من «التذكرة الحمدونية» لابن حمدون (ت ٥٦٢هـ)
وفاة رسول الله ﷺ (٣)
وعلى ذلك فما قلت البيت الأوّل كما بلغ الأمير، وإنّما قلت:
إذا كنت من بغداد في مقطع الثّرىوجدت نسيم الجود من آل برمك
فقال له الفضل: إنّما أخرّت ذلك عنك لأمازحك، وأمر له بثلاثين ألف درهم.
- قال عمرو بن جابر الحنفيّ في المداجاة:
أكاشح أقواما على شرّ بغضةوأضحك في وجه العدوّ المكاشر
أريه كذاكم ما يريني وأبتغيبه في غد خون الجدود العوائر
كلانا يرى أن ليس ...
- وقال آخر:
أكاشره وأعلم أن كلاناعلى ما ساء صاحبه حريص
- وقال المتلمّس:
وأطرق إطراق الشجاع ولو يرىمساغا لنابيه الشجاع لصمّما
- وقال عبد الله بن مالك الطائي:
وخلّ كنت عين النّصح منهلذي خطر ومستمع سميعا
أطاف بغيّة فنهيت عنهاوقلت له أرى أمرا فظيعا
- ومثله لدريد بن الصمة:
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوىفلم يستبينوا النّصح إلا ضحى الغد
فلما عصوني كنت فيهم وقد أرىغوايتهم وأنّني غير مهتدي
وما أنا إلا من غزيّة إن غوتغويت وإن ترشد غزيّة أرشد
- وقال رجل من بني الحارث بن كعب:
لعمرك ما صبر الفتى في أموره[بحتم] إذا ما الأمر جلّ عن الصبر
فقد يجزع المرء الجليد ويبتليعزيمة رأي المرء نائبة الدهر
تعاوره الأيام في ما ينوبهفيقوى على أمر ويضعف عن أمر
- وقال أيضا:
وعيرتمونا أن جزعنا ولم نكنلنجزع لو أنّا قدرنا على الصبر
صبرنا فلما لم نر الصبر نافعاجزعنا وكان الله أملك بالعذر
- وقال خراش بن مرة الضبي:
إذا عيل صبر المرء فيما ينوبهفلا بدّ من أن يستكين ويجزعا
وما يبلغ الانسان فوق اجتهادهإذا هو لم يملك لما جاء مدفعا
- وقال عبيد بن أيوب وذكر شدة خوفه:
لقد خفت حتى لو تمرّ حمامةلقلت عدوّ أو طليعة معشر
وخفت خليلي ذا الصفاء ورابنيمقال فلان أو فلانة فاحذر
فمن قال خيرا قلت هذا خديعةومن قال شرّا قلت نصح فشمّر
وأصبحت كالوحشيّ يتبع ماحلاويترك موطوء البلاد المدعثر
- وقال أيضا:
لقد خفت حتى خلت أن ليس ناظراإلى أحد غيري فكدت أطير
وليس فم إلا بسرّي محدّثوليس يد إلا إليّ تشير
- وقال مضرّس بن ربعيّ الأسديّ:
كأنّ على ذي الظنّ عينا بصيرةبمنطقه أو منظر هو ناظره
يحاذر حتى يحسب الناس كلّهممن الخوف لا تخفى عليهم سرائره
-[وقال] مسكين الدارميّ واسمه ربيعة بن عامر:
إن أدع مسكينا فلست بمنكروهل تنكرنّ الشمس ذرّ شعاعها
لعمرك ما الأسماء إلا علامةمنار ومن خير المنار ارتفاعها
- وقال أيضا في الغيرة:
ألا أيّها الغائر المستشاطعلام تغار إذا لم تغر
[فما خير عرس إذا خفتها]وما خير عرس إذا لم تزر
تغار على الناس أن ينظرواوهل يفتن الصالحات النّظر
وإني سأخلي لها بيتهافتحفظ لي نفسها أو تذر
إذا الله لم يعطني حبّهافلا يعطني الحبّ سوط ممرّ
- قال الشعبيّ: قال لي شريح يعني القاضي: يا شعبيّ، عليكم بنساء تميم، فإنّهن النساء. قلت: كيف؟ قال: انصرفت من جنازة ذات يوم مظهرا فمررت بدور بني تميم، فإذا امرأة جالسة في سقيفة على وسادة وتجاهها جارية رؤد- يعني التي بلغت- ولها ذؤابة على ظهرها جالسة تبكي، [فاستسقيت] فقالت لي: أيّ الشراب أعجب إليك؟ النبيذ أم اللبن أم الماء؟ قلت: أي ذلك تيسّر عليكم. فقالت: اسقوا الرجل لبنا فإني إخاله عزبا، فلما شربت نظرت إلى الجارية فأعجبتني، فقلت: من هذه؟ فقالت: ابنتي، فقلت: ممّن؟
قالت: هذه زينب بنت حدير إحدى نساء بني تميم، ثم إحدى نساء بني حنظلة، ثم إحدى نساء بني طهيّة، قلت: أفارغة أم مشغولة؟ قالت: بل فارغة؛ قلت: أفتزوّجينها؟ قالت: نعم إن كنت لها كفؤا، ولها عمّ فاقصده.
فامتنعت من القائلة، وأرسلت إلى إخواني من القرّاء والأشراف، مسروق بن الأجدع، والمسيّب بن نجبة، وسليمان بن صرد الخزاعيّ، وخالد بن عرفطة العدويّ، وعروة بن المغيرة بن شعبة، وأبي بردة بن أبي موسى، فوافيت معهم صلاة العصر، فإذا عمّها جالس، فقال: أبا أمامة ؟ حاجتك، فقلت: إليك،
قال: وما هي؟ قلت: بنت أخيك زينب بنت حدير، قال: ما بها عنك رغبة، ولا بك عنها مقصر وإنّك لنهزة.
فتكلّمت فحمدت الله ﷿، وصليت على النبيّ ﷺ، وذكرت حاجتي. فردّ الرجل عليّ وزوّجني، وبارك القوم لي، ثم نهضنا، فما بلغت منزلي حتى ندمت؛ فقلت: تزوجت إلى أغلظ العرب وأحقدها، فهممت بطلاقها، ثم قلت: أجمعها إليّ، فإن رأيت ما أحبّ وإلا طلّقتها. فأقمت أيّاما، ثم أقبل نساؤها يهادينها، فلما أجلست في البيت أخذت بناصيتها، فبرّكت، وأخلي لي البيت، فقلت: يا هذه، إنّ من السنّة إذا دخلت المرأة على الرجل أن تصلّي ركعتين ويصلّي ركعتين، ويسألا الله خير ليلتهما ويتعوّذا بالله من شرّها؛ ثم التفتّ فإذا هي خلفي تصلّي؛ فصلّيت، ثم التفتّ فإذا هي على فراشها، فمددت يدي فقالت: على رسلك، فقلت: إحدى الدواهي منيت بها، فقالت: الحمد لله، أحمده وأستعينه، إني امرأة غريبة، ولا والله ما سرت مسيرا قطّ أشدّ عليّ منه، وأنت رجل غريب لا أعرف أخلاقك، فحدّثني بما تحبّ فآتيه، وما تكره فأنزجر عنه.
فقلت: الحمد لله، وصلى الله على محمد. قدمت خير مقدم على أهل دار زوجك سيّد رجالهم، وأنت سيدة نسائهم إن شاء الله. أحبّ كذا وكذا، وأكره كذا وكذا. قالت: أخبرني عن أختانك، أتحبّ أن يزوروك؟ قلت: إني رجل قاض، وما أحبّ أن يملّوني. فبتّ بأنعم ليلة، ثم أقمت عندها ثلاثا، ثم خرجت إلى مجلس القضاء، فكنت لا أرى يوما إلا وهو أفضل من الذي قبله، حتى إذا كان عند رأس الحول دخلت منزلي وإذا عجوز تأمر وتنهى، فقلت: يا زينب، من هذه؟ قالت: أمي فلانة؛ قلت: حيّاك الله بالسلام، قالت: أبا أمامة، كيف أنت وزوجتك؟ قلت: [بخير]، قالت: إنّ المرأة لا ترى في
حال أسوأ منها خلقا في حالين: إذا حظيت عند زوجها، وإذا ولدت غلاما، فإن رابك منها شيء فالسوط، فإنّ الرجال والله ما حازت إلى بيوتها شرّا من الورهاء المدلّة. قلت: أشهد أنّها ابنتك، قد كفيتنا الرياضة وأحسنت الأدب.
قال: فكانت في كلّ حول تأتينا، فتذكر هذا ثمّ تنصرف.
قال شريح: فما غضبت عليها قطّ إلا مرّة واحدة كنت لها ظالما فيها: كنت أمام قوم فسمعت الإقامة وقد ركعت ركعتي الفجر، فأبصرت عقربا، فعجلت عن قتلها فأكفأت عليها الإناء، فلما كنت عند الباب قلت: يا زينب، لا تحرّكي الإناء حتى أجيء، فعجلت فحرّكت الإناء، فضربتها العقرب، وجئت فإذا هي تلوّى، قلت: ما لك؟ قالت: لسعتني العقرب، فلو رأيتني يا شعبيّ وأنا أفرك إصبعها بالملح وأقرأ عليها المعوّذتين وفاتحة الكتاب. وكان لي يا شعبيّ جار يقال له ميسرة، وكان لا يزال يضرب امرأته، فقلت:
رأيت رجالا يضربون نساءهمفشلّت يميني يوم أضرب زينبا
يا شعبيّ، وددت لو أني قاسمتها عيشي.
- قال حمدون بن إسماعيل: كنت حاضرا عند المأمون ببلاد الروم بعد العشاء، [وبين يديه شمعة] في ليلة ظلماء ذات رعود وبروق، فقال لي المأمون: اركب الآن فرس النوبة، وسر إلى عسكر أبي إسحاق، يعني المعتصم، فأدّ إليه رسالتي وهي كيت وكيت. قال: فركبت، فلم تثبت معي شمعة، وسمعت وقع حافر دابّة، فرهبت ذلك وجعلت أتوقّاه حتى صكّ
ركابي [ركاب تلك] الدابة، وبرقت بارقة فأبصرت وجه الراكب، فإذا عريب، فقلت: عريب؟ فقالت: نعم، حمدون؟ [قلت: نعم]. ثم قلت لها: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ قالت: من عند محمد بن حامد، قلت:
وما صنعت عنده؟ قالت: يا تكش! عريب تجيء في هذا الوقت من عند محمد بن حامد خارجة من مضرب الخليفة وراجعة إليه تقول لها: أي شيء عملت معه؟! صلّيت معه التراويح، أو قرأت عليه أجزاء من القرآن، أو دارسته شيئا من الفقه! يا أحمق! تحادثنا، وتعاتبنا، واصطلحنا، وشربنا، ولعبنا، وغنّينا، وتنايكنا، وانصرفنا. فأخجلتني، وغاظتني، وافترقنا، ومضيت فأدّيت الرسالة. ثم عدت إلى المأمون، وأخذنا في الحديث وتناشد الأشعار، فهممت أن أحدّثه بحديثها ثم هبته، فقلت: أقدّم قبل ذلك بشيء من الشعر، فأنشدته:
ألا حيّ أطلالا لقاطعة الحبلألوف تساوي صالح القوم بالرّذل
فلو أنّ من أمسى بجانب [تلعةإلى جبلي طيّ فساقطة] الحبل
جلوس إلى أن يقصر الظلّ عندهالراحوا وكلّ القوم منها على وصل
فقال المأمون: اخفض صوتك لا تسمع عريب فتغضب وتظنّ أنّا في حديثها، فأمسكت عمّا أردت أن أخبره به، وخار الله لي في ذلك.
- أنشد أحمد بن يحيى:
أحبّ بلاد الله ما بين منعجإليّ وسلمى أن يصوب ربابها
بلاد بها حلّ الشباب تميمتيوأوّل أرض مسّ جلدي ترابها
- لمّا مات ضرار بن ثعلبة [بن سعد] ترك بنيه الشعراء الثلاثة صبيانا وهم: شمّاخ، ومزرّد، وجزء. وأرادت أمّهم- وهي أمّ أوس- أن تتزوّج رجلا يسمّى أوسا، وكان أوس هذا شاعرا، فلما رآه بنو ضرار بفناء أمّهم للخطبة، تناول شمّاخ حبل الدلو ثم متح وهو يقول:
أمّ أويس نكحت أويسا
وجاء مزرّد فتناول الحبل ثم قال:
أعجبها حدارة وكيسا
وجاء جزء فتناول الحبل ثم قال:
أصدق منها لجبة وتيسا
فلما سمع أوس رجز الصبيان هرب وتركها.
- شاعر:
أبت مصر إسعافي بما كنت أشتهيوأخلفني منها الذي كنت آمل
وما كلّ ما يخشى الفتى نازل بهوما كل [ما يرجو الفتى] هو نائل
فو الله ما فرّطت في جنب حيلةولكنه ما قدّر الله نازل
وقد يسلم الانسان من حيث يتّقيويؤتى الفتى من أمنه وهو غافل
- محمد بن بشير الخارجيّ:
يسعى لك المولى ذليلا مدفّعاويخذلك المولى إذا اشتدّ كاهله
فأمسك عليك العبد أوّل وهلةولا تنفلت من راحتيك حبائله
- وقال:
إذا افتقر المولى سعى لك جاهدالترضى، وإن نال الغنى عنك أدبرا
- كانت أمّ أبان بنت عتبة بن ربيعة عند يزيد بن أبي سفيان، فمات عنها. فخطبها عليّ ﵇ فردّته. فقيل لها: أتردّين عليّ بن أبي طالب، ابن عمّ رسول الله ﷺ، وزوج فاطمة، وأبا الحسن والحسين، وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ ليس لامرأته منه إلا جلوسه بين شعبها الأربع، وهو صاحب خير من النساء.
ثم خطبها عمر ﵁، فردّته، فقيل لها: أتردّين أمير المؤمنين الفاروق، وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ يدخل عابسا ويخرج عابسا، ويغلق عليّ بابه، وأنا امرأة برزة.
ثم خطبها الزبير، فردّته، فقيل لها: أتردّين الزبير حواريّ رسول الله وابن عمّته وحاله في الإسلام حاله؟ قالت: نعم، لا أوثر هواه على هواي؛ يد فيها قروني، ويد فيها السوط.
ثم خطبها طلحة، فقالت: [هذا] زوجي حقّا، يدخل عليّ بسّاما، إن سألت بذل وإن أعطى أجزل، وإن أذنبت غفر، وإن أحسنت شكر. فتزوّجته فأولم ثم دعا هؤلاء النّفر، وهي في خدرها- وكذلك كانوا يفعلون- فقال عليّ ﵇: يا أبا محمد، ائذن لي أكلّم هذه؛ فقال: يا أمّ أبان، تستّري،
فتستّرت. ثم رفع سجف الحجلة فقال: يا عديّة نفسها! خطبتك وليس بقرشيّ عني رغبة بعد فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فرددتني، وخطبك الزبير حواريّ رسول الله ﷺ وابن عمّته فرددته، واخترت علينا ابن الصّعبة!؟
قالت: فلو وجدت نفقا لدخلت فيه. قالت: فأحلت على الزاملة التي تحمل كلّ شيء فقلت: أمر قضي، وما كان ذلك بيدي. فقال: صدقت رحمك الله. أما على ذلك فقد نكحت أصبحنا وجها، وأسخانا كفّا، وأكرمنا للنساء صحبة. ثم قال: يا أبا محمد، سلها عمّا قلت لها، فإني لم أقل إلا الذي تحبّ، قال: لا أسألها عنه أبدا.
- قال السّدّيّ: أتيت كربلاء أبيع البزّ بها، فعمل لنا شيخ من طيّء طعاما [وبتنا] عنده، فذكرنا قتل الحسين ﵇، فقلت: ما شرك في قتله أحد إلا مات بأسوأ ميتة، فقال: ما أكذبكم يا أهل العراق، فأنا ممّن شرك في دمه. فلم نبرح حتى دنا من المصباح وهو يتّقد بنفط، فذهب يخرج الفتيلة بإصبعه، فأخذت النار فيها، فذهب يطفئها بريقه، فأخذت النار في لحيته، فعدا فألقى نفسه في الماء، فرأيته كأنّه فحمة.
- قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: حدّثني أبو محمد الرّباطي (رباط خاوة من عمل جرجان) قال: كنت قبّارا، فبينا أنا في منزلي إذ طرقني ليلا ركب يستعجلونني، فخرجت فإذا أنا بشموع وخدم، فأمروني بالحفر، فحفرت قبرا وأودعوه تابوتا، وعفّيت عليه بالتراب، وأجالوا عليه الخيل تغويرا للموضع وانصرفوا. فظننت أنّه كنز، فأسرعت فنبشته وكشفت عن التابوت،
فإذا فيه رجل، فوضعت يدي على أنفه فإذا هو قريب من التّلف، فاستخرجته وأعدت التراب إلى ما كان عليه. واحتملته إلى منزلي.
وعاد القوم حذرا من أن أكون قد تنبّهت على ما في التابوت، ونفضوا الصحراء التي كان فيها فلم يروا أثرا ولا حسّا لأحد، وأنا مشرف في منزلي أرى ما يصنعون. فلما أمنوا ممّا توهّموا انصرفوا وترادّت نفس الرجل، فسألته عن حاله، فقال: أنا محمد بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ. فأقام عندي إلى أن قويت نفسه وتراجعت. ثم شخص إلى العراق، ثم إلى الحجاز، وظهر باليمن وبويع له بإمرة أمير المؤمنين، ودخل مكّة ثم خرج على عهد، وبايع المأمون لابن أخيه عليّ بن موسى بالعهد، فخرج محمد إلى المأمون بخراسان، فأدركته منيّته بجرجان، فاحتفرت له ودفنته. فكان بين الدفنين عشر سنين.
- خرج أبو العيناء وهو ضرير له نيّف وتسعون سنة في سفينة فيها ثمانون نفسا، فغرقت، فلم يسلم غيره، فلما صار إلى البصرة توفي بها.
- قالوا: بينا حذيفة بن اليمان وسلمان الفارسيّ يتذاكران عجائب الزمان وتغيّر الأحوال والأيّام وهما في عرصة إيوان كسرى، وكان أعرابيّ من غامد يرعي شويهات له نهارا، فإذا كان الليل صيّرهنّ إلى داخل العرصة، وفي العرصة سرير رخام ربما كان يجلس كسرى عليه، فصعدت شويهات الغامديّ إلى ذلك السّرير، فقال سلمان: ومن أعجب ما تذاكرنا صعود غنيمات الغامديّ إلى إيوان كسرى.
- يقال إن المغيرة بن شعبة قال لحرقة بنت النعمان: ما أعجب ما
رأيت؟ فقالت: [بتنا] ليلة وما من أحد إلا وهو يرجونا أو يخشانا، وأصبحنا وما من أحد إلا وهو يرحمنا ثم قالت:
فبينا نسوس الناس والأمر أمرناإذا نحن فيهم سوقة نتنصّف
فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمهاتقلّب حالات بنا وتصرّف
- دخل إيتاخ إلى الواثق وهو بآخر رمق لينظر: هل مات أم لا؟ فلما دنا منه نظر إليه الواثق بمؤخر عينه، ففزع إيتاخ ورجع القهقرى إلى أن وقع سيفه في [شق] الباب فاندقّ وسقط إيتاخ على قفاه هيبة لنظرة الواثق إليه. فلم تمض ساعة حتى مات، فعزل في بيت ليغسل واشتغل عنه؛ فجاءت هرّة فأكلت عينه التي نظر بها إلى إيتاخ، فعجب الناس من ذلك، وكان إيتاخ زعيما لتسعين ألف غلام.
- ومثله لسان مروان بن محمد، فإنه لمّا قتل واحتزّوا رأسه وأرادوا إنفاذه إلى أبي العباس، أمروا بتنظيفه، فجاء كلب فأخذ لسانه فجعل يمضغه، فقال عبد الله بن عليّ: لو لم يرنا الدهر من عجائبه إلا لسان مروان في فم كلب لكفى.
- ووجد في بعض الأوارجات السلطانية: وما حمل إلى الأمير أبي الفضل جعفر بن يحيى أعزّه الله لهدية السرور من العين الطريّ مائة ألف دينار.
وفي آخر الحساب: وما أخرج لثمن النّفط والبواري والحطب لإحراق جثة جعفر
ابن يحيى بضعة عشر درهما.
- خبر المغيرة بن شعبة حين شهد عليه بالزّنا كان المغيرة بن شعبة الثقفي أميرا على الكوفة في خلافة عمر رضوان الله عليه، وكان من دهاة العرب ورجالها. فروي أنه كان يخرج من دار الإمارة وسط النهار، فيلقاه أبو بكرة فيقول له: أين يذهب الأمير؟ فيقول له: إلى حاجة، فيقول له: حاجة ماذا؟ إنّ الأمير يزار ولا يزور. وكانت المرأة التي يأتيها جارة لأبي بكرة، وقيل: إنّها بنت جميل بن عمرو.
قيل: فبينا أبو بكرة في غرفة له مع إخوته نافع وزياد ورجل آخر يقال له:
شبل بن معبد، وكانت غرفة جارته بحذاء غرفة أبي بكرة، فضربت الريح باب المرأة ففتحته فنظر القوم فإذا هم بالمغيرة ينكحها، فقال أبو بكرة: هذه بليّة ابتليتم بها، فانظروا، فنظروا حتى أثبتوا. فنزل أبو بكرة حتى خرج عليه المغيرة من بيت المرأة فقال: إنّه قد كان من أمرك ما قد علمت، فاعتزلنا. قال: وذهب ليصلّي بالناس الظّهر فمنعه أبو بكرة وقال: والله ما تصلّي بنا وقد فعلت ما فعلت. فقال الناس: دعوه يصلّي فإنه الأمير، واكتبوا بذلك إلى عمر؛ فكتبوا إليه، فورد كتابه بأن يقدموا عليه جميعا: المغيرة والشّهود. وقيل: بعث عمر بأبي موسى الأشعريّ [على البصرة]، وعزم عليه أن لا يضع كتابه من يده حتى يرحل المغيرة بن شعبة.
وقيل: إن أبا موسى قال لعمر لمّا أمره أن يرحله من وقته: أو خير من ذلك، يا أمير المؤمنين، تتركه يتجهّز ثلاثا ثم يخرج. قال: فدخل أبو موسى المسجد وهم يصلّون: الرجل والنساء مختلطين، فدخل رجل على المغيرة فقال له: إني رأيت أبا موسى في جانب المسجد عليه برنس، فقال المغيرة: ما جاء زائرا
ولا تاجرا. فدخل عليه ومعه صحيفة مثل هذه. فلما رآه قال: أمير؟ فأعطاه أبو موسى الكتاب. فلما ذهب يتحرّك عن سريره قال أبو موسى: مكانك! تجهّز ثلاثا. وقيل: بل أمره أن يرحل من وقته على اختلاف الرواية فيما أمره به عمر.
فقال له المغيرة: قد علمت ما وجّهت له، فهلّا تقدّمت فصلّيت؟ فقال له أبو موسى: ما أنا وأنت في هذا الأمر إلا سواء. فقال له المغيرة: إني أحبّ أن أقيم ثلاثا لأتجهّز، فقال: قد عزم عليّ أمير المؤمنين ألا أضع عهدي من يدي إذا قرأته حتى أرحلك إليه. قال: إن شئت شفّعتني وأبررت قسم أمير المؤمنين بأن تؤجّلني إلى الظّهر وتمسك الكتاب بيدك. قال: فلقد رؤي أبو موسى مقبلا ومدبرا وإنّ الكتاب في يده معلّق بخيط. فتجهّز المغيرة، وبعث إلى أبي موسى بعقيلة جارية عربية من سبي اليمامة من بني حنيفة، وقيل: إنّها كانت [من] مولدة الطائف ومعها خادم.
وسار المغيرة حين صلّى الظهر حتى قدم على عمر ﵁. فلما قدم عليه قال: إنّه شهد عليك بأمر إن كان حقّا لأن تكون متّ قبل ذلك كان خيرا لك. وجلس.
ودعي بالمغيرة والشّهود، فتقدّم أبو بكرة، فقال: أرأيته بين فخذيها؟ قال:
نعم، والله لكأني أنظر إلى تثريم جدريّ بفخذيها. فقال له المغيرة: لقد ألطفت النظر، فقال له: لم آل أن أتيت بما يخزيك الله به، فقال له عمر: لا والله حتى تشهد لقد رأيته يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، قال: نعم، أشهد على ذلك. قال: اذهب عنك، مغيرة، ذهب ربعك!.
ثم دعا نافعا فقال: على ما تشهد؟ قال: على مثل شهادة أبي بكرة، قال:
لا، حتى تشهد أنّه يلج فيها ولوج المرود في المكحلة، فقال: نعم حتى بلغ قذذه، قال: اذهب عنك، مغيرة، ذهب نصفك! ثم دعا الثالث، فقال: علام
تشهد؟ قال: على مثل شهادة صاحبيّ.
فقال عليّ ﵇: اذهب عنك، مغيرة، ذهب ثلاثة أرباعك. قال:
حتى بكى إلى المهاجرين فبكوا، وبكى إلى أمّهات المؤمنين حتى بكين معه، وحتى لا يجالس هؤلاء الثلاثة أحد من أهل المدينة. ثم كتب إلى زياد، فقدم على عمر، فلما رآه جلس له في المسجد، فاجتمع عنده رؤوس المهاجرين والأنصار.
قال المغيرة: ومعي كلمة قد رفعتها لأحكم القوم. فلما رآه عمر مقبلا قال: إني أرى رجلا لن يخزي الله على لسانه رجلا من المهاجرين. قال المغيرة فقلت: لا مخبأ لعطر بعد عروس؛ ثم قمت فقلت: يا زياد، اذكر الله واذكر موقف يوم القيامة [فإنّ الله] وكتابه ورسله وأمير المؤمنين قد احتقنوا دمي إلا أن تتجاوز إلى ما لم تر ما رأيت، أين مسلك ذكري منها؟ قال: فرفعت عيناه واحمرّ وجهه وقال: يا أمير المؤمنين، أما إنّ أحقّ ما حقّ القوم فليس عندي، ولكني رأيت مجلسا قبيحا، وسمعت نفسا حثيثا وانبهارا، ورأيته متبطّنها. فقال له: أرأيته يدخله ويخرجه كالميل في المكحلة؟ فقال: لا. فقال عمر: الله أكبر، قم إليهم فاضربهم. فقام إلى أبي بكرة وضربه ثمانين، وضرب الباقين. وأعجب عمر قول زياد، ودرأ عن المغيرة الحدّ. فقال أبو بكرة بعد أن ضرب: فإني أشهد أنّ المغيرة فعل كذا وكذا، فأمر عمر بضربه، فقال له عليّ: إن ضربته رجمت صاحبك، ونهاه عن ذلك. يعني إن ضربه جعل شهادته شهادتين، فوجب لذلك الرجم على المغيرة.
وحدّث عبد الكريم بن رشيد عن أبي عثمان النهديّ قال: لمّا شهد عند عمر الأول تغيّر لذلك لون عمر، ثم جاء آخر فشهد، فانكسر لذلك انكسارا شديدا، ثم جاء رجل شاب يخطر بين يديه، فرفع عمر رأسه إليه وقال: ما
عندك يا سلح العقاب؟ - فصاح أبو عثمان صيحة تحكي صيحة عمر- قال عبد الكريم: لقد كدت أن يغشى عليّ.
واستتاب عمر أبا بكرة، قال: إنّما [تستتيبني] لتقبل شهادتي؟ قال:
أجل؛ قال: لا أشهد بين اثنين ما بقيت في الدنيا.
قال: فلما ضربوا الحدّ قال المغيرة: الله أكبر، الحمد لله الذي أخزاكم، فقال له عمر: أخزى الله مكانا رأوك فيه. وأقام أبو بكرة على قوله وكان يقول: والله لا أنسى رقط فخذيها، وتاب الاثنان فقبل شهادتهما. وكان أبو بكرة بعد ذلك إذا دعي إلى شهادة قال: اطلب غيري فإنّ زيادا أفسد عليّ شهادتي.
ولما ضرب أبو بكرة أمرت أمّه بشاة، فذبحت، وجعلت جلدها على ظهره، فكان يقال: ما ذلك إلا من ضرب شديد.
وكان عمر ﵁ يقول للمغيرة: والله ما أظنّ أنّ أبا بكرة كذب عليك، وما رأيتك إلا خفت أن أرمى بحجارة من السماء.
وروي أن عليّا ﵇ قال: لئن لم ينته المغيرة لأتبعنّه أحجاره.
وقال حسان بن ثابت يهجو المغيرة:
لو انّ اللؤم ينسب كان عبداقبيح الوجه أعور من ثقيف
تركت الدين والإسلام لمّابدت لك غدوة ذات النصيف
فراجعت الصّبا وذكرت لهوامن الفتيان والعمر اللطيف
ولمّا شخص المغيرة إلى عمر، رأى في طريقه جارية فأعجبته، فخطبها إلى [أبيها] فقال له: أنت على هذه الحال! فقال له: وما عليك، إن أعف فهو الذي تريد، وإن أقتل ترثني، فزوّجه.
قال الواقديّ: تزوّجها بالرّقم، وهي امرأة من بني مرّة. فلما قدم بها على
عمر قال: إنّك لفارغ القلب طويل الشّبق.
- خبر ادعاء معاوية زيادا كان زياد عامل عليّ ﵇ على فارس فلما قتل تمسك بعمله ولم يدع إلى معاوية؛ فقلق معاوية بأمره، وهوّنه عنده المغيرة بن شعبة، فقال: بئس المركب الغرور زياد وقلاع فارس. [فقال معاوية]: ما يؤمنني أن يدعو إلى رجل من أهل هذا البيت فإذا هو قد أعادها جذعة. فسعى المغيرة في أمره وقصده إلى فارس وأصلحه لمعاوية.
ولما أراد أن يدّعيه بعث إلى عبد الله بن عامر بن كريز وعبد الله بن خالد بن أسيد وسعيد بن العاص ومروان بن الحكم، فقال: إنكم أسرتي وقرابتي، ولقد أردت أمرا لم يفتأني عنه إلا التوبيخ أو طعن طاعن عليّ أن يثلبني، والله أحقّ من راقب المرء وأطاعه، فإنه قال لنبيه ﷺ: وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشاهُ
(الأحزاب:). وقال: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسائَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحامَ
(النساء:
[)؛ هذا زياد أردت أن ألحقه بنسبه وأنسبه إلى أبيه أبي سفيان، فما ترون؟ فقال مروان بن الحكم: أعيذك بالله أن تسم هذا بأنفك، أو يكون هذا من رأيك، أو تردّ قضاء رسول الله ﷺ فإنه قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر. وأنت تريد أن تجعل للعاهر الولد وللفراش الحجر. ثم قال: هات ما عندك يا ابن كريز، قال:
أرى أن لا تدّعيه فإنه لم يدّع رجل قطّ رجلا إلا مات المدّعي وبقي الدّعيّ. قال:
فما عندك يا ابن أسيد قال: أرى إن كنت إنما تدّعيه لتعتزّ به فإن الله جلّ وتقدّس لم يكن يعزّ سلطانه برجل دعيّ، والعرب أطوع لك، ولو لم تكره ذلك إلا ليقول قائل: إنما ادّعى زيادا لحاجته إليه مع إحداثك في الاسلام من هذه الخصلة لما لم يسبقك إليها أحد من السلف. ثم قال: ما عندك يا ابن العاص؟ قال: أرى أن تدّعيه بشهادة شهود، فإن كان ابن أبي سفيان فقد ألحقته بأبيه، وإن لم يكن
فإنما إثمه على الشهود، وتستعين به فيما أنت فيه. قال معاوية: أنت أنصحهم جيبا وآمنهم غيبا، صدقت، أخرجوا المنبر ونادوا الصلاة جامعة. فاجتمع الناس لذلك، وحضرت الشهود وهم المستورد الثقفي وسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وجلس زياد إلى جانب المنبر. فبدأ معاوية بالمستورد فقال: قم فاشهد بما علمت. فقال: أشهد أن أبا سفيان قدم الطائف فيما كان يبتاع من الأدم وغير ذلك، وأتانا آت ونحن في مجلسنا فقال: هذه جارية الحارث بن كلدة قد أدخلت على أبي سفيان، وأغلق دونها الباب؛ فبعثنا من نظر في ذلك فكان الخبر كما أخبرنا، فحسبنا من ذلك اليوم فلم يمض إلا شهر حتى مرّت بنا وقد اصفرّ لونها [.....]، فولدت زيادا لتمام تسعة أشهر من ذلك اليوم الذي أخبرنا فيه.
وشهد غيره بمثل ذلك. وقال لأبي مريم: اشهد بما علمت. قال: إنكم إن أعفيتموني كان أحبّ إليّ، وإن أبيتم إلا أن أشهد أتيت بالشهادة على وجهها؛ قد علم من حضر الطائف أن أبا سفيان كان خلا لي [وأنه إنما قدم] الطائف عليّ حتى نظعن؛ فقدم عليّ قدمته تلك. فقال: يا أبا مريم إني قد تغرّبت منذ أشهر، فابغ لي امرأة، فقلت: أتتزوج؟ فقال: لا أقدر على ذلك مع ابنة عتبة. فقلت:
إني لا أقدر عليها إلا مومسة، قال: لا أبالي بعد أن تكون وضيئة؛ فأتيته [بسمية]؛ (قال، قلت: لا أقدر عليها إلا أمة، قال: لا أبالي وأريدها وضيئة، فأتيته بسميّة) جارية الحارث بن كلدة- ولا أعرف يومئذ بالطائف جارية أشهر منها بالفجور. فدعوتها وأعلمتها بحال أبي سفيان، فقلت: لئن أصبت منه ولدا لم تزالي في علية ما بقيت. فأسمحت حتى أخذ بكمّ درعها، فدخلا البيت فلم يلبث أن خرج عليّ يمسح جبينه؛ فقلت: مهيم، فقال: ما أصبت مثلها يا أبا مريم لولا استرخاء في ثديها وذفر في رفغيها.
قال: فقال زياد: لا تسبّ أمهات الرجال فتشتم أمّك، إنما أنت شاهد.
ويقال إن زيادا قال: ما هذا! إنما دعيت شاهدا، ولم تدع شاتما! قال أبو مريم: قد جهدت أن تعفوني فلما أبيتم شهدت بما رأيت وعاينت.
وقال: يا سعيد اشهد بما رأيت قال: رأيت زيادا يخطب- وقدم من عند أبي موسى في زمن عمر بن الخطاب- فتعجّب الناس من منطقه، فقال أبو سفيان وأنا إلى جنبه: من هذا المتكلم إني لأعرف فيه [منطق] آل حرب.
فقلت: هذا زياد بن عبيد فقال: لولا مخافتي عمّك أن يعبث بي ويعنّفني لأخبرتك أنه لم يضعه في رحم أمّه غيري.
فوثب يونس بن سعيد بن زيد مولى زياد فقال: الله الله يا معاوية في مولاي أن تغلبني عليه، ما كان كما قلت، إنه عبد لعمتي صفية، ولكن أعتقته، فلم تستحلّ أن تأخذ منها مولاها؟ فقال معاوية: لتنتهينّ يا يونس أو لأطيرنّ بك طيرة بعيدا وقوعها. فقال يونس: هي إلى الله ثم نقع.
قال: ثم إن زيادا كان على العراق، فكتب إلى معاوية: إني قد أخذت العراق بيميني وشمالي فارغة؛ وهو يعرض [بالحجاز] يرجو أن يضمها إليه مع العراق، فلم يرجع إليه جواب كتابه حتى مات.
ويقال إن زيادا بدا له أن يخطب إلى سعيد بن العاص ابنته، فكتب إليه [بذلك، فأجابه سعيد]: أما بعد فإن أمير المؤمنين لم ينزلك من نفسه هذه المنزلة، ولم يجعل في يديك ولايته، ولم يؤهّلك لما أنت فيه إلا لما يريد أن يوصل إليك من تنويه الاسم ورفيع الدرجة. [فأجابه زياد]:.... وكأنّا قد أحببنا التوسّل إليك ببعض ما يعود عليك نفعه ويشتبك الحال فيما بيننا وبينك وتتشعّب القرابات منا، فنحظى ونسعد بكم؛ وقد مهرنا كريمتك فلانة مائة ألف درهم: العاجل خمسون ألفا والآجل مثل ذلك، فإذا عزمت على [تزويجنا] فمر من يقبض المال والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
فلما ورد الكتاب على سعيد امتنع من الطعام يومه ذلك، وكتم الناس أمره؛
فلما كان الغد دعا بالفرزدق، فقال: ألا أعجّبك من بيضة البلد؟ قال: وما ذاك؟ فأراه سعيد الكتاب، فقال الفرزدق: أصلحك الله، أراد تثبيت النسب وتعقيد الحسب. فتبسّم سعيد وكتب إلى زياد: أما بعد، إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى
(العلق:) والسلام عليك. وكان هذا القول من الفرزدق سبب فراره من زياد فلم يدخل العراق حتى مات.
ادّعى رجل على جعفر بن محمد- ﵄ دعوة واستحضره إلى القاضي، فلما ذكر دعواه قال جعفر: برئت إليه من ذلك.
فأنكر الرجل ولم تقم لجعفر عليه بيّنة. فقال له القاضي: حقك عليه اليمين.
قال: نعم، أنا أستحلفه. فقال له القاضي: إن شئت. فقال له جعفر: قل والله إنّ لي عندك كذا وكذا وأستحقّه عليك. فقال ذلك، فخرّ ميّتا. فقال القاضي لجعفر: كيف هذا؟ قال: إنّ استحلافك له بيمين فيها ثناء على الله ومدح، وإن الله إذا أثني عيه ومدح لم يعاجل بالعقوبة كرما منه وتفضلا.
- قال عبد الملك بن عمير الليثي: دخلت على عبد الملك بن مروان وهو جالس في بهو على سرير وقد وضع بين يديه رأس مصعب بن الزبير.
فلما رأيته قلت متعجّبا: لا إله إلا الله! لقد رأيت اليوم عجبا تذكرت به عجائب. قال: وما ذاك؟ قلت: رأيت عبيد الله بن زياد في هذا البهو جالسا على هذا السرير وبين يديه رأس الحسين بن علي ﵇، ثم دخلت بعد ذلك على المختار في هذا البهو فوجدته جالسا على هذا السرير وبين يديه رأس عبيد الله بن زياد، ثم دخلت على مصعب في هذا البهو وهو على هذا السرير وبين يديه رأس المختار، وقد دخلت عليك يا أمير المؤمنين في هذا البهو وأنت على هذا السرير وبين يديك رأس مصعب. فبادر عبد الملك ونزل عن السرير وخرج عن البهو وأمر بهدمه.
- قال بعض تجار البحر: حملنا مرّة متاعا إلى الصين من الأبلّة، وكان قد اجتمع ركب فيه عشر سفن، قال: ومن رسمنا إذا توجهنا في مثل هذا الوجه أن نأخذ قوما ضعفاء ونأخذ بضائع قوم. فبينا أنا قد أصلحت ما أريد، إذ وقف شيخ فسلّم، فرددت؛ فقال: لي حاجة قد سألتها غيرك من التجار فلم يقضها، قلت: فما هي؟ قال: اضمن لي قضاءها حتى أقول، فضمنت؛ فأحضر لي رصاصة فيها نحو مائة منّ وقال: تأمر بحمل هذه الرصاصة معك، فإذا صرتم في لجّة هذا البحر فاطرحها في البحر، فقلت: يا هذا ليس هذا ممّا أفعله؛ قال: قد ضمنت لي، وما زال بي حتى قبلت وكتبته في روزنامجي.
فلما صرنا في ذلك الموضع عصفت علينا ريح فيئسنا من أنفسنا وممّا معنا، ونسينا الرصاصة، ثم خرجنا من اللجّة وسرنا حتى بلغنا موضعنا، فبعت ما صحبني، وحضرني رجل فقال لي: معك رصاص؟ فقلت: ليس معي رصاص، فقال لي غلامي: معنا رصاص، قلت: لم أحمل رصاصا معي، قال: بلى، للشيخ.
فذكرت فقلت: خالفناه وبلغنا ههنا، وما عليّ أن أبيعه، فقلت للغلام:
أحضرها. وساومني الرجل بها فبعت بمائة وثلاثين دينارا، وابتعت بها للشيخ طرائف الصين. وخرجنا فوافينا المدينة، وبعت تلك الطرائف بمبلغ سبعمائة، وصرت إلى البصرة إلى الموضع الذي وصفه لي الشيخ، ودققت باب داره وسألت عنه، فقيل توفّي؛ فقلت: هل خلّف أحدا يرثه؟ قالوا: لا نعلم له إلا ابن أخ في بعض نواحي البحر. قال: فتحيّرت فقيل لي: إن داره موقوفة في يد أمين القاضي؛ فرجعت إلى الأبلّة والمال معي. فبينا أنا ذات يوم جالس إذ وقف على رأسي رجل فقال: أنت فلان؟ قلت: نعم. قال: أكنت خرجت إلى الصين؟
قلت: نعم. قال: وبعت رجلا هناك رصاصا؟ قلت: نعم، قال: أفتعرف الرجل؟ فتأمّلته وقلت: أنت هو، قال: نعم، إني قطعت من تلك الرصاصة
شيئا لأعمله فوجدتها مجوّفة، ووجدت فيها اثني عشر ألف دينار، وقد جئت بالمال، فخذه عافاك الله. فقلت له: ويحك! والله ما المال لي، ولكنه كان من خبره كذا؛ وحدثته فتبسّم الرجل ثم قال: أتعرف الشيخ؟ قلت: لا، قال: هو عمي وأنا ابن أخيه، وليس له وارث غيري، وأراد أن يزوي هذا المال عني وهرّبني من البصرة سبع عشرة سنة، فأبى الله ﷾ إلا ما ترى على رغمه. قال: فأعطيناه الدنانير كلّها ومضى إلى البصرة وأقام بها.
- قال الصولي: كان المعتصم في فتنة الأمين يمضي إلى علي بن الجنيد الاسكافي فيقيم عنده، ولا يقصر عليّ في خدمته وإكرامه والنفقة عليه- وكان عليّ أكثر الناس مزاحا وأحسنهم كلاما- فآذاه المعتصم في شيء، فقال علي: والله لا يفلح أبدا على المزح، فحفظها المعتصم. فلما دخل بغداد خليفة أمر وصيفا باحضار علي فأحضره- وكان عدوا للفضل بن مروان- فضحك المعتصم، وكان يقول:
ذلك اليوم اعتقدت أن أنكب الفضل؛ ثم قال: يا علي تذكر حيث وقفت لابراهيم ابن المهدي بمربّعة الحرسي فنزلت فقبلت يده ثم أدنيت ابني هارون فقبّل يده وقلت: عبدك هارون ابني، فأمر له بعشرة آلاف درهم؟ قال علي: أذكر ذلك؛ قال: فإنه ترجّل لي اليوم وقبّل يدي في ذلك الموضع بعينه، ثم قال لي: عبدك هبة الله ابني، فأدناه فقبّل يدي، فأمرت له بعشرة آلاف درهم، ولم تطب له نفسي بغيرها.
فقال: بئس والله ما فعل أمير المؤمنين. قال: وكيف ويلك؟ قال: إبراهيم كان أمر لهارون بعشرة آلاف درهم وليست في يده إلا بغداد وحدها، وفي يد أمير المؤمنين من المشرق إلى المغرب. قال: صدقت، أعطوه عشرة آلاف دينار؛ وفرّق المعتصم في أهله ثلاثين ألف ألف درهم.
- قال أحمد بن أبي الأصبغ: لما ولي المستعين الخلافة دعاني أحمد بن
الخصيب، وقد استوزره، فقال لي: اكتب الساعة في إشخاص أبي صالح عبد الله بن محمد بن يزداد بفرانق بأسرع من عندك وأفرههم. فورد أبو صالح بعد شهر، فمكث جمعة ودبّ في أمر أحمد بن الخصيب حتى ولي مكانه ونفى أحمد بن الخصيب إلى اقريطش. [....] فدعاني أبو صالح حين ولي فقال: اكتب الساعة إلى همذان في إشخاص شجاع بن القاسم إلى الحضرة ووجه إليه بالذي جاء بي من فارس. قال: ففعلت ذلك، فوافى شجاع فتقلد كتبة أوتامش؛ فلما تمكّن نكب أبا صالح وأقام مكانه.
- حدّث القاضي أبو علي المحسّن بن علي التنوخي قال: حدثني عضد الدولة أبو شجاع فنّا خسرو ببغداد، وذلك في سنة سبعين وثلاثمائة، قال:
حدثتني أمّي- رحمها الله- أنها ولدت للأمير ركن الدولة ولدا قبلي كنّاه أبا دلف، وعاش قليلا ومضى لسبيله. قالت: فحزنت عليه حزنا شديدا أسفا على فقده وإشفاقا من أن ينقطع ما بيني وبين الأمير بعده، فسلّاني مولاي وسكّنني وأقبل عليّ وقرّبني؛ ومضت الأيام وتطاول العهد وسلوت، ثم حملت بك بأصفهان فخفت أن أجيء ببنت فلا أرى مولاي ولا يراني، لما أعرفه من كراهيّته للبنات وضيق صدره بهنّ وطول إعراضه عنهن؛ ولم أزل على جملة القلق والجزع إلى أن دخلت في شهري وقرب ما أترقّبه من أمري، وأقبلت على البكاء والدعاء ومداومة الصلاة والأدعية إلى الله في أن يجعله ولدا ذكرا سويّا محظوظا (أو كما قال عضد الدولة)؛ ثم حضرت أيامي، واتفق أن غلبني النوم فنمت في مخادعي، ورأيت في منامي رجلا شيخا نظيف البزّة ربعة كثّ اللحية، أعين عريض الأكتاف، وقد دخل عليّ وعندي أنه مولاي ركن الدولة، فلما تبيّنت
صورته ارتعت منه وقلت: يا جواريّ، من هذا الهاجم علينا؟ فتساعين إليه فزبرهنّ وقال: أنا عليّ بن أبي طالب، فنهضت إليه وقبلت الأرض بين يديه، فقال: لا، لا، وقلت: قد ترى يا مولاي ما أنا فيه، فادع الله لي بأن يكشفه ويهب لي ذكرا سويا محظوظا، فقال: يا فلانة، وسمّاني باسمي- وكذا كنّى الملك عضد الدولة عن الاسم- قد فرغ الله ممّا ذكرت، وستلدين ذكرا سويا نجيبا ذكيا عاقلا فاضلا، جليل القدر، سائر الذكر، عظيم الصّولة، شديد السّطوة، يملك بلاد فارس وكرمان والبحر وعمان والعراق والجزيرة إلى حلب، ويسوس الناس كافّة ويقودهم إلى طاعته بالرغبة والرهبة، ويجمع الاموال الكثيرة، ويقهر الاعداء، ويقول بجميع ما أنا فيه- يقول الملك ذاك- ويعيش كذا وكذا سنة- لعمر طويل أرجو بلوغه- ولم يبين الملك قدره- ويملك ولده من بعده، فيكون من حالهم كذا وكذا لشيء طويل، هذه حكاية لفظه.
قال الملك عضد الدولة: فكلما ذكرت هذا المنام وتأملت أمري وجدته موافقا له حرفا بحرف. ومضت على ذلك السنون ودعاني عمّي عماد الدولة إلى فارس، واستخلفني عليها، وصرت رجلا وماتت أمي.
وحدث أبو الحسين الصوفي- يقول الملك هذا وأبو الحسين حاضر يسمع حديثه-: واعتللت علة صعبة أيست فيها من نفسي وأيس الطبّ مني، وكانت سنتي المتحولة فيها سنة رديئة الدلائل، موحشة الشواهد؛ وبلغت إلى حد أمرت فيه أن يحجب الناس عني، حتى الأطباء لضجري بهم، وتبرمي بأمورهم، وما أحتاج إلى شرحه لهم، ولا يصل إليّ إلا حاجب النوبة؛ وبينا أنا على ذلك وقد مضت عليّ فيه ثلاثة أيام أو أربعة ولا شغل لي إلا البكاء على نفسي والحسرة من مفارقة الحياة، إذ دخل حاجب النوبة فقال: أبو الحسين الصوفي في الدار منذ [الغداة] يسأل الوصول، وقد اجتهدت به في الانصراف فأبى إلا القعود، وترك القبول، وهو يقول: لا بد لي من لقاء مولانا فإن عندي بشارة ولا يجوز أن يتأخر وقوفه عليها وسماعه إياها. فلم أحب ان أجدّ به في المنع والصرف إلا بعد
المطالعة وخروج الأمر. فقلت له على مضض غالب وبصوت خافت: قل له كأني بك وأنت تقول قد بلغ الكوكب الفلاني إلى الموضع الفلاني، وتهذي علي في هذا المعنى هذيانا لا يتسع له صدري، ولا يحتمله قلبي وجسمي، وما أقدر على سماع ما عندك فانصرف.
فخرج الحاجب وعاد متعجبا وقال: إما أن يكون [أبو] الحسين قد اختلّ وإما أن يكون عنده أمر عظيم، فإنني أعدت عليه ما قاله مولانا، فقال: ارجع وقل له والله لو أمرت بضرب رقبتي لما انصرفت أو أراك، ومتى أوردت عليك في معنى النجوم حرفا فحكمك ماض فيّ، وإذا سمعت ما أحدثّك به عوفيت في الوقت وزال ما تجده.
فعجبت من هذا القول عجبا شديدا مع علمي بعقل أبي الحسين وشدة تحقيقه وقلّة تحريفه، وتطلعت نفسي إلى ما عنده، فقلت: هاته! فلما دخل قبّل الأرض وبكى، وقال: أنت والله يا مولانا في عافية ولا خوف عليك، اليوم تبلّ وتستقلّ، ومعي دلالة على ذلك. قلت: وما هي؟ ولم أكن حدثته من قبل بحديث المنام الذي رأته أمي ولا سمعه أحد مني. فقال: رأيت البارحة في منامي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ﵇، والناس يهرعون إليه، ويجتمعون عليه، ويفاوضونه أمورهم، ويسألونه حوائجهم، وكأني قد تقدمت إليه وقلت له: يا أمير المؤمنين، أنا رجل في هذا البلد غريب، تركت نعمتي وتجارتي بالريّ، وتعلقت بخدمة هذا الأمير الذي أنا معه، وقد بلغ في علّته إلى حدّ أيس فيه من عافيته، وأخاف ان أهلك بهلاكه، فادع الله له بالسلامة. قال: تعني فنّاخسرو بن الحسن بن بويه؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، فقال: امض إليه غدا وقل له: أنسيت ما أخبرتك به أمّك عني في المنام الذي رأته وهي حامل بك؟ ألم أخبرها مدة عمرك وأنك ستعتلّ إذا بلغت كذا وكذا سنة علّة ييأس فيها منك أهلك وطبك، ثم تبرأ منها، وفي غد يبتدىء برؤك، ويتزايد إلى أن تركب وتعود إلى عاداتك كلها في كذا وكذا
يوما، ولا قاطع على أجلك إلى الوقت الذي أخبرتك به أمّك عني. قال الملك عضد الدولة: وقد كنت أنسيت أن أمي ذكرت ذلك في المنام [وأني] إذا بلغت هذه السنة من عمري اعتللت هذه العلّة التي ذكرها؛ فذكرت ذلك عند قول أبي الحسين ما قاله؛ فحين سمعت ما سمعته حدثت لي في الحال قوّة نفس لم تكن من قبل، وقلت: أقعدوني. فجاء الغلمان وأجلسوني. فلما استقللت على الفراش قلت لأبي الحسين: اجلس وأعد الحديث؛ فجلس وأعاد، وتولّدت بي شهوة الطعام، واستدعيت الطبّ فأشاروا بتناول غداء عمل في الوقت وأكلته، ولم يتصرم الوقت حتى أحسست بالصلاح الكثير، وتدرّجت العافية فركبت وعاودت عاداتي في اليوم الذي قاله أبو الحسين.
النص من طبعة دار صادر ببيروت (١٤١٧هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع