تجاوز إلى المحتوى

من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)

الباب الرابع في ذكر قرطبة التي كانت الخلافة بمصرها للأعداء قاهرة، وجامعها الأموي ذي (٢)

وكان الناصر علي بن حمّود - على عجمته، وبعده من الفضائل - يصغي إلى الأمداح، ويثيب عليها، ويظهر في ذلك آثار النسب العربي والكرم الهاشمي، ومن شعرائه المختصّين به ابن الحنّاط القرطبيّ، ومن شعره قوله:

راحت تذكّر بالنسيم الراحاوطفاء تكسر للجنوح جناحا
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
أخفى مسالكها الظلام فأوقدتمن برقها كي تهتدي مصباحا
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة

وعبادة بن ماء السماء، وكان معروفاً بالتشيع، وفيه يقول من قصيدة:

أبوكم عليٌّ كان بالشرق بدء ماورثتم، وذا بالغرب أيضاً سميّه
فصلّوا عليه أجمعون وسلّمواله الأمر إذ ولاّه فيكم وليّه ومدحه ابن درّاج القسطلّيّ بقوله:
لعلّك يا شمس عند الأصيلشجيت لشجو الغريب الذليل
للشاعر ابن دراج القسطلي، من قصيدة «لعلك يا شمس عند الأصيل»

فكوني شفيعي لابن الشّفيع ... وكوني رسولي لابن الرسول وكان أخوه القاسم بن حمّود أكبر منه بعشر سنين، وأمهما واحدة، وهي علوية، ولمّا قتل الناصر كان القاسم والياً على إشبيلية، وكان يحيى بن علي والياً على سبتة، فاختلفت أهواء البربر، فمال أكثرهم إلى القاسم لكونه غبن أوّلاً، وقدّم عليه أخوه الأصغر، وكونه قريباً من قرطبة، وبينهم وبين يحيى البحر، فلمّا وصلت رسلهم إلى القاسم لم يظهر فرحاً بالإمامة، وخاف أن تكون حيلةً من أخيه عليه، فتقهقر إلى أن اتضح له الحق، فركب إلى قرطبة، وبويع فيها بعد ستة أيّام من قتل أخيه، وأحسن السيرة، وأحس من البربر الميل إلى يحيى ابن أخيه عليّ صاحب سبتة، فتهالك في اقتناء السودان، وابتاع منهم كثيراً، وقوّدهم على أعماله، فأنفت البرابر من ذلك، وانحرفوا عنه.

وفي سنة تسع وأربعمائة قام عليه بشرق الأندلس المرتضى عبد الرحمن من أعقاب الناصر، لأن أهل الأندلس صعب عليهم ملك بني حمّود العلويين بسبب البرابر، فأرادوا رجوع الإمامة إلى بني مروان، واجتمع له أكثر ملوك الطوائف، وكان معه حين أقبل لقرطبة منذر التجيبيّ صاحب سرقسطة

وخيران العامري الصّقلبي صاحب المرية، وانضاف إليهم جمعٌ من الفرنج، وتأهّب القاسم والبرابرة للقائهم، فكان من الاتفاق العجيب أن فسدت نيّة منذر وخيران على المرتضى، وقالا: أرانا في الأوّل وجهاً ليس بالوجه الذي نراه حين اجتمع إليه الجم الغفير، وهذا ماكر غير صافي النيّة، فكتب خيران إلى ابن زيري الصّنهاجي المتغلب على غرناطة - وهو داهية البربر - وضمن له أنّه متى قطع الطريق على المرتضى عند اجتيازه عليه إلى قرطبة خذّل عن نصرته الموالي العامريين أعداء المروانيين وأصحاب رياسة الثغور، فأصغى ابن زيري إلى ذلك، وكتب المرتضى إلى ابن زيري يدعوه لطاعته، فقلب الكتاب، وكتب في ظهره " قل يا أيّها الكافرون - السورة " فأرسل إليه كتاباً ثانياً يقول فيه: قد جئتك بجميع أبطال الأندلس وبالفرنج، فماذا تصنع؟ وختم الكتاب بهذا البيت:

إن كنت منّا أبشر بخير ... أو لا فأيقن بكل شرّ فأمر الكاتب أن يحوّل الكتاب ويكتب على ظهره " ألهاكم التكاثر - السورة " فازداد حنقه، وحمله الغيظ إلى أن ترك السير إلى حضرة الإمامة قرطبة، وعدل إلى محاربته، وهو يرى أنّه يصطمله في ساعة من نهار، ودامت الحرب أياماً، وأرسل ابن زيري إلى خيران يستنجزه وعده، فأجابه: إنّما توقّفت حتى أرى مقدار حربنا وصبرنا، ولو كنّا ببواطننا معه، ما ثبت جمعك لنا، ونحن ننهزم عنه ونخذله في غد.

ولمّا كان من الغد رأى أعلام خيران وأعلام منذر وأصحاب الثغور قد ولّت عنه، فسقط في يد المرتضى، وثبت حتى كادوا يأخذونه، واستحرّ القتل، وصرع كثير من أصحابه، فلمّا خاف القبض عليه ولّى، فوضع خيران عيوناً فلحقوه بقرب وادي آش وقد جاوز بلاد البربر وأمن على نفسه، فهجموا عليه، فقتلوه وجاؤوا برأسه إلى المرية، وقد حل بها خيران ومنذر

فتحدث الناس أنّهما اصطبحا عليه سروراً بهلاكه.

وبعد هذه الواقعة أذعن أهل الأندلس للبرابرة، ولم يجتمع لهم بعدها جمع ينهضون به إليهم، وضرب القاسم بن حمّود سرادق المرتضى على نهر قرطبة، وغشيه خلق من النظارة وقلوبهم تتقطّع حسرات، وأنشد عبادة ابن ماء السماء قصيدته التي أوّلها:

لك الخير خيرانٌ مضى لسبيله ... وأصبح أمر الله في ابن رسوله وتمكّنت أمور القاسم، وولّى وعزل، وقال وفعل، إلى أن كشف وجهه في خلع طاعته ابن أخيه يحيى بن علي، وكتب من سبتة إلى أكابر البرابر بقرطبة: إن عمي أخذ ميراثي من أبي، ثم إنّه قدّم في ولاياتكم التي أخذتموها بسيوفكم العبيد والسودان، وأنا أطلب ميراثي، وأولّيكم مناصبكم، وأجعل العبيد والسودان كما هم عند الناس، فأجابوه إلى ذلكن فجمع ما عنده من المراكب وأعانه أخوه إدريس صاحب مالقة، فجاز البحر بجمع وافر، وحصل بمالقة مع أخيه، وكتب له خيران صاحب المريّة مذكراً بما أسلفه في إعانة أبيه، وأكّد المودّة فقال له أخوه إدريس: إن خيران رجل خدّاع، فقال يحيى: ونحن منخدعون فيما لا يضرنا، ثم إن يحيى أقبل إلى قرطبة واثقاً بأن البرابر معه، ففرّ القسم إلى إشبيلية في خمسة فرسان من خواصّه ليلة السبت من شهر ربيع الآخر سنة، وحلّ يحيى بقرطبة، فبايعه البرابر والسودان وأهل البلد يوم السبت مستهل جمادى الآخرة، وكان يحيى من النجباء، وأمّه فاطميّة، وإنّما كانت آفته العجب واصطناع السّفلة،

واشتط أكابر البرابر عليه، وطلبوا ما وعدهم من إسقاط مراتب السودان، فبذل لهم ذلك، فلم يقنعوا منه، وصاروا يفعلون معه ما يخرق الهيبة ويفرغ بيت المال، وفر السودان إلى عمّه بإشبيلية، ومن البرابر ومن جند الأندلس من احتجب عنهم يحيى وتكبر عليهم، ولم يمل إليه ملوك الطوائف، وبقي منهم كثير على الخطبة لعمّه القاسم، إلى أن اختلّت الحال بحضرة قرطبة، وأيقن يحيى أنّه متى أقام بها قبض عليه، وكان قد ولّى على سبتة أخاه إدريس، وبلغه أن أهل مالقة خاطبوا خيران وكاتبوه، فطمع خيران فيها، وفرّ يحيى في خواصه تحت الليل إلى مالقة، ولمّا بلغ القاسم فراره ركب من إشبيلية إلى قرطبة، فخطب له بها يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة، ولم تصلح الحال للقاسم منذ وصل إلى الحضرة، ووقع الاختلاف، وكان هوى السودان معه، وهوى كثير من البرابر مع يحيى، وهو أهل قرطبة مع قائم من بني أميّة يشيعون ذكره ولا يظهر، وكثر الإرجاف بذلك، ووقع الطلب على بني أميّة فتفرّقوا في البلاد، ودخلوا في أغمار الناس، وأخفوا زيّهم، ثم إن الخلاف وقع بين البربر وأهل قرطبة، وتكاثر البلديون، وأخرجوا القاسم وبرابرته فضرب خيمة بغربيها، وقاتلهم مدّة خمسين يوماً قتالاً شديداً، وبنى القرطبيون أبواب مدينتهم، وقاتلوا القاسم من الأسوار إلى أن طال عليهم الحصار، فهدموا باباً من الأبواب وخرجوا خرجة رجل واحد وصبروا فمنحهم الله تعالى الظفر، وفر السودان مع القاسم إلى إشبيلية، وفرّ البرابرة إلى يحيى وهو بمالقة، وكان فرار القاسم من ظاهر قرطبة يوم الخميس لثنتي عشرة ليلة خلت من شعبان سنة.

وكان ابنه محمد بن القاسم والياً على إشبيلية، وثقته المدبر لأمره محمد بن زيري من أكابر البرابرة، وقاضيها محمد بن عباد، فعمل القاضي لنفسه، وهو

جد المعتمد بن عباد، وأطمع ابن زيري في التملك، فأغلق الأبواب في وجه مصطنعه وحاربه، فقتل من البرابر والسودان خلق كثير، وابن عباد يضحك على الجميع، فيئس القاسم، وقنع أن يخرجوا إليه ابنه وأصحابه ويسير عنهم، فأخرجوهم إليه، فسار بهم إلى شريش. وعندما استقرّ بها وصل إليه يحيى ابن أخيه من مالقة ومعه جمع عظيم وحاصره في المدينة عشرين يوماً كانت فيها حروب صعاب، وقتل من الفريقين خلق كثير، وأجلت الحرب عن قهر يحيى لعمّه وإسلام أهل شريش له، وفرّ سودانه، وحصل القاسم وابنه في يد يحيى، وكان قد أقسم أنّه إن حصل في يده ليقتلنّه، ولا يتركه حتى يلي الإمامة بقرطبة مرّة ثانية، فرأى التربّص في قتله حتى يرى رأيه فيه، فحدّث عنه بعض أصحابه أنّه حمله بقيد إلى مالقة، وحبسه عنده، وكان كلّما سكر وأراد قتله رغّبه ندماؤه في الإبقاء عليه لأنّه لا قدرة له على الخلاص، وكان كلّما نام رأى والده عليّاً في النوم ينهاه عن قتله، ويقول له: أخي أكبر منّي، وكان محسناً إلي في صغري ومسلّماً لي عند إمارتي، الله الله فيه، وامتدت الحال على ذلك إلى أن قتله خنقاً بعد ثلاث عشرة سنة من حين القبض عليه، لأنّه كان قد حبسه في حصن من حصون مالقة، فنمي إليه أنّه قد تحدّث مع أهل الحصن في القيام والعصيان فقال: أو بقي في رأسه حديث بعد هذا العمر؟ فقتله سنة، وبقي أهل قرطبة بعد فرار القاسم عنها نيّفاً عن شهرين يرون رأيهم فيمن يبايعونه بالإمامة.

ولمّا كان يوم الثلاثاء نصف شهر رمضان سنة أحضر المستظهر وسليمان بن المرتضى وأموي آخر معه، فبايعا المستظهر، وقبّلا يده بعدما كان قد كتب عقد البيعة باسم سليمان بن المرتضى على ما ارتضاه الأماثل،

فبشر اسمه، وكتب اسم المستظهر وركب إلى القصر، وحمل معه ابني عمّه المذكورين فحسبهما، وكان قد رفع جماعة من الأتباع ذهب بهم العجب كل مذهب، كأبي عامر ابن شهيد المنهمك في بطالته، وأبي محمد ابن حزم المشهور بالرد على العلماء في مقالته، وابن عمّه عبد الوهاب بن حزم الغزل المترف في حالته، فأحقد بذلك مشايخ الوزراء والأكابر، وبادر المستظهر باصطناع البرابر، وأكرم مثواهم، وأحسن مأواهم، واشتغل مع ابن شهيد وابني حزم بالمباحثة في الآداب، ونظم الشعر والتمسّك بتلك الأهداب، والناس في ذلك الوقت أجهل ما يكون، وكان جماعة من أهل الشرّ في السجون يتعين أن لا يخرج منهم إنسان، فأخرج منهم شخصاً يقال له أبو عمران، وقد كان أشار بعض الوزراء عليه بعدم إخراجه، فأخرجه وخالفه في ذلك، ولم يقبل النصيحة، وفعل ما أداه إلى الفضيحة، فسعى القوم الذي خرجوا من الحبوس، على إفساد دولته وإبدال فرحه بالبوس، لما اشتغل عنهم بالأدباء والشعراء حسبما اقتضاه رأيه المعكوس، فسعوا في خلعه مع البرابر، وقتل في ذي القعدة من السنة التي بويع فيها وصار كأمس الدابر، بعد سبعة وأربعين يوماً من يوم بويع بالخلافة، وإذا أراد الله أمراً فلا يقد أحد أن يأتي خلافه، عمره ثلاث وعشرون سنة كأنّها سنة.

ومن شعر المستظهر المذكور، وهو من القريض الممدوح صاحب بالبلاغة المشكور:

طال عمر اللّيل عنديمذ تولّعت بصدّي
يا غزالاً نقض العهد ولم يوف بوعد
؟ أنسيت العهد إذ بتنا على مفرش ورد
واعتنقنا في وشاحٍوانتظمنا نظم عقد
ونجوم اللّيل تسريذهباً في لازورد وكتب إليه شاعر في طرسٍ مكشوط:
والطّرس مبشورٌ وفيه بشارةٌببقا الإمام الفاضل المستظهر
ملك أعاد العيش غضّاً ملكهوكذا يكون به طوال الأعصر فأجزل صلته، وكتب في ظهر الورقة:

قبلنا العذر في بشر الكتاب ... لما أحكمت في فصل الخطاب وقد قدّمنا في الباب الثالث شيئاً من هذه الأخبار، وما حصل بعد ذلك بقرطبة إلى أن تولّى الأمر ابن جهور في صورة الوزارة، ثم ابنه، إلى أن أخذ قرطبة منه المعتمد بن عباد، حسبما ذكر في أخباره.

ثم آل الأمر بعد ذلك كلّه إلى استيلاء ملوك العدوة من الملثّمين والمرحّدين، على قرطبة، إلى أن تسلّمها النصارى، أعادها الله تعالى للإسلام، كما يذكر في الباب الثامن.

وقال صاحب " مناهج الفكر " في ذكر قرطبة، ما ملخصه: فأمّا ما اشتمل عليه غرب الجزيرة، من البلاد الخطيرة، فمنها قرطبة، وكانت مقر الملك، ودار الإمارة، وأمّ ما عداها من البلاد، منذ افتتحها المسلمون سنة زمن الوليد بن عبد الملك إلى أن خرجت عن أيديهم، وتنقلت في أيدي ملوك المسلمين إلى أن وصلت إلى الناصر عبد الرحمن، فبنى في تجاهها مدينة سمّاها الزهراء، يجري بينهما نهر عظيم، انتهى.

[؟؟ استطراد في وصف المباني العامرة]

واعلم أن المباني دالة على عظيم قدر بانيها، كما ذكرناه في كلام الناصر

الذي طابت له من الزهراء مجانيها، ولم يزل البلغاء يصفون المباني، بأحسن الألفاظ والمعاني، ورأينا أن نذكر هنا بعض ذلك، زيادة في توسيع المسالك، فمن ذلك قول ابن حمديس الصقلي يصف داراً بناها المعتمد على الله:

ويا حبّذا دار قضى الله أنّهايجدّد فيها كلّ عزّ ولا يبلى
مقدّسة لو أن موسى كليمهمشى قدماً في أرضها خلع النّعلا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أغمر الهوى كم ذا تقطعني عذلا»
وما هي إلا خطّة الملك الذييخطّ إليه كلّ ذي أملٍ رجلا
إذا فتحت أبوابه خلت أنّهاتقول بترحيبٍ لداخلها أهلا
وقد نقلت صنّاعها من صفاتهإليها أفانيناً فأحسنت النّقلا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أغمر الهوى كم ذا تقطعني عذلا»
فمن صدره رحباً ومن نوره سناًومن صيته فرعاً ومن حلمه أصلا
فأعلت به في رتبة الملك نادياًوقلّ له فوق السّماكين أن يعلى
نسيت به إيوان كسرى لأنّنيأراه له مولىً من الحسن لا مثلا
كأنّ سليمان بن داود لم تبحمخافته للجنّ في صنعه مهلا
ترى الشمس فيه ليقةً تستمدّهاأكفٌّ أقامت من تصاويرها شكلا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أغمر الهوى كم ذا تقطعني عذلا»
لها حركاتٌ أودعت في سكونهافما تبعت في نقلهن يدّ رجلا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أغمر الهوى كم ذا تقطعني عذلا»

ولمّا عشينا من توقّد نورها ... تخذنا سناه في نواظرنا كحلا وقال من أخرى يصف دارا بناها المنصور بن أعلى الناس ببجاية:

اعمر بقصر الملك ناديك الذيأضحى بمجدك بيته معمورا
قصرٌ لو أنّك قد كحلت بنورهأعمى لعاد إلى المقام بصيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
واشتقّ من معنى الحياة نسيمهفيكاد يحدث للعظام نشورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
نسي الصبيح مع المليح بذكرهوسما ففاق خورنقاً وسديرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
ولو أنّ بالإيوان قوبل حسنهما كان شيئاً عنده مذكورا
أعيت مصانعه على الفرس الألىرفعوا البناء وأحكموا التّدبيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
ومضت على الروم الدهور وما بنوالملوكهم شبهاً له ونظيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
أذكرتنا الفردوس حين أريتناغرفاً رفعت بناءها وقصورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
فالمحسنون تزيّدوا أعمالهمورجوا بذلك جنّةً وحريرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
والمذنبون هدوا الصّراط وكفّرتحسناتهم لذنوبهم تكفيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
فلكٌ من الأفلاك إلا أنّهحقر البدور فأطلع المنصورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
أبصرته فرأيت أبدع منظرٍثمّ انثنيت بناظري مسحورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وظننت أنّي حالمٌ في جنّةٍلمّا رأيت الملك فيه كبيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وإذا الولائد فتّحت أبوابهجعلت ترحّب بالعفاة صريرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
عضّت على حلقاتهنّ ضراغمٌفغرت بها أفواهها تكشيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
فكأنهّا لبدت لتصهر عندهامن لم يكن بدخوله مأمورا
تجري الخواطر مطلقات أعنّةٍفيه فتكبو عن مداه قصورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
بمرخّم الساحات تحسب أنّهفرش المها وتوشّح الكافورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
ومحصّب بالدّرّ تحسب تربهمسكاً تضوّع نشره وعبيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
تستخلف الأبصار منه إذا أتىصبحاً على غسق الظلام منيرا

ثم ذكر بركة فيه عليها أشجار من ذهب وفضّة ترمي فروعها المياه، وتفنن فذكر أسوداً على حافاتها قاذفة بالمياه أيضاً، فقال:

وضراغم سكنت عرين رياسةٍتركت خرير الماء فيه زئيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
فكأنّما غشّى النّضار جسومهاوأذاب في أفواهها البلّورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
أسدٌ كأنّ سكونها متحرّكفي النّفس لو وجدت هناك مثيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وتذكّرت فتكاتها فكأنّماأقعت على أدبارها لتثورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وتخالها والشّمس تجلو لونهاناراً وألسنها اللّواحس نورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
فكأنّما سلّت سوف جداولذابت بلا ناءٍ فعدن غديرا
وكأنّما نسج النّسيم لمائهدرعاً فقدّر سردها تقديرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وبديعة الثمرات تعبر نحوهاعيناي بحر عجائبٍ مسجورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
شجريّة ذهبيّة نزعت إلىسحرٍ يؤثر في النّهى تأثيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
قد صولجت أغصانها فكأنّماقنصت بهنّ من الفضاء طيورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وكأنّما تأبى لواقع طيرهاأن تستقلّ بنهضها وتطيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
من كلّ واقعةٍ ترى منقارهاماءً كسلسال اللّجين نميرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
خرس تعدّ من الفصاح فإن شدتجعلت تغرّد بالمياه صفيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وتريك في الصّهريج موقع قطرهافوق الزّبرجد لؤلؤاً منثورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
ضحكت محاسنه إليك كأنّماجعلت لها زهر النجوم ثغورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
ومصفّح الأبواب تبراً نظّروابالنقش فوق شكوله تنظيرا
تبدو مسامير النّضار كما علتتلك النّهود من الحسان صدورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
خلعت عليه غلائلاً ورسيةًشمسٌ تردّ الطّرف عنه حسيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وإذا نظرت إلى غرائب سقفهأبصرت روضاً في السماء نضيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وعجبت من خطّاف عسجده التيحامت لتبني في ذراه وكورا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وضعت به صنّاعه أقلامهافأرتك كلّ طريدةٍ تصويرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وكأنّما للشمس فيه ليقةٌمشقوا بها التزويق والتّشجيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
وكأنّما باللاّزورد مخرّمٌبالخطّ في ورق السّماء سطورا
وكأنّما وشّوا عليه ملاءةتركوا مكان وشاحها مقصورا ثم مدح المنصور بعد ذلك، وختم القصيدة بقوله:
يا مالك الأرض الذي أضحى لهملك السماء على العداة نصيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»
كم من قصورٍ للملوك تقدّمتواستوجبت بقصورك التأخيرا
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «واعمر بقصر الملك ناديك الذي»

فعمرتها وملكت كلّ رياسةٍ ... منها ودمّرت العدا تدميرا قلت: لم أر لهذه القصيدة من نظير، في معناها اليانع النّضير، ولفظها العذب النّمير، الذي شمّر فيه قائلها عن ساعد الإجادة أيّ تشمير، غير أن فيها عندي عيباً واحداً، وهو ختمها بلفظ التدمير، وعلى كل حال فالحسن والإحسان، يقادان في أرسان، لعبد الجبار بن حمديس المذكور ذي المقاصد الحسان، وخصوصاً في وصف المباني والبرك، فما أبقى لسواه في ذلك حسناً ولا ترك.

ومن ذلك قوله في وصف بركة تجري إليها المياه من شاذروان من أفواه

طيور وزرافات وأسود، وكل ذلك في قصر أطنب في وصفه في قصيدة طويلة:

والماء منه سبائكٌ فضيّةٌ ... ذابت على دوحات شاذروان وكأنّما سيفٌ هناك مشطّبٌ ألقته يوم الحرب كفّ جبان

كم شاخصٍ فيه يطيل تعجّباًمن دوحة نبتت من العقيان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
عجباً له تسقي الرياض ينابعاًنبعت من الثمرات والأغصان
خصّت بطائرة على فننٍ لهاحسنت فأفرد حسنها من ثاني
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
قسّ الطيور الخاشعات بلاغةًوفصاحةً من منطقٍ وبيان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
فإذا أتيح الكلام تكلّمتبخرير ماء دائم الهملان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وكأنّ صانعها استبدّ بصنعةٍفخر الجماد بها على الحيوان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
أوفت على حوضٍ لها فكأنّهامنها على العجب العجاب رواني
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
فكأنّها ظنّت حلاوة مائهاشهداً فذاقته بكلّ لسان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وزرافة في الجوف من أنبوبهاماء يريك الجري في الطيران
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
مركوزة كالرمح حيث ترى لهمن طعنه الخلق انعطاف سنان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وكأنّما ترمي السماء ببندقٍمستنبطٍ من لؤلؤ وجمان
لو عاد ذاك الماء نفطاً أحرقتفي الجوّ منه قميص كلّ عنان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
في بركةٍ قامت على حافاتهاأسدٌ تذلّ لعزّة السلطان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
نزعت إلى ظلم النفوس نفوسهافلذلك انتزعت من الأبدان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وكأنّ برد الماء منها مطفئناراً مضرّمةً من العدوان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وكأنّما الحيّات من أفواههايطرحن أنفسهنّ في الغدران
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»
وكأنّما الحيتان إذ لم تخشهاأخذت من المنصور عقد أمان
للشاعر ابن حمديس، من قصيدة «أعليت بين النجم والدبران»

وهاتان القصيدتان لابن حمديس - كما في المناهج - مع طولهما تدلان على الإبداع الذي ابتكره، والاختراع الذي ما ولج سمع أحدٍ من الفضلاء إلا شكره.

وقال أبو الصّلت أميّة بن عبد العزيز الأندلسي يصف قصراً بمصر يسمى منزل العز بناه حسن بن علي [بن يحيى] بن تميم بن المعزّ العبيدي:

منزل العزّ كاسمه معناهلا عدا العزّ من به سمّاه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
منزلٌ ودّت المنازل في أعلى ذراه لو صيّرت إيّاه
فأجل فيه لحظ عينيك تبصرأيّ حسنٍ دون القصور حواه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
سال في سقفه النّضار ولكنجمدت في قراره الأمواه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وبأرجائه مجال طرادٍليس تنفكّ من وغىً خيلاه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تبصر الفارس المدجّج فيهليس تدمى من الطعان قناه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وترى النابل المواصل للنزع بعيداً من قرنه مرماه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وصفوفاً من الوحوش وطير الجوّ كلٌّ مستحسنٌ مرآه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
سكناتٌ تخالها حركاتٍواختلافٌ كأنّه إشباه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
كمحّيا الحبيب حرفاً بحرفٍما تعدّى صفاته إذ حكاه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
ورده وجنتاه، نرجسه الفتان عيناه، آسه عارضاه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
وكأنّ الكافور والمسك في الطيب وفي اللون صبحه ومساه
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

منظرٌ يبعث السرور ومرأى ... يذكر المرء طيب عصر صباه وقال أبو الصّلت أميّة الأندلسي المذكور يذكر بناء بناه عليّ بن تميم ابن المعزّ العبيدي:

لله مجلسك المنيف قبابهبموطّدٍ فوق السّماك مؤسّس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
موفٍ على حبك المجرّة تلتقيفيه الجواري بالجواري الكنّس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
تتقابل الأنوار من جنباتهفالليل فيه كالنّهار المشمس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
عطفت حناياه دوين سمائهعطف الأهلّة والحواجب والقسي
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
واستشرفت عمد الرخام وظوهرتبأجلّ من زهر الربيع وأنفس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فهواؤه من كلّ قدّ أهيفٍوقراره من كلّ خدٍّ أملس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فلكٌ تحيّر فيه كلّ منجّمٍوأقرّ بالتقصير كلّ مهندس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فبدا للحظ العين أحسن منظرٍوغدا لطيب العيش خير معرّس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
فاطلع به قمراً إذا ما أطلعتشمس الخدور عليك شمس الأكؤس
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

فالناس أجمع دون قدرك رتبةً ... والأرض أجمع دون هذا المجلس ويعجبني قول أبي الصّلت أميّة المذكور يصف حال زيادة النيل ونقصانه:

ولله مجرى النيل منها إذا الصّباأرتنا به من مرّها عسكراً مجرا
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة
إذا زاد يحكي الورد لوناً وإن صفاحكى ماءه لوناً ولم يعده نشرا

وقال رحمه الله تعالى يصف الرصد الذي بظاهر مصر:

يا نزهة الرصد اللائي قد اشتملتمن كلّ شيء حلا في جانب الوادي

فذا غديرٌ، وذا روض، وذا جبل ... والضبّ والنّون والملاّح والحادي وهو مأخوذ من قول الأول يصف قصر أنس بالبصرة:

زر وادي القصر، نعم القصر والواديلا بدّ من زورة من غير ميعاد
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
زره فليس له ندٌّ يشاكلهمن منزلٍ حاضرٍ إن شئت أو بادي
تلقى به السّفن والظلمان حاضرةًوالضبّ والنون والملاّح والحدي وقال رحمه الله تعالى يذكر الهرمين:
بعيشك هل أبصرت أحسن منظراًعلى طول ما عاينت من هرمي مصر
أنافا بأعنان السّماء، وأشرفاعلى الجوّ إشراف السّماك أو النّسر
للشاعر أبو الصلت الداني، اقرأ القصيدة

وقد وافيا نشزاً من الأرض عالياً ... كأنهما ثديان قاما على صدر وستأتي ترجمته إن شاء الله تعالى في الباب الخامس.

وعلى ذكر الأنهار والبرك فما أحسن قول بعض الأندلسيين يصف بركة عليها عدّة فوّارات:

غضبت مجاريها فأظهر غيظهاما في حشاها من خفيّ مضمر
وكأنّ نبع الماء من جنباتهاوالعين تنظر منه أحسن منظر
قضبٌ من البلّور أثمر فرعهالمّا انتهت باللؤلؤ المتحدّر وقال ابن صارة الأندلسي يصف ماء بالرقة والصفاء:
والنّهر قد رقّت غلالة خصرهوعليه من صبغ الأصيل طراز

تترقرق الأمواج فيه كأنّها ... عكن الخصور تهزها الأعجاز وما أحسن قول بعض الأدباء ولم يحضرني الآن اسمه:

والنّهر مكسوٌّ غلالة فضّةٍفإذا جرى سيلاً فثوب نضار
للشاعر محمد بن الحسين االطبني الطاري التميمي، اقرأ القصيدة
وإذا استقام رأيت صفحة منصلٍوإذا استدار رأيت عطف سوار وقال ابن حمديس المغربي يصف نهراً بالصفاء:
ومطّرد الأمواج يصقل متنهصباً أعلنت للعين ما في ضميره

جريح بأطراف الحصى كلّما جرى ... عليها شكا أوجاعه بخريره وهذا النهج متّسع، ولم نطل السير في هذه المهامه، وإنّما ذكرنا بعض كلام المغاربة ليتنبه به منتقصهم من سنة أوهامه، ولأن في أمرها عبرة لمن عقل، إذا أصدأ مرآة حسنها ولطالما كان لمتنها صقل.

[البكاء على خراب العمران]

وقد وقفت على كلام لصاحب المناهج في هذا المعنى فأحببت ذكره ملخصاً، وهو: ونلحق بذكر المنازل التي راق منظرها، وفاق مخبرها، وارتفع بناؤها، واتسع فناؤها، طرفاً من الكلام على ما عفاه الدهر من رسومها، ومحاه من محاسن صور كانت أرواحاً لجسومها. وصف أعرابي محلة قومٍ ارتحلوا عنها فقال نثراً: ارتحلت عنها ربّات الخدور، وأقامت بها أثافيّ القدور، ولقد كان أهلها يعفون آثار الرياح فعفت الرياح آثارهم، وذهبت بأبدانهم وأبقت أخبارهم، والعهد قريب، واللقاء بعيد.

وقال عمر بن أبي ربيعة فأحسن:

يا دار أمسى دارساً رسمهاوحشاً قفاراً ما بها آهل

قد جرّت الريح بها ذيلها ... واستنّ في أطلالها الوابل ومن كلام الفتح بن خاقان، في قلائد العقيان، يذكر آل عبّاد من فصل أكثر فيه التفجّع، وأطال به التوجّع: والغصون تختال في أدواحها، والأزاهر يحيي ميت الصبابة شذا أرواحها، وأطيار الرياض قد أشرفت عليهم كثكالى ينحن على خرابها، وانقراض أطرابها، والوهي بمشيدها لاعب، وعلى كل جدار منها غراب ناعب، وقد محت الحوادث ضياءها، وقلّصت ظلالها وأفياءها، ولطالما أشرقت بالخلائف وابتهجت، وفاحت من

شذاهم وأرجت، أيّام نزلوا خلالها، وتفيّأوا ظلالها، وعمروا حدائقها وجنّاتها، ونبّهوا الآمال من سناتها، وراعوا الليوث في آجامها، وأخجلوا الغيوث عند انسجامها، فأصبحت ولها بالتداعي تلفّع واعتجار، ولم يبق من آثارها إلاّ نؤي وأحجاء، قد هوت قبابها، وهرم شبابها، وقد يلين الحديد، ويبلى على طيّه الجديد.

وقال أبو صخر القرطبي يذكر ذلك من أبيات ينعاهم بها:

ديار عليها من بشاشة أهلهابقايا تسرّ النفس أنساً ومنظرا
ربوع كساها المزن من خلع الحيابروداً وحلاّها من النّور جوهرا

تسرّك طوراً ثمّ تشجيك تارةً ... فترتاح تأنيساً وتشجى تذكّرا ومن كلام أبي الحسن القاشاني يصف نادي رئيسٍ خلا من ازدحام الملا، وعوّضه الزمان من تواصل أحبابه هجراً وقلى: " قد كان منزله مألف الأضياف، ومأنس الأشراف، ومنتجع الرّكب، ومقصد الوفد، فاستبدل بالأنس وحشة، وبالضياء ظلمة، واعتاض من تزاحم المواكب، تلاطم النّوادب، ومن ضجيج النداء والصّهيل، عجيج البكاء والعويل.

ومن رسالة لابن الأثير الجزريّ يصف دمنة دارٍ لعبت بها أيدي الزمن، وفرقت بين المسكن والسكن: كانت مقاصير جنّة، فأصبحت وهي ملاعب جنّة، وعميت أخبار قطّنها، وآثار أوطانها، حتى شابهت إحداهما في الخفاء، والأخرى في العفاء، وكنت أظن أنّها لا تسقى بعدهم بغمام، ولا يرفع عنها جلباب ظلام، غير أن السحاب بكاهم فأجرى بها هوامع دموعه، واللّيل شقّ عليهم جيوبه فظهر الصباح من خلال صدوعه ".

وقد لمح في تعض كلامه قول الشريف من أبيات يصف فيها ما كان في الحيرة من منازل النعمان بن المنذر:

ما زلت أطّرق المنازل باللّوىحتى نزلت منازل النّعمان
بالحيرة البيضاء حيث تقابلتشمّ العماد عريضة الأعطان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
شهدت بفضل الرّافعين قبابهاويبين بالبنيان فضل الباني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
ما ينفع الماضين أن بقيت لهمخططٌ معمّرةٌ بعمرٍ فاني يقول فيها:
ولقد رأيت بدير هندٍ منزلاًألماً من الضّرّاء والحدثان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
يغضي كمستمع الهوان تغيّبتأنصاره وخلا من الأعوان
بالي المعالم أطرقت شرفاتهإطراق منجذب القرينة عاني
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
أمقاصر الغزلان غيّرك البلىحتى غدوت مرابض الغزلان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
وملاعب الإنس الجميع طوى الرّدىمنهم فصرت ملاعب الجنّان ومنها:
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
مسكيّة النّفحات تحسب تربهابرد الخليع معطّر الأردان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»
وكأنّما نسي التّجار لطيمةًجرت الرّياح بها على القيعان
ماء كجيب الدّرع يصقله الصّباويفي بدوحته النّسيم الواني
زفر الزّمان عليهم فتفرّقواوجلوا عن الأوطار والأوطان
للشاعر الشريف الرضي، من قصيدة «ما زلت أطرق المنازل بالنوى»

وقال أبو إسحاق الصابي، وتوارد مع الشريف الرضي في بالمعنى والقافية، يصف قصر روحٍ بالبصرة:

أحبب إليّ بقصر روحٍ منزلاًشهدت بنيته بفضل الباني
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
سورٌ علا وتمنّعت شرفاتهفكأنّ إحداهنّ هضب أبان
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وكأنّما يشكو إلى زوّارهبين الخليط وفرقة الجيران
للشاعر أبو إسحاق الصابي، اقرأ القصيدة
وكأنّما يبدي لهم من نفسهإطراق محزون الحشا حرّان ولأحمد بن فرج الإلبيري من الأبيات:
سالت بها فما ردّت جواباًعليك، وكيف تخبرك الطّلول؟
ومن سفه سؤالك رسم دارٍمضى لعفائه زمنٌ طويل
فإن تك أصبحت قفراً خلاءلعينك في مغانيها همول
فقدماً قد نعمت قرير عينٍبها وبربعها الرشأ الكحيل وقال أبو عبد الله بن الحنّاط الأندلسي الأعمى:
لو كنت تعلم ما بالقلب من نارلم توقد النار بالهنديّ والغار
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
يا دار علوة قد هيّجت لي شجناًوزدتني حرقاً، حيّيت من دار
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
كم بتّ فيك على اللذّات معتكفاًواللّيل مدّرعٌ ثوباً من القار
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة
كأنّه راهبٌ في المسح ملتحفٌشدّ المجدّ له وسطاً بزنّار
للشاعر ابن الحناط، اقرأ القصيدة

يدير فيه كؤوس الراح ذو حورٍ ... يدير من طرفه ألحظ سحّار ولا مزيد في التفجّع على الديار والتوجع للدمن والآثار، على قول البحتري من قصيدة يرثي بها المتوكّل:

محلّ على القاطول أخلق داثرهوعادت صروف الدهر جيشاً تغاوره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
كأن الصّبا توفي نذوراً إذا انبرتتراوحه أذيالها وتباكره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
وربّ زمانٍ ناعمٍ ثمّ عهدهترقّ حواشيه ويونق ناضره
للشاعر البحتري، من قصيدة «مَحَلٌّ على القَاطُولِ أخْلَقَ داثِرُهْ»
تغيّر حسن الجعفريّ وأنسهوقوّض بادي الجعفريّ وحاضره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
تحمّل عنه ساكنوه فجاءةفعادت سواء دوره ومقابره
للشاعر البحتري، من قصيدة «مَحَلٌّ على القَاطُولِ أخْلَقَ داثِرُهْ»
إذا نحن زرناه أجدّ لنا الأسىوقد كان قبل اليوم يبهج زائره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
ولم أنس وحش القصر إذ ريع سربهوإذ ذعرت أطلاؤه وجآذره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
وإذ صيح فيه بالرحيل فهتّكتعلى عجلٍ أستاره وستائره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
وأوحشه حتى كأن لم يكن بهأنيسٌ ولم تحسن لعينٍ مناظره
كأن لم تبت في الخلافة طلقةبشاشتها والملك يشرق زاهره
ولم تجمع الدّنيا إليه بهاءهاوبهجتها والعيش غضٌّ مكاسره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
فأين الحجاب الصعب حيث تمنّعتبهيبتها أبوابه ومقاصره
للشاعر البحتري، من قصيدة «محل على القاطول أخلق داثره»
وأين عميد الناس في كل نوبةتنوب وناهي الدهر فيهم وآمره وعلى قول أبي إسحاق بن خفاجة الأندلسي:
ومرتبعٍ حططت الرحل فيهبحيث الظّلّ والماء القراح
تخرّم حسن منظره مليكٌتخرّم ملكه القدر المتاح

فجرية ماء جدوله بكاء ... عليه، وشدو طائره نواح وهذا النوع من البكاء على الدمن، والتأسف على ما فعلت بها أيدي الزمن،

كثير جدّاً، لا يعرف الباحث عنه له حدّاً، وذلك لشدة ولوع النفوس بذكر أحبابها، وحنينها إلى أماكنها التي هي مواطن أطرابها، ولهذا اقتصرنا على هذه النبذة القليلة، وجعلناها نغبة يشفي المشوق بها غليله، وقد كره بعض العقلاء التأسف على الديار لعلمهم أنّه لا يجدي، ولا يدفع عادية الدهر الخؤون ولا يعدي، ونهوا عنه لما فيه من تجديد المصاب، المجرّع لصاحبه الصاب والأوصاب.

قال أبو عمر بن عبد البر:

عفت المنازل غير أرسم دمنةحيّيتها من دمنةٍ ورسوم
كم ذا الوقوف ولم تقف في منسكٍكم ذا الطواف ولم تطف بحريم

فكل الديار إلى الجنائب والصّبا ... ودع القفار إلى الصدى والبوم انتهى كلامه رحمه الله تعالى بأكثر لفظه مع بعض اختصار.

رجع إلى قرطبة - فنقول:

[رسائل للسان الدين]

وقد ألمّ لسان الدين بن الخطيب رحمه الله تعالى بذكر قرطبة وبعض أوصافها في كتاب له كتبه على لسان سلطانه إلى رسول الله ﷺ، وقد ذكرناه بجملته في الباب الخامس من القسم الثاني فليراجع ثمّة، ونص محلّ الحاجة منه هنا: ثم كان الغزو إلى أم البلاد، ومثوى الطارف والتّلاد، قرطبة، وما قرطبة؟ المدينة التي على عمل أهلها في القديم بهذا الإقليم كان العمل، والكرسيّ الذي بعصاه رعي الهمل، والمصر الذي له في خطّة المعمور الناقة والجمل، والأفق الذي هو لشمس الخلافة العبشمية الحمل، فخيم الإسلام

في عقوتها المستباحة، وأجاز نهرها المعيي على السباحة، وعمّ دوحها الأشب بواراً، وأدار المحلاّت بسورها سواراً، وأخذ بمخنّقها حصاراً، وأعمل النصر بشجرة أصلها اجتناء ما شاء واهتصاراً، وجدّل من أبطالها من لم يرض جهاراً، ورفعت الأعلام إعلاماً بعزّ الإسلام وإظهاراً، فلولا استهلال الغوادي، وأن أتى الوادي، لأفضت إلى فتح الفتوح تلك المبادي، ولقضى تفثه العاكف البادي. انتهى.

وممّا كتب به لسان الدين - رحمه الله تعالى - في وصف هذه الغزوة لسلطان بني مرين على لسان صاحب الأندلس، ما صورته: المقام الذي نطالعه بأخبار الجهاد، ونهدي إليه عوالي العوالي صحيحة الإسناد، ونبشره بأخبار الفتح البعيد الآماد، ونسأل الله تعالى له توالي الإسعاف ودوام الإسعاد والإمداد، ونرتقب من صنع الله تعالى على يديه تكييفاً يخرق حجاب المعتاد، وامتعاضاً يطلع بآفاق البلاد نجوم غرر الجياد، ويفتح أبوا بالفتوح بأقاليد السيوف الحداد، وينبئ عن مكارم من سلف من الآباء الكرام والأجداد، مقام محل أخينا الذي نستفتح له بالفتح والظهور، ونهدي إلى مجده لما نعلم من فضل نيّته وحسن قصده لطائف السرور، ونستظهر بملكه المؤيد المؤمّل ومجده المشهور، ونتوعد منهما العدوّ بالحبيب المذخور والولي المنصور، السلطان الكذا ابن السلطان الكذا ابن السلطان الكذا أبقاه الله تعالى عالي القدر، قرير العين منشرح الصدر، ولا زال حديث فخره سائراً مسير الشمس والبدر، عظّم سلطانه الخليق بالتعظيم، الواثق منه بالذّخر الكريم، المثني على

مجده الصّميم وفضله العميم، أمير المسلمين عبد الله الغني بالله محمد ابن أمير المسلمين أبي الحجّاج ابن أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن فرج بن نصر: سلام كريم، برّ عميم، يخص مقامكم الأعلى، وأخوّتكم الفضلى، ورحمة الله وبركاته. أما بعد حمد الله ربّ العباد، وملهم الرشاد، ومكيّف الإسعاف والإسعاد، الولي النصير الذي نلقي إلى التوكّل عليه مقاليد الاعتماد، ونمد إلى إنجاده أيدي الاعتداد، ونرفع إليه أكفّ الاستمداد، ونلخص لوجهه الكريم عمل الجهاد، فنتعرّف عوارف الفضل المزداد، ونجتني ثمار النصر من أغصان القنا الميّاد، ونجتلي وجوه الصنع الوسيم أبهر من وجه الصباح الباد، ونظفر بالنعيم العاجل في الدنيا والنعيم الآجل يوم قيام الأشهاد، ونتفيّأ ظلال الجنّة من تحت أوراق السيوف الحداد، والصلاة على سيّدنا ومولانا محمّد رسوله النبيّ الهاد، رسول الملحمة المؤيّد بالملائكة الشداد، ونبيّ الرحمة الهامية العهاد، أكرم الخلق بين الرائح والغائد، ذي اللواء المعقود والحوض المورود والشفاعة في يوم التّناد، الذي بجاهه نجدع أنوف الآساد يوم الجلاد، وببكرته ننال أقصى الأمل والمراد، وفي مرضاته نصل أسباب الوداد، فنعود بالتّجر الرابح من مرضاة رب العباد، ونستولي من ميدان السعادة المعادة على الآماد، والرضى عن آله وصحبه وأنصاره وحزبه الكرماء الأمجاد، دعائم الدين من بعده وهداة العباد، أنجاد الأنجاد وآساد الآساد، الذين ظاهروه في حياته بالحلوم الراجحة الأطواد، والبسالة التي لا تنال بالعدد في سبيل الله والأعداد، حتى بوّأوا الإسلام في القواعد الشهيرة والبلاد، وأرغموا أنوف أهل الجحد والإلحاد، فأصبح الدين رفيع العماد، منصور العساكر والأجناد، مستصحب العزّ في الإصدار والإيراد، والدعاء لمقامكم الأعلى بالسّعد الذي يغني عن اختيار الطوالع وتقويم الميلاد، والنصر الذي تشرق أنباؤه في

جنح ليل المداد، والصنع الذي شرع له أبواب التوفيق والسّداد، من حمراء غرناطة حرسها الله واليسر وثيق المهاد، والخير واضح الأشهاد، والحمد لله في المبدإ والمعاد، والشكر له على آلائه المتصلة التّرداد، ومقامكم الذخر الكافي العتاد، والمردد المتكفّل بالإنجاد، وإلى هذا وصل الله سعدكم، وحرس مجدكم، ووالى نصركم وعضّدكم وبلغكم من فضله العمين أملكم وقصدكم، فإنّنا نؤثر تعريفكم بتافه المتزايدات، ونورد عليكم أشتات الأحوال المتجدّدات، إقامةً لرسم الخلوص في التعريف بما قلّ، ومودة خالصة في الله، ﷿، فكيف إذا كان التعريف بما تهتز منابر الإسلام ارتياحاً لوروده، وتنشرح الصدور منه لمواقع فضل الله وجوده، والمكيّفات البديعة الصفات في وجوده، وهو أنّنا قدّمنا إعلامكم بما نويناه من غزو مدينة قرطبة أمّ البلاد الكافرة، ومقر الحمية المشهودة والخيرات الوافرة، والقطر الذي عهده بإلمام الإسلام متقادم، والركن الذي لا يتوقّع صدمة صادم، وقد اشتمل سورها من زعماء ملّة الصليب على كل رئيس بئيس، وهزبر ootnote>، وذي مكر وتلبيس، ومن له سمة تذيع مكانه وتشيعه، وأباع على المنشط والمكره تطيعه، فاستدعينا المسلمين من أقاصي البلاد، وأذعنا في الجهات نفير الجهاد، وتقدّمنا إلى الناس بسعة الأزواد، وأعطينا الحركة التي تخلف المسلمون فيها وراءهم جمهور الكفر من الأقطار والأعداد حقّها من الاستعداد، وأفضنا العطاء والاستلحاق والاستركاب في أهل الغناء

وأبطال الجلاد، فحشر الخلق في صعيد، وأخذوا الأهبة والزينة في عيد سعيد، وشمل الاستدعاء كل قريب وبعيد عن وعد ووعيد، ورحلنا وفضل الله شامل، والتوكّل عليه كافٍ كافل، وخيّمنا بظاهر الحضرة حتى استوفى الناس آرابهم، واستكملوا أسرابهم، ودسنا منهم بلاد النصارى بجموع كثرها الله وله الحمد وأنماها، وأبعد في التماس ما عنده من الأجر منتماها، وعندما حللنا قاشرة وجدنا السلطان دون بطره مؤمل نصرنا وإنجادنا، ومستعيد حظّه من لواحق جهادنا، ومقتضي دين كدحه بإعانتنا إيّاه وإنجادنا، قد نزل بظاهرها في محلات ممّن استقر على دعوته، وتمسّك بطاعته، وشمله حكم جماعته، فكان لقاؤنا إيّه على حالٍ أقرّت عيون المسلمين، وتكفّلت بإعزاز الدين، ومجملها يغني عن التعيين، والشرح والتبيين، ورأى هو ومن معه من وفور جيش الله ما هالهم، وأوشكّ في حال اليقظة خيالهم، من جموع تسدّ الفضا، وأبطال تقارع أسود الغضا، وكتائب منصورة، ورايات منشورة، وأمم محشورة، تفضل عن مرأى العين، وترجي العدوّ في مهاوي الحين، فاعترفوا بما لم يكن في حسابهم، واعتبر في عزّة الله سبحانه أولو ألبابهم، وإذا كثّر الله تعالى العدد نما وزكا، وإذا أزاح العلل ما اعتذر غازٍ ولا شكا، وسالت من الغد الأباطح بالأعراف، وسمت الهوادي إلى الاستشراف، وأخذ الترتيب حقّه من المواسط الجهاديّة والأطراف، وأحكمت التعبية التي لا ترى العين فيها خللاً، ولا يجد الاعتبار عندها دخلاً، وكان النزول على فرسخ من عدوة النهر الأعظم من خارج المدينة أنجز الله تعالى وعد دمارها، وأعادها إلى عهدها في الإسلام وشعارها، ومحا ظلام الكفر من آفاقها بملة الإسلام وأنوارها، وقد برزت من حاميتها شوكة سابغة الدروع، وافرة الجموع، واستجنّت

من أسوار القنطرة العظمى بحمىً لا يخفر، وأخذ أعقابها من الحماة والكماة العدد الأوفر، فبادر إليهم سرعان خيل المسلمين فصدقوهم الدفاع والقراع، والمصال والمصاع، وخالطوهم هبراً بالسيوف، ومباكرة بالحتوف، فتركوهم حصيداً، وأذاقوهم وبالاً شديداً، وجدّلوا منهم جملة وافرة، وأمة كافرة، وملكوا بعض تلك الأسوار فارتفعت بها راياتهم الخافقة، وظهرت عليها عزماتهم الصادقة، واقتحم المسلمون الوادي سبحاً في غمره، واستهانةً في سبيل الله بأمره، وخالطوا حامية العدو في ضفته فاقتلعوها، وتلّقوا بأوائل الأسوار ففرعوها، فلو كنّا في ذلك اليوم على عزم من القتال، وتيسير الآلات وترتيب الرجال، لدخل البلد، وملك الأهل والولد، لكن أجار الكفّار من الليل كافر، وقد هلك منهم عدد وافر، ورجع المسلمون إلى محلاتهم ونصر الله سافر، والعزم ظافر، ومن الغد خضنا البحر الذي جعلنا العزم فيه سفينا، والتوكل على الله للبلاغ ضمينا، ونزلنا من ضفّته القصوى منزلاً عزيزاً مكينا، بحيث يجاور سورها طنب القباب، وتصيب دورها من بين المخيمات بوارق النشّاب، وبرزت حاميتها على متعددات الأبواب، مقيمة أسواق الطعان والضّراب، فآبت بصفقة الخسر والتباب، ولما شرعنا في قتالها، ورتبنا أشتات النّكايات لنكالها، وإن كنا لم نبق على مطاولة نزالها، أنزل الله المطر الذي قدم بعهاده العهد، وساوى النجد من طوفانه الوهد، وعظم به الجهد، ووقع الإبقاء على السلاح، والكفّ بالضرورة عن الكفاح، وبلغ المقام عليها، والأخذ بمخنّقها والثّواء لديها، خمسة أيّام لم تخل فيها من اقتراع، ولا الأبواب من دفاع عليها وقراع، وأنفذت مقاتل الستائر أنقاباً، وارتقب الفتح الموعود ارتقاباً، وفشت في

أهلها الجراح والعيث والصّراح، وساءهم المساء بعزة الله والصّباح، ولولا عائق المطر لكان الإجهاز والاستفتاح، والله بعدها الفتّاح، وصرفت الوجوه إلى تخريب العمران، وتسليط النيران، وعقر الأشجار، وتعفية الآثار، وأتى منها العفاء على المصر الشهير في الأمصار، وتركت زروعها المائحة عبرة لأولي الأبصار، ورحلنا عنها وقد ألبسها الدخان حداداُ، ونكس من طغاتها أجياداً، فاعتادت الذلّ اعتياداً، والفت الهون قياداً، وكادت أن تستباح عنوة لولا أن الله تعالى جعل لها ميعاداً، وأتى القتل من أبطالها، ومشاهير رجالها، ممّن يبارز ويناطح، ويماسي بالناس ويُصابح، على عدد جمّ أخبرت سيماهم المشهورة بأسمائهم، ونبّهت علاماتها على نبهائهم، وظهر إقدام المسلمين في المعتركات، وبروزهم بالحدود المشتركات، وتنفيلهم الأسلاب، وقودهم الخيل المسوّمة قود الغلاب، وكان القفول، وقد شمل الأمن والقبول، وحصل الجهاد المقبول، وراع الكفر العزّ الذي يهول، والإقدام الذي شهدت به الرماح والخيول، وخاض المسلمون من زرع الطرق التي ركبوها، والمنازل التي استباحوها وانتهبوها، بحوراً بعد منها الساحل، وفلاحة مدركة تتعدد فيها المراحل، فصيروها صريماً، وسلّطوا عليها النار غريماً، وحلّوا بظاهر حصن أندوجر وقد أصبح مألف أذمار غير أوشاب، ووكر طيور نشاب، فلمّا بلونا مراسه صعباً، وأبراجه ملئت حرساً شديداً وشهباً، ضننّا بالنفوس أن تفيض دون افتتاحه، فسلّطنا العفاء على

النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من القسم الأول

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.