أملقت حتىحل أكلي لعيالي
- وقال:
أتراني أرى من الدهر يومالي فيه مطية غير رجلي
حيثما كنت لا أخلّف شيئامن رآني فقد رآني ورحلي
- آخر:
خلق المال واليسار لقوموأراني خلقت للإملاق
أنا فيما أرى بقية قومخلقوا بعد قسمة الأرزاق
- حبس عمرو بن الليث أبا سعيد الكاتب وعلي بن النضر فتبلّح أبو سعيد في أداء ما طولب به، فحلف المطالب ليقلعنّ أضراسه إن لم يؤدّه، فلما خبأ ماله في كيس عمد إليه ابن النضر فسرقه ودعا بالطبيب والكلبتين فقلعت أضراسه. ونمي الخبر إلى عمرو فاغتم له وأطلقه، فلما كان بعد مدة أتاه علي بالكيس، فقال: ما حملك على ما فعلت، دخلت في ذنبي وفجعتني بأضراسي؟ قال: اسكت فإنه إذا لم
يكن لك أضراس ولك دراهم اتخذت الهرائس والأخبصة، وإذا لم يكن لك مال وأنت سالم الأضراس متّ جوعا. فضحك وتسلّى.
- نظر ابن سيابة إلى مبارك التركي على دابة، فرفع رأسه إلى السماء وقال: يا ربّ هذا حمار له فرس وأنا انسان وليس لي حمار.
أنشد أبو محلم لنفسه في مثله:
ما يصنع الليل والنهارما للفتى منهما انتصار
من لم يؤدّبه والداهأدّبه الليل والنهار
كم من حمار له جوادوسيّد ما له حمار
- آخر:
رضينا قسمة الرحمن فينالنا أدب وللثقفي مال
سأل بعض رؤساء المغاربة الجرواني الشاعر: أي بروج السماء لك؟
فقال: واعجبا منك! ما لي بيت في الأرض، يكون لي برج في السماء؟ فضحك وأمر له بدار وأحسن إليه.
تمّ الجزء والحمد لله وحده وصلّى الله على سيّدنا محمّد وعلى آله وسلّم
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع