من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
تتمة
وقال ابن ظافر: أخبرني من أثق به قال: اجتمع الوزير أبو بكر ابن القبطرنة والأستاذ أبو العباس ابن صارة في يوم جلا ذهب برقه، وأذاب ورق ودقه، والأرض قد ضحكت لتعبيس السماء، واهتزت وربت عند نزول الماء، فترافدا في صفتها، فقال ابن صارة:
هذي البسيطة كاعب أبرادهاحلل الربيع وحليها النوار فقال ابن القبطرنة:
وكأن هذا الجو فيها عاشقٌقد شفّه التعذيب والإضرار فقال ابن صارة:
فإذا شكا فالبرق قلبٌ خافقٌوإذا بكى فدموعه الأمطار فقال ابن القبطرنة:
فمن أجل عزّة ذا وذلّة هذهتبكي الغمام وتضحك الأزهار
وقال أبو بكر محمد بن [الحسن] الزبيدي النحوي صاحب الشرطة يخاطب الوزير أبا الحسن جعفر بن عثمان المصحفي لما كتب كتاباً له فيه " فاضت نفسه " بالضاد مبيناً له الخطأ دون تصريح:
قل للوزير السنيّ محتدهلي ذمّةٌ منك أنت حافظها
عناية بالعلوم معجزةٌقد بهظ الأولين باهظها
يقرّ لي عمرها ومعمرهافيها ونظّامها وجاحظها
قد كان حقاً قبول حرمتهالكنّ صرف الزمان لافظها
وفي خطوب الزمان لي عظةٌلو كان يثني النفوس واعظها
إن لم تحافظ عصابةٌ نسبتإليك قدماً فمن يحافظها
لا تدعن حاجتي بمطرحةٍفإنّ نفسي قد فاظ فائظها فأجابه المصحفيّ:
خفّض فواقاً فأنت أوحدهاعلماً ونقّابها وحافظها
كيف تضيع العلوم في بلدٍأبناؤها كلّهم يحافظها
ألفاظهم كلّها معطّلةٌمالم يعوّل عليك لافظها
من ذا يساويك إن نطقت وقدأقرّ بالعجز عنك جاحظها
علمٌ ثنى العالمين عنك كماثنى عن الشمس من يلاحظها
وقد أتتني فديت شاغلةٌللنفس أن قلت فاظ فائظها
فأوضحنها تفز بنادرةٍقد بهظ الأوّلين باهظها فأجابه الزبيدي، وضمن شعره الشاهد على ذلك:
أتاني كتابٌ من كريمٍ مكرّمٍفنفّس عن نفسٍ تكاد تفيظ
فسرّ جميع الأولياء ورودهوسيء رجالٌ آخرون وغيظوا
لقد حفظ العهد الذي قد أضاعهلديّ سواه والكريم حفيظ
وباحثت عن فاظت وقبلي قالهارجالٌ لديهم في العلوم حظوظ
روى ذاك عن كيسان سهلٌ وأنشدوامقال أبي الغياظ وهو مغيظ
" وسميت غياظاً ولست بغائظٍعدواً ولكن للصديق تغيظ "
" فلا رحم الرحمن روحك حيّةً ... ولا هي في الأرواح حين تفيظ " قلت: وفي خطاب الوزير بهذا البيت وإن حكي عن قائله ما لا يخفى أن اجتنابه المطلوب، على أنه قد يقال " فاضت نفسه " بالضاد، كما ذكره ابن السكيت في خلل " الألفاظ " له، والله أعلم.
وكتب الزبيدي المذكور إلى أبي مسلم ابن فهد:
أبا مسلمٍ إنّ الفتى بجنانهومقوله، لا بالمراكب واللبس
وليست ثياب المرء تغني قلامةًإذا كان مقصوراً على قصر النفس
وليس يفيد العلم والحلم والحجى ... أبا مسلمٍ طول القعود على الكرسي وقال، وقد استأذن الحكم المستنصر في الرجوع إلى أهله بإشبيلية ولم يأذن له، فكتب إلى جاريته سلمى:
ويحك يا سلم لا تراعيلا بدّ للبين من زماع
لا تحسبيني صبرت إلاكصبر ميتٍ على النزاع
ما خلق الله من عذابٍأشدّ من وقفة الوداع
ما بنيها والحمام فرقٌلولا المناحات والنواعي
إن يفترق شملنا وشيكاًمن بعد ما كان ذا اجتماع
فكلّ شملٍ إلى افتراقٍوكلّ شعبٍ إلى انصداع
وكلّ قربٍ إلى بعادٍ ... وكلّ وصلٍ إلى انقطاع واجتمع جماعة من الأدباء فيهم أبو الحسن سهل بن مالك والمهر ابن الفرس وغيرهما بمدينة سبتة سنة، فتذاكروا محبوباً لهم يسكن الجزيرة الخضراء أمامهم، فقالوا: ليقل كلّ واحد منكم شيئاً فيه، فقال سهل بن مالك:
لما حططت بسبتة قتب النّوىوالقلب يرجو أن يحوّل حاله
والجوّ مصقول الأديم كأنّمايبدي الخفي من الأمور صقاله
عاينت من بلد الجزيرة مكنساًوالبحر يمنع أن يصاد غزاله
كالشكل في المرآة تبصره وقد ... قربت مسافته وعزّ مناله فقال الجماعة: والله لا يقول أحد منا بعد هذا شيئاً.
ولما قرأ أبو محمد عبد الله بن مطروح البلنسي صداق إملاك، وغيّر فيه حال القراءة لفظة " غير " برفع ما كان منصوباً أو بالعكس، أنشد بديهاً بعد الفراغ معتذراً عن لحنه:
غيرت غيراً فصرت عيرا ... وهكذا من يجدّ سيرا فأجابه الحافظ أبو الربيع ابن سالم الكلاعي، وكان إلى جانبه، بديهة:
ما أنت ممن يظنّ فيهبذاك جهلٌ فظنّ خيرا
ووقف أبو أمية ابن حمدون بباب الأستاذ الشلوبين، فكتب في ورقة " أبو أمية بالباب " ودفع الورقة لخادم الأستاذ، فلما نظر إليها الأستاذ نوّن تاء أمية، ولم يزد على ذلك، وأمر الخادم بدفع الورقة إليه، فلما نظر فيها أبو أمية انصرف، علماً منه أن الأستاذ صرفه، فانظر إلى فطنة الشيخ والتلميذ، مع أن الشيخ منسوب إلى التغفل في غير العلم.
ومن حكايات أهل الأندلس في العفو أن المعتصم بن صمادح كان قد أحسن للنّحلي البطليوسي، ثم إن النّحلي سار إلى إشبيلية، فمدح المعتضد ابن عباد بشعر قال فيه:
أباد ابن عبّاد البربرا ... وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ونسي ما قاله، حتى حلّ بالمريّة، فأحضره ابن صمادح لمنادمته، وأحضر للعشاء موائد ليس فيها غير الدجاج فقال: النحلي: يامولاي، ماعندكم في المدية لحم غيرالدجاج إنما أردت أن أكذبك في قولك:
وأفنى ابن معنٍ دجاج القرى ... فطار سكر النحلي وجعل يعتذر فقال له خفض عليك إنما ينفق مثلك بمثل هذا وإنما العتب على ما سمعه فاحتمله منك في حق من هو في نقابه ثم أحسن إليه وخاف النحلي فغير من المرية، ثم ندم فكتب إلى المعتصم:
رضى ابن صمادح فارقتهفلم يرضي بعده العالم
وكانت مرتيه جنة ... فجئت بما جاءه آدم فما زال يتفقده بالإحسان على بعد دياره، وخروجه عن اختياره، انتهى.
وقال في بلنسية أبو عبد الله الرصافي، وقد خرج منها صغيراً:
بلادي التي ريشت قويدمتي بهافريخاً وآورتني قرارتها وكرا
مهادي ولين العيش في ريق الصّبا ... أبى الله أن أنسى اعتيادي بها خيرا وقال أبو بكر محمد بن يحيى الشلطيشي:
وفاة المرء سرٌّ لم يكاشفولم تثبت حقيقته درايه
سيفنى كلّ ذي شبحٍ ونفسٍوتلتحق النهاية بالبدايه
وينصدع الجميع إلى صدوعٍتعود به البريّة كالبرايه
كأن مصائب الدنيا سهامٌلها الأيام أغراض الرمايه
فنل ما شئت إن الفقر حدٌّ ... وعش ما شئت إن الموت غايه وقال أبو بكر محمد بن العطار اليابسي، وهو من رجال الذخيرة:
أمطيت عزمك منه متن سابحةخلت الحباب على لبّاتها لببا
تبدو على الموج أحياناً ويضمرهاكالعيس تعتسف الأهضام والكثبا وقال محمد بن الحسن الجبلي النحوي:
وما الأنس بالناس الذين عهدتهمبأنسٍ ولكن فقد رؤيتهم أنس
إذا سلمت نفسي وديني منهمفحسبي أنّ العرض مني لهم ترس وقال محمد بن حرب:
طوبى لروضة جنّةٍلك قد نويت ورودها
نظمت على لبّاتهاأيدي الغمام عقودها
وسقت بماء الورد والمسك الفتيت صعيدها
والطير تشدو في الغصون المائدات قصيدها
وتعير سمع المستعي ... ر نظيمها ونشيدها وكان في دار محمد بن اليسع شاعر الدولة العامرية وردة، وكان يهدي وردها كل عام إلى عارض الجيش أحمد بن سعيد، فغاب العارض سنة فقال:
قال لي الورد وقد لاحظته في روضتيه
وهو قد أينع طيباًجمع الحسن لديه
أين مولاي الذي قدكنت تهديني إليه
قلت غاب العام فايأسأن ترى بين يديه
فبدا يذبل حتّىظهر الحزن عليه وقال أحمد بن أفلح:
ما أستريح إلى حالٍ فأحمدهابالبين قلبي وقبل البين قد ذهبا
إن كان لي أربٌ في العيش بعدكمفلا قضيت إذن من حبّكم أربا وقال أحمد بن تليد الكاتب:
لم أرض بالذل وإن قلاوالحر لا يحتمل الذلاّ
يا ربّ خلٍّ كان لي خاملٍصار إلى العزّة فاحولاّ
حرّمت إلمامي على بابهووصله لم أره حلاّ
تأبى عليّ النفس من أن أرى ... يوماً على مستثقلٍ كلاّ وقال إسحاق بن المنادى، وقد أهدى له من يهواه تفاحة:
مجال العين في ورد الخدوديذكّر طيب جنّات الخلود
وآرجةٌ من التفّاح تزهوبطيب النشر والحسن الفريد
أقول لها فضحت المسك طيباًفقالت لي بطيب أبي الوليد وقال غالب بن عبد الله الثغري:
يا راحلاً عن سواد المقلتين إلىسواد قلبٍ عن الأضلاع قد رحلا
غدا كجسمٍ وأنت الروح فيه فماينفكّ مرتحلاً ما دمت مرتحلا
وللفراق جوىً لو مرّ أبرده ... من بعد فرقتكم بالماء لاشتعلا وقال الزوير أبو الحسن ابن الإمام الغرناطي يهجو مراكش المحروسة:
ياحضرة الملك ما أشهاك لي وطناًلولا ضروب بلاءٍ فيك مصبوب
ماءٌ زقاقٌ وجوٌّ كلّه كدرٌ ... وأكلةٌ من بذنجان ابن معيوب وابن معيوب هذا كان من خدام أبي العلاء ابن زهر، يزعم الناس أنه سمّ
ابن باجة لعداوته لابن زهر في باذنجان.
ولما بنى الفقيه أبو العباس ابن القاسم قصره بسلا وشيده وصفته الشعراء، وهنته به، ودعت له، وكان بالحضرة حينئذٍ الوزير أبو عامر ابن الحمارة، ولم يكن أعد شيئاً فأفكر قليلاً ثم قال:
يا واحد الناس قد شيّدت واحدةًفحلّ فيها محلّ الشمس في الحمل
فما كدارك في الدّنيا لذي أملٍ ... ولا كدارك في الأخرى لذي عمل وفيهم يقول ابن بقي في موشحته الشهيرة التي آخرها:
إن جئت أرض سلاتلقاك بالمكارم فتيان
هم سطور العلا ... ويوسف بن القاسم عنوان وكان محمد بن عبادة بالمرية، ومعه ابن القابلة السبتي، فنظر إلى غلام وسيم يسبح، وقد تعلق بمركب فقال ابن عبادة:
انظر إلى البدر الذي لاح لكفقال ابن القابلة:
في وسط اللجة تحت الحلك
قد جعل الماء مكان السماواتخذ الفلك مكان الفلك
وقال ابن خروف، ويروى لغيره:
أيتها النفس اذهبي إليه اذهبيفحبّه المشهور من مذهبي
مفضّض الثغر له شامةٌمسكيةٌ في خده المذهب
أيأسني التوبة من حبّه ... طلوعه شمساً من المغرب واجتمع في بستان واحد ثلاثة من شعراء الأندلس، وهم: ابن خفاجة، وابن عائشة، وابن الزقاق، فقال ابن خفاجة يصف الحال هنالك:
لله نوريّة المحياتحمل نارية الحميّا
درنا بها تحت ظلّ دوحٍقد راق مرأى وطاب ريّا
تجسّم النور فيه نوراًفكلّ غصنٍ به ثريّا وقال ابن عائشة:
ودوحةٍ قد علت سماءًتطلع أزهارها نجوما
هفا نسيم الصّبا علينافخلتها أرسلت رجوما
كأنما الأفق غار لمابدت فأغرى بها النّسيما وقال ابن الزقاق:
ورياضٍ من الشقائق أضحتيتهادى بها نسيم الرياح
زرتها والغمام يجلد منهازهراتٍ تفوق لون الراح
قلت ما ذنبها فقال مجيباً ... سرقت حمرة الخدود الملاح وقال الأديب أبو الحسن ابن زنون: وقع بيدي وأنا أسير بقيجاطة - أعادها الله تعالى دار إسلام - كتابٌ ترجمته " كتاب التحف والطرف " لابن عفيون فوجدت فيه: قال الحسين بن الضحاك:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍفي وسطه ألف دينارٍ على فرس
في كفّه حربةٌ يفري الدروع بهاوصارمٌ مرهف الحدين كالقبس
فلو رجعت ولم أظفر بمهجتهوقد خضبت ذباب الصارم الشكس
فلا اغتبطت بعيشٍ وابتليت بمايحول بيني وبين الشادن الأنس ووقف على هذه القطعة أبو نواس فقال:
ما كان أحوجني يوماً إلى خنثٍحلو الشمائل في باقٍ من الغلس
في كفّه قهوةٌ يسبي النفوس بهامحكّم الطّرف للألباب مختلس
فلو رجعت ولم أظفر بتكتّهوقد رويت من الصهباء كالقبس
فلا هنيت بعيشٍ وابتليت بمايكون منه صدود الشادن الأنس
هذا ألذّ وأشهى من منى رجلٍ ... في وسطه ألف دينارٍ على فرس ووقف على ذلك الوزير أبو عامر ابن ينق فقال:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍيردّد الذكر في باقٍ من الغلس
في حلقه غنّةٌ يشفي النفوس بهاوفي الحشا زفرةٌ مشبوبة القبس
فلو رجعت ولم أوثر تلاوتهعلى سماع غناء الشادن الأنس
فلا حمدت إذن نفسي ولا اعتمدتبي النجائب قصد البيت والقدس
وأسلت بقبر المصطفى مقلاً ... تبكي عليه بهامي الدمع منبجس فوقفت على ذلك - يقول ابن زنون - فقلت: وكلٌ ينفق مما عنده، ومن عجائب الله أنه عند فراغي من كتب هذه القطعة وصل الفكاك إلي، وحل قيودي وأخرجني إلى بلاد المسلمين، وهي:
ما كان أحوجني يوماً إلى رجلٍيأتي فينبهني في فحمة الغلس
يفك قيدي وغلّي غير مرتقبٍولا مبالٍ من الحجاب والحرس
وقوله لي تأنيساً وتسليةًهذا سلاحي فالبسه وذا فرسي
فلو جبنت ولم أقبل مقالتهوأمتطي الطّرف وثباً فعل مفترس
إذن خلعت لباس المجد من عنقيوصار حظي منه حظّ مختلس
وأخلفتني أمانيّ التي طمحت ... نفسي إليها وإحساني لكلّ مسي وقال أبو بكر ابن حبيش، وقد زاره بعض أودائه في يوم عيد الفطر:
أكلّ ذا الإجمال في ذا الجمالالله أستحفظ ذاك الكمال
يا مالكاً بالبّر رقّي أمايكفيك أن تملكني بالوصال
سرت إلى ربعي زوراً كماسرى إلى المهجور طيف الخيال
العيد لي وحدي بين الورىحقّاً لأني قد رأيت الهلال
صومي مقبولٌ وبرهانه ... أني أدخلت جنان الوصال وقال أبو بكر ابن يوسف اللخمي، وقد عاده في شكاية فتى وسيم من الأعيان كان والده خطيب البلد:
يا عائدي وهو أصل مابيأفديك من ممرضٍ طبيب
أصميت لما رميت قلبيبسهم ألحاظك المصيب
وجئتني منكراً لسقميوتلك من عادة الحبيب
يا ساعةً قد غفرت فيهاما كان للدهر من ذنوب
ما كان في فضلها مقالٌ ... لو لم تكن جلسة الخطيب وخاطب أبو زيد ابن أبي العافية أبا عبد الله ابن العطار القرطبي بقصيدة منها هذا البيت:
وكيف يفيق ذو صبرٍ قصيرٍ ... حليف وساوسٍ حولٍ طوال يعرض له بطوله وحوله، ولصاحبه أبي محمد ابن بلال بقصره، فراجعه أبو عبد الله المذكور بهذه الأبيات يعرض له فيها بجربه، وكان أبو زيد أصابه جربٌ كثير:
أجل يا نافث السحر الحلالأتاني منك نظمٌ كاللآلي
يروقك أولاً لفظاً ومعنىًويلدغ آخراً لدغ الصّلال
تعرّض فيه أنك ذو مطالٍحليف وساوسٍ حولٍ طوال
كأنك لم تجرّب قطّ خلقاًولم تعرف بتجربة الليالي
أأنسيت التجارب إذ تجاريبهنّ الجربياء مع الشمال
فلا تغفل عن التجريب يوماًولو أعطيت فيه جراب مال
وجرّب جار بيتك واختبرهوجرّ برجله إن كان قالي
وجار بينك لا تستحي منهومن نجّار بابك لا تبال
وأجر ببالك الجرباء تبصرنجوم الأفق تجري بانتقال
وجرّب أهل جربة تلف قوماًأبوا لبس الجوارب والنّعال
تجاراً باعةً تجروا بزيتٍتسمّوا بالتّجار بغير مال
إذا سمعوا بتمرٍ في جريبٍجروا ببطاء ذي التمر البوالي
إذا جرّبت هذا الخلق أبدىلك التجريب أجربةً خوالي
جرى بالنّجح دهراً جرّ بؤساًعليك وجار بالنّوب الثقال ثلاثة أدباء صلوا خلف إمام فأخطأ في قراءته
وخرج ثلاثة أدباء لنزهة خارج مرسية، وصلوا خلف إمام بمسجد قرية، فأخطأ في قراءته، وسها في صلاته، فلما خرج أحدهم كتب على حائط المسجد:
يا خجلتي لصلاةٍصلّيتها خلف خلف فلما خرج الثاني كتب تحته:
أغضّ عنها حياءًمن المهيمن طرفي فلما خرج الثالث كتب تحته:
فليس تقبل منا ... لو انها ألف ألف وقال أبو إسحاق ابن خفيف الأندلسي في أحدب أخذ مع صبي في خلوة فضربا، وطيف بهما، والأحدب على عنق الصبي:
رأيت اليوم محمولاًوأعجب منه من حمله
جمال الناس تحملهموهذا حاملٌ جمله وقال أبو الصلت الأندلسي:
وقائلةٍ ما بال مثلك خاملاًأأنت ضعيف الرأي أم أنت عاجز
فقلت لها ذنبي إلى القوم أنّني ... لمل لم يحوزوه من المجد حائز وكتب بعض المغاربة لأبي العباس ابن مضاء يذكره بحاله:
يا غارسًا لي ثمار مجدٍسقيتها العذب من زلالك
أخاف من زهرها سقوطاً ... إن لم يكن سقيها ببالك وكتب الكاتب أبو عبد الله القرطبي مستنجزاً وعداً:
أبا عبد الإله وعدت وعداًفأنجز تربح الشكر الجزيلا
ولا تمطل فإن المطل يمحومن الإحسان رونقه الصقيلا
إذا كان الجميل يحب طبعاً ... فإني أكره الصبر الجميلا وكتب ابن هذيل الفزاري للغني بالله سلطان لسان الدين بن الخطيب:
ليس يا مولاي لي من جابرٍإذ غدا قلبي من البلوى جذاذا
غير صكٍّ أحمرٍ تكتب لي ... فيه يمناك اعتناءً: صحَّ هذا وقال أبو الحسن ابن الزقاق في غلام يهودي كان يجلس معه وينادمه يوم سبت:
وحبّب يوم السبت عندي أننيينادمني فيه الذي أنا أحببت
ومن أعجب الأشياء أني مسلمٌحنيفٌ، ولكن خير أيامي السبت وقال أبو حيان:
ويعجبني رشف تلك الشفاهوعضُّ الخدود وهصر القوام
محاسن فاتت قضيب الأراك ... وورد الرياض وكأس المدام وكتب أحد الأدباء بمرسية إلى فتى وسيم من أعيان كان يلازم حانوت بعض القضاة بها للتفقه، عليه بأبيات في غرض، فراجعه عنه أبو العباس ابن سعيد بقوله:
ما للمحبّ لديّ غير صبابةٍتقضي عليه ولوعةٍ وغرام
فدع الطماعة واسترح باليأس منوصلٍ عليك إلى الممات حرام وقال السميسر:
قرابة السوء شرّ داءٍفاحمل أذاهم تعش حميدا
ومن تكن قرحةٌ بفيهيصبر على مصّه الصديدا وقال ابن الخفاجة:
إنّ للجنّة بالأندلسمجتلى عين وريّا نفس
فسنا صبحتها من شنبودجى ليلتها من لعس
فإذا ما هبّت الريح صباًصحت واشوقي إلى الأندلس وقال بعض الأندلسيين ممن لم يحضرني اسمه الآن:
إذا صال ذو ودٍّ بمدّ صديقهفيا أيها الخل المصاحب لي صل بي
فأني مثل الماء ليناً لصاحبيوناهيك للأعداء من رجل صلب وقال أبو يحيى ابن هشام القرطبي:
وخائط رائع جمالاًوصاله غاية اقتراحي
تنعم منه الخيوط فتلاًبين اقاح وبين راح
تداه في السلم ذا طعانبنا فذات بلا جراح
حلقته اشبهت فؤادي أيديلكثرة الوخز في النواحي
تقطّع الثوب راحتاهكصنع ألحاظه الملاح
فقبله ما رأيت بدراًممزّقاً بردة الصباح وقال أبو جعفر أحمد بن عبد الولي البلنسي:
غصبت الثريّا في البعاد مكانهاوأودعت في عينيّ صادق نوئها
وفي كلّ حالٍ لم تزالي بخيلةً ... فكيف أعرت الشمس حلّة ضوئها قال ابن الأبار: أنشد مؤلف " قلائد العقيان " هذين البيتين لأبي جعفر البني اليعمري، وأحدهما غالط من قبل اشتباه نسبهما، والتفرقة بينهما مستوفاة في تأليفي المسمى ب " هداية المعتسف في المؤتلف والمختلف " انتهى.
وأبو حعفر ابن عبد الولي المذكور أحرقه القنبيطور - لعنه الله تعالى - حين تغلبه بالروم على بلنسية. قال ابن الأبار: وذلك في سنة ثمانٍ وثمانين وأربعمائة، وقيل: إن إحراقه كان سنة تسعين وأربعمائة، انتهى.
وقال أبو العباس القيجاطي فيما انشده له ابن الطيلسان:
ليس الخمول بعارٍعلى امرىءٍ ذي جلال
فليلة القدر تخفىوتلك خير الليالي
وقال أبو محمد ابن جحاف المعافري البلنسي:
أقول وقد خوّفوني القرانوما هو من شرّه كائن
ذنوبي أخاف وأمّا القران ... فإنّي من شرّه آمن وأبوه أبو أحمد وهو المحرّق ببلنسية كما ذكرناه في غير هذا الموضع.
وقال أبو العباس المالقي:
وبين ضلوعي للصبابة لوعةٌبحكم الهوى تقضي عليّ ولا أقضي
جنى ناظري منها على القلب ما جنى ... فيا من رأى بعضاً يعين على بعض ودخل أبو القاسم ابن عبد المنعم، وكان أزرق وسيماً، ومعه أبو عبد الله الشاطبي وأبو عثمان سعيد بن قوشترة، على صاحب كتاب " مشاحذ الأفكار في مآخذ النظار " فقال ابن قوشترة:
عابوه بالزّرق الذي بجفونهوالماء أزرق والسّنان كذلكا فقال الشاطبي:
والماء يهدي للنّفوس حياتها ... والرمح يشرع للمنون مسالكا فقال أبو بكر ابن طاهر صاحب كتاب " المشاحذ ":
وكذاك في أجفانه سبب الرّدى ... لكن أرى طيب الحياة هنالكا وهذا من بارع الإجازة، وكم لأهل الأندلس من مثل هذا الديباج الخسرواني، رحمهم الله تعالى وسامحهم.
وكتب الشيخ الإمام العالم العلامة أبو عبد الله محمد بن الصائغ الأندلسي النحوي عند قول الحريري " أمنا أن يعززا بثالث " مانصه: قد جيء لهما بثالث ورابع في قافيتهما، وهو قول بعض الفضلاء:
ما الأمة اللّكعاء بين الورىكمسلمٍ حرٍّ أتى ملأمه
فمه إذا استجديت من قول لافالحرّ لا يملأ منها فمه ثم قال: وبخامس وسادس:
انقد مهوى أزره فاثنىمهيا عذولي في الذي انقد مه
مندمةٌ قتل المعنى فلا ... ترسل سهام اللحظ تأمن دمه قلت: رأيت في المغرب في هذا المعنى ما ينيف على سبعين بيتاً كلها مساجلة لبيتي الحريري، رحمه الله تعالى.
وقال أبو بكر عبادة الشاعر في أبي بكر والد الوزير أبي الوليد ابن زيدون:
أيّ ركنٍ من الرياسة هيضاوجمومٍ من المكارم غيضا
حملوه من بلدةٍ نحو أخرىكي يوافوا به ثراه الأريضا
مثل حمل السحاب ماءً طبيباً ... لتداوي به مكاناً مريضا وكان المذكور توفي في ضيعة له، ونقل تابوته إلى قرطبة فدفن في الربض سنة، وولد سنة.
وقال أبو بكر ابن قزمان صاحب الموشحات:
وعهدي بالشباب وحسن قدّيحكى ألف ابن مقلة في الكتاب
فصرت اليوم منحنياً كأنّيأفتّش في التراب على شبابي وقال:
يا رب يومٍ زارني فيه منأطلع من غرّته كوكبا
ذو شفة لمياء معسولةٍينشع من خدّيه ماء الصبا
قلت له هب لي بها قبلةًفقال لي مبتسماً مرحبا
فذقت شيئاً لم أذق مثلهلله ما أحلى وما أعذبا
أسعدني الله بإسعاده ... يا شقوتي يا شقوتي لو أبى قال لسان الدين: كان ابن قزمان نسيج وحده أدباً وظرفاً ولوذعية وشهرة، قال ابن عبد الملك: كان أديباً بارعاً، حلو الكلام، مليح التندير، مبرزاً في نظم الزجل، قال لسان الدين: وهذه الطريقة الزجلية بديعة تتحكم فيها ألقاب البديع، وتنفسح لكثير مما يضيق على الشاعر سلوكه، وبلغ فيهاأبو بكر، رحمه الله تعالى، مبلغاً حجره الله عن من سواه، فهو آيتها المعجزة، وحجتها البالغة، وفارسها المعلم، والمبتدىء فيها والمتمم.
وقال الفتح في حقه: مبرز في البيان، ومحرز للسبق عند تسابق الأعيان، اشتمل عليه المتوكل على الله فرقاه إلى مجالس، وكساه ملابس، فامتطى أسمى الرتب وتبوئها، ونال أثنى الخطط وما تملأها، وقد أثبت
له ما يعلم به رفيع قدره، ويعرف كيف أساء له الزمان بغدره، كقوله:
ركبوا السيول من الخيول وركّبوافوق العوالي السّمر زرق نطاف
وّتجللوا الغدران من ماذيّهم ... مرتجة إلا على الأكتاف والماذي: العسل، والنطاف: جمع النطفة، وهي الماء الصافي قل أو كثر.
[نقول من المطمح]
وقال الفقيه أبو بكر ابن القوطية صاحب الأفعال في اللغة والغريب، في زمن الربيع:
ضحك الثرى وبدا لك استبشارهفاخضرّ شاربه وطرّ عذاره
ورنت حدائقه وزرّر نبتهوتعطرت أنواره وثماره
واهتزّ ذابل كلّ ماء قرارةٍلمّا أتى متطلّعاً آذاره
وتعمّمت صلع الرّبى بنباته ... وترنمت من عجمةٍ أطياره وقال في المطمح في حق ابن القوطية المذكور: إنه ممن له سلف، وثنية كلها شرف، وهو أحد المجتهدين في الطلب، والمشتهرين بالعلم والأدب، والمنتدبين للعلم والتصنيف، والمرتبين له بحسن الترتيب والتأليف، وكان له شعر نبيه، وأكثره أوصاف وتشبيه، انتهى.
وقال القاضي الأجل يونس بن عبد الله بن مغيث:
أتوا حسبةً إذ قيل جدّ نحو لهفلم يبق من لحمٍ عليه ولا عظم
فعادوا قميصاً في فراشٍ فلم يرواولا لمسوا شيئاً يدلدعلى جسم
طواه الهوى في ثوب سقمٍ من الضنى ... وليس بمحسوسٍ بعينٍ ولا وهم وقال في المطمح فيه: إنه قاضي الجماعة بقرطبة، فاضل ورع مبرز في النساك والزهاد، دائم الأرق في التخشع والسهاد، مع التحقق بالعلم والتمييز بحمله، والتحيز إلى فئة الورع وأهله، وله تآليف في التصوف والزهد، منها كتاب " المنقطعين إلى الله " وكتاب " المجتهدين " وأشعار في هذا المعنى، منها قوله:
فررت إليك من ظلمي لنفسيوأوحشني العباد وأنت أنسي
قصدت إليك منقطعاً غريباًلتؤنس وحدتي في قعر رمسي
وللعظمى من الحاجات عندي ... قصدت وأنت تعلم سرّ نفسي ولما أراد المستنصر بالله غزو الروم تقدم إلى أبي محمد والده بالكون في صحبته، ومسايرته في غزوته، فاعتذر بعذر يجده، وألم لا ينجده، فقال له الحكم: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق والأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفيته من الغزاة، وجازيته أفضل المجازاة، فأجابه إليه على أن يؤلفه بالقصر، فزعم أنه رجل مزور، وأن ذلك الموضع ممتنع على من يلم به ويزور، فألفه بدار الملك المطلة على النهر، وأكمله فيما دون شهر، وتوفي والمستنصر بعد في غزاته.
وقال ابن سيده صاحب المحكم يخاطب إقبال الدولة:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنى ... سبيلٌ فإنّ الأمن في ذاك واليمنا قال في المطمح: الفقيه أبو الحسن علي بن أحمد المعروف بابن سيده إمام في اللغة والعربية، وهمام في الفئة الأدبية، وله في ذلك أوضاع، لأفهام أخلافها استدرار واسترضاع، حررها تحريراً، وأعاد طرف الذكاء بها قريراً، وكان منقطعاً إلى الموفق صاحب دانية، وبها أدرك أمانيه، ووجد تجرده للعلم وفراغه، وتفرد بتلك الإراغة، ولا سيما كتابه المسمى بالمحكم، فإنه أبدع كتاب وأحكم، ولما مات الموفق رائش جناحه، ومثبت غرره وأوضاحه، خاف من ابنه إقبال الدولة، وأطاف به مكروهاً بعض من كان حوله، إذ أهل الطلب كحيات مساورة، ففر إلى بعض الأعمال المجاورة، وكتب إليه منها مستعطفاً:
ألا هل إلى تقبيل راحتك اليمنىسبيل فإنّ الأمن في ذلك واليمنا
فتنضى همومٌ طلّحته خطوبهاولا غارباً يبقين منه ولا متنا
غريبٌ نأى أهلوه عنه وشفّههواهم فأمسى لا يقرّ ولا يهنا
فيا ملك الأملاك إني محلأعن الورد لا عنه أذاد ولا أدنى
تحققت مكروهاً فأقبلت شاكياًلعمري أمأذونٌ لعبدك أن يعنى
وإن تتأكد في دمي لك نيةٌفإني سيف لا أحبّ له جفنا
إذا ما غدا من حرّ سيفك بارداًفقدماً غدا من برد نعماكم سخنا
وهل هي إلاّ ساعةٌ ثمّ بعدهاستقرع ما عمّرت من ندمٍ سنّا
ومالي من دهري حياةٌ ألذّهافتجعلها نعمى عليّ وتمتنّا
إذا ميتةٌ أرضتك عنّا فهاتها ... حبيبٌ إلينا ما رضيت به عنّا وقال الفقيه أبو محمد غانم بن الوليد الأندلسي المخزومي المالقي:
صيّر فؤادك للمحبوب منزلةًسمّ الخياط مجالٌ للمحبيّن
ولا تسامح بغيضاً في معاشرةٍفقلّما تسع الدنيا بغيضين وله:
الصبر أولى بوقار الفتىمن قلق يهتك ستر الوقار
من لزم الصبر على حالةٍ ... كان على أيّامه بالخيار وقال في المطمح فيه: إنّه عالم متفرس، وفقيه مدرس، وأستاذ متجرد، وإمام لأهل الأندلس مجود، وأما الأدب فكان جل شرعته، ورأس بغيته، مع فضل وحسن طريقة، وجدٍ في جميع الأمور وحقيقة، انتهى.
وقال المحدث الحافظ أبو عمر ابن عبد البر يوصي ابنه بمقصورة:
تجاف عن الدنيا وهوّن لقدرهاووفّ سبيل الدين بالعروة الوثقى
وسارع بتقوى الله سرّاً وجهرةًفلا ذمة أقوى هديت من التقوى
ولا تنس شكر الله في كلّ نعمةٍيمنّ بها فالشكر مستجلب النّعمى
فدع عنك ما لا حظّ فيه لعاقلٍفإن طريق الحقّ أبلج لا يخفى
وشح بأيّامٍ بقين قلائلٍوعمرٍ قصيرٍ لا يدوم ولا يبقى
ألم تر أنّ العمر يمضي مولّياًفجدّته يبلى ومدّته تفنى
نخوض ونلهو غفلةً وجهالةًوننشر أعمالاً وأعمارنا تطوى
تواصلنا فيه الحوادث بالردىوتنتابنا فيه النوائب بالبلوى
عجبت لنفسٍ تبصر الحقّ بيّناًلديها وتأبى أن تفارق ما تهوى
وتسعى لما فيه عليها مضرّةٌوقد علمت أن سوف تجزى بما تسعى
ذنوبي أخشاها ولست بآيسوربّي أهلٌ أن يخاف وأن يرجى
وإن كان ربي غافراً ذنب من يشا ... فإنّي لا أدري أأكرم أم أخزى وقال في المطمح: الفقيه الإمام العالم الحافظ أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، إمام الأندلس وعالمها، الذي التاحت به معالمها، صحح المتن والسند، وميز المرسل من المسند، وفرق بين الموصول والقاطع، وكسا الملة منه نورٌ ساطع، حصر الرواة، وأحصى الضعفاء منهم والثقات، وجد في تصحيح السقيم، وجدد منه ما كان كالكهف والرقيم، مع معلنات العلل، وإرهاف ذلك العلل، والتنبيه والتوقيف، والإتقان والتثقيف، وشرح المقفل، واستدراك المغفل، وله فنون هي للشريعة رتاج، وفي مفرق الملة تاج، أشهرت للحديث ظبى، وفرعت لمعرفته ربى، وهبت لتفهمه شمال وصبا، وشفت منه وصبا، وكان ثقة، والأنفس على تفضيله متفقة، وأما أدبه فلا تعبر
لجته، ولا تدحض حجته، وله شعر لم نجد منه إلا ما نفث به أنفة، وأقصى فيه عن معرفة، فمن ذلك قوله - وقد دخل إشبيلية فلم يلق فيها مبرة، ولم يلق من أهلها تهلل أسرة، فأقام بها حتى أخلقه مقامه، وأطبقه اغتمامه، فارتحل وقال:
تنكّر من كنّا نسرّ بقربهوعاد زعافاً بعدما كان سلسلا
وحقّ لجارٍ لم يوافقه جارهولا لاءمته الدار أن يتحوّلا
بليت بحمصٍ والمقام ببلدةٍطويلاً لعمري مخلقٌ يورث البلى
إذا هان حرٌّ عند قومٍ أتاهمولم ينأ عنهم كان أعمى وأجهلا
ولم تضرب الأمثال إلا لعالموما عوتب الإنسان إلا ليعقلا وقال الفقيه أبو بكر ابن أبي الدوس:
إليك أبا يحيى مددت يد المنىوقدماً غدت عن جود غيرك تقبض
وكانت كنور العين يلمع بالدجى ... فلمّا دعاه الصبح لبّاه ينهض وقال في المطمح: إنه من أبدع الناس خطاً، وأصحهم نقلاً وضبطاً، اشتهر بالإقراء، واقتصر بذلك على الأمراء، ولم ينحط لسواهم، ومطل الناس بذلك ولواهم، وكان كثير التحول، عظيم التجول، لا يستقر في بلد، ولا يستظهر على حرمانه بجاد، فقذفته النوى، وطردته عن كل ثوا، ثم استقر آخر عمره بأغمات، وبها مات، وكان له شعر بديع يصونه أبداً، ولا يمد به يداً. أخبرني من دخل عليه بالمرية فرآه في غاية الإملاق، وهو في ثياب أخلاق، وقد توارى في منزله تواري المذنب، وقعد عن الناس قعود
مجتنب، فلما علم ما هو فيه، وترفعه عمن يجتديه، عاتبه في ذلك الاعتزال، وآخذه حتى استنزله بفيض الاستنزال، وقال له: هلا كتبت إلى المعتصم، فما في ذلك ما يصم، فكتب إليه: إليك أبا يحيى مددت يد المنى - البيتين، انتهى.
وقال الفقيه القاضي الفاضل أبو الفضل ابن الأعلم، حين اقلع وأناب، وودع ذلك الجناب، وتزهد وتنسك، وتمسك من طاعة الله بما تمسك، وتذكر يوماً يتجرد من أمله، وينفرد فيه بعمله:
الموت يشغل ذكرهعن كل معلومٍ سواه
فاعمر له ربع ادّكارك في العشيّة والغداه
واكحل به طرف اعتبارك طول أيام الحياه
قبل ارتكاض النفس مابين الترائب واللهاه
فيقال هذا جعفرٌرهنٌ بما كسبت يداه
عصفت به ريح المنون فصيرته كما تراه
فضعوه في أكفانهودعوه يجني ما جناه
وتمتّعوا بمتاهـ المخزون واحووا ما حواه
يا منظراً مستبشعاًبلغ الكتاب به مداه
لقّيت فيه بشارةًتشفي فؤادي من جواه
ولقيت بعدك خير مننبّاه ربي واجتباه
في دار خفضٍ ما اشتهت ... نفس المقيم بها أتاه وقال في المطمح: إنه كهل الطريقة، وفتى الحقيقة، تدرع الصيانة،
وبرع في الورع والديانة، وتماسك عن الدنيا عفافاً، وما تماسك التماساً بأهلها والتفافاً، فاعتقل النهى، وتنقل في مراتبها حتى استقر فيها في السها، وعطل أيام الشباب، ومطل فيها سعاد وزينب والرباب، إلا ساعات وقفها على المدام، وعطفها إلى الندام، حتى تخلى عن ذلك واترك، وأدرك من المعلومات ما أدرك، وتعرى من الشبهات، وسرى إلى الرشد مستيقظاُ من تلك السنات، وله تصرف في شتى الفنون، وتقدم في معرفة المفروض والمسنون، وأما الأدب فلم يجاره في ميدانه أحد، ولا استولى على إحسانه فيه حصر ولا حد، وجده أبو الحجاج الأعلم هو خلّد منه ما خلّد، ومنه تقلد ما تقلد، وقد أثبت لأبي الفضل هذا ما يسقيك ماء الإحسان زلالاً، ويريك سحر البيان حلالاً، فمن ذلك ما كتب به إلي، وقد مررت على شنت مرية بعدما رحل عنها وانتقل، واعتقل من نوانا وبيننا ما اعتقل، وشنت مرية هذه داره، وبها كمل هلاله وإبداره، وفيها استقضي، وشيم مضاؤه وانتضي، فالتقينا بها على ظهر، وتعاطينا ذكر ذلك الدهر، فجددت من شوقه، ما كان قد شب عن طوقه، فرامني على الإقامة، وسامني على ذلك بكل كرامة، فأبيت إلا النوى وانثنيت عن الثوا، فودعني، ودفع إلي تلك القطعة حين شيعني:
بشراي أطلعت السعود علىآفاق أنسي بدرها كملا
وكسا أديم الأرض منه سناًفكست بسائطها به حللاً
إيه أبا نصرٍ، وكم زمنٍقصر ادكارك عندي الأملا
هل تذكرن والعهد يخجلنيهل تذكرن أيامنا الأولا
أيام نعثر في أعنّتناونجرّ من أبرادنا خيلا
ونحل روض الأنس مؤتنفاًوتحلّ شمس مرادنا الحملا
ونرى ليالينا مساعفةتدعو إلينا رفقنا الجفلى
زمنٌ نقول على تذكرهما تم حتى قيل قد رحلا
عرضت لزورتكم وما عرضت ... إلاّ لتمحق كلّ ما فعلا ووافيته عشية من العشايا أيام ائتلافنا، وعودنا إلى مجلس الطلب واختلافنا، فرأيته مستشرفاً متطلعاُ، يرتاد موضعاً يقيم به لثغور الأنس مرتشفاً ولثديه مرتضعاً، فحين مقلني، تقلدني إليه واعتقلني، وملنا إلى روضة قد سندس الربيع في بساطها ودمج الدهر وأنك أوساطها أشعرت النفوس فيها سرورها وانبساطها، فأقمنا بها نتعاطى كؤوس أخبار، ونتهادى أحاديث جهابذة وأخبار، إلى أن نثر زعفران العشي، وأذهب الأنس خوف العالم الوحشي، فقمت وقام، وعوج الرعب من ألسنتنا ما كان استقام، وقال:
وعشيّة كالسيف إلاّ حدهبسط الربيع بها لنعلي خدّه
عاطيت كأس الأنس فيها واحداً ... ما ضرّه أن كان جمعاً وحده وتنزه يوماً بحديقة من حدائق الحضرة قد اطرد نهرها، وتوقد زهرها، والريح يسقطه فينظم بلبّة الماء، ويبتسم به فتخاله كصفحة خضرة السماء، فقال:
انظر إلى الأزهار كيف تطلعتبسماوة الروض المجود نجومها
وتساقطت فكأنّ مسترقاً دناللسمع فانقضّت عليه رجوما
وإلى مسيل الماء قد رقمت بهصنع الرياح من الحباب رقوما
ترمي الرياح لها نثيراً زهره ... فتمده في شاطئيه رقيما وله يصف قلم يراعة، وبرع في صفته أعظم براعة:
ومهفهفٍ ذلق صليب المكسرسببٌ لنيل المطلب المتعذّر
متألّقٌ تنبيك صفرة لونهبقديم صحبته لآل الأصفر
ما ضره أن كان كعب يراعةٍ ... وبحكمه اطّردت كعوب السّمهري له عندما شارف الكهولة، واستأنف قطع صرة كانت موصولة:
أمّا أنا فقد ارعويت عن الصّباوعضضت من ندم عليه بناني
فأطعت نصّاحي وربّ نصيحةٍجاءوا بها فلججت في العصيان
أيام أسحب من ذيول شبيبتيمرحاً وأعثر في فضول عناني
وأجلّ كأسي أن ترى موضوعةًفعلى يدي أو في يدي ندماني
أيام أحيا بالغواني والغناوأموت بين الراح والريحان
في فتيةٍ فرضوا اتصال هواهمفمناهم دنٌّ من الأدنان
هزّت علاهم أريحيّات الصّبافهي النسيم وهم غصون البان
من كلّ مخلوع الأعنّة لم يبل ... في غيّه بمصارف الأزمان إلى أن قال: ومن نثره يصف فرساً: انظر إليه سليم الأديم، كريم القديم، كأنما نشأ بين الغبراء واليحموم، نجمٌ إذا بدا، ووهمٌ إذا عدا، يستقبل بغزال، ويستدبر برال، ويتحلى بشيات تقسيمات الجمال.
وله يصف سرجاً: بزة جياد، ومركب أجواد، جميل الظاهر، رحيب ما بين القادمة والآخر، كأنما قد من الخدود أديمه، واختص بإتقان الحبك تقويمه.
وله في وصف لجام: متناسب الأشلاء، صريح الانتماء، إلى ثريا السماء، فكله نكال، وسائره جمال.
وله في وصف رمح: مطرد الكعوب، صحيح اتصال الغالب والمغلوب، أخ ينوب كلما استنيب ويصيب.
وله في وصف قميص: كافوري الأديم، بابلي الرسوم، تباشر منه الجسوم، ما يباشر الروض من النسيم.
وله في وصف بغل: مقرف النسب، مستخبر الشرف آمن الكبب، إن ركب امتنع اعتماله، أو ركب استقل به أخواله.
وله في وصف حمار: وثيق المفاصل، عتيق النهضة إذا ونت المراسل، انتهى ببعض اختصار.
وقال الأديب الشاعر ابو عمر يوسف بن هرون الكندي، المعروف بالرمادي:
أومى لتقبيل البساط خنوعافوضعت خدّي في التراب خضوعا
ما كان مذهبه الخنوع لعبدهإلاّ زيادة قلبه تقطيعا
قولوا لمن أخذ الفؤاد مسلّماًيمنن عليّ بردّه مصدوعا
العبد قد يعصي، وأحلف أننيما كنت إلاّ سامعاً ومطيعا
مولاي يحيى في حياةٍ كاسمهوأنا أموت صبابةً وولوعا
لا تنكروا غيث الدموع فكلّ ما ... ينحلّ من جسمي يكون دموعا والرمادي المذكور عرف به غير واحد، منهم الحافظ أبو عبد الله الحميدي في كتابه " جذوة المقتبس " وقال: أظن أن أحد آبائه كان من أهل الرمادة، وهي موضع بالمغرب، وهو قرطبي، كثير الشعر، سريع القول، مشهور عند
الخاصة والعامة هنالك، لسلوكه في فنون من المنظور والمنثور مسالك، حتى كان كثير من شيوخ الأدب في وقته يقولون: فتح الشعر بكندة وفتح في كنده، يعنون امرأ القيس والمتنبي ويوسف بن هرون، على أن في كون المتنبي من كندة القبيلة كلاماً مشهوراً.
وأخذ أبو عمر ابن عبد البر عن الرمادي هذا قطعة من شعره، وضمنها بعض تأليفه.
قال ابن حيان: توفي الرمادي سنة، وذكر ابن سعيد في " المغرب " ان الرمادي اكتسب صناعة الأدب من شيخه أبي بكر يحيى بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس، وهو القائل رحمه الله تعالى:
لا تلمني على الوقوف بدارٍأهلها صيّروا السّقام ضجيعي
جعلوا لي إلى هواهم سبيلاً ... ثمّ سدّوا عليّ باب الرجوع وروى الرمادي عن أبي علي كتاب " النوادر " ومدح أبا علي بقصيدة كما أشرنا إليه في غير هذا الموضع.
وقال في المطمح: إنه شاعر مفلق، انفرج له من الصناعة المغلق، وومض له برقها المؤتلق، وسال بها طبعه كالماء المندفق، فأجمع على تفضيله المختلف والمتفق، فتارة يحزن وأخرى يسهل، وفي كلتيهما بالبديع يعل وينهل، فاشتهر عند الخاصة والعامة بانطباعه في الفريقين، وإبداعه في الطريقين، وكان هو وأبو الطيب متعاصرين، وعلى الصناعة متغايرين، وكلاهما من كندة، وما منهما إلا من اقتدح في الإحسان زنده وتمادى بأبي عمر، طلق العمرحتى أفرده صاحبه ونديمه، وهريق شبابه واستشن أديمه،
ففارق تلك الأيام وبهجتها، وأدرك الفتنة فخاض لجتها، وأقام فرقاً من هيجانها، شرقاًبأشجانها، ولحقته فيها فاقة نهكته، وبعدت عنه الإفاقة حتى أهلكته، وقد أثبت من محاسنه ما يعجبك سرده، ولا يمكنك نقده، فمن ذلك قوله:
شطّت نواهم بشمسٍ في هوادجهملولا تلألؤها في ليلهنّ عشوا
شكت محاسنها عيني وقد غدرتلأنّها بضمير القلب تنجمش
شعرٌ ووجهٌ تبارى في اختلافهمابحسن هذا وذاك الروم والحبش
شككت في سقمي منها أفي فرشي ... منها نكست وإلاّ الطيف والفرش إلى أن قال: وكان كلفاً بفتىً نصراني استسهل لباس زناره، والخلود معه في ناره، وخلع بروده لمسوحه، وتسوغ الأخذ عن مسيحه، وراح في بيعته، وغدا من شيعته، ولم يشرب نصيبه، حتى حط عليه صليبه، فقال:
أدرها مثل ريقك ثم صلّبكعادتهم على وهمي وكاسي
فيقضى ماأمرت به اجتلاباًلمسروري وزاد خضوع راسي وله في مثله:
ورأيت فوق النّحر درعاً فاقعاً من زعفران
فزجرته لوناً سقامي بالنوى، والزّجر شاني
يامن نأى عنّي كماتنأى العيون الفرقدان
فأرى بعيني الفرقدين ولا أراه ولا يراني
لا قدرت لك أوبةحتى يؤوب القارظان
هل ثم إلا الموت فرداً لاتكون منيتان وله أيضاً:
اشرب الكاس يا نصير وهاتإن هذا النهار من حسناتي
بأبي غرة ترى الشخص فيهافي صفاء أصفى من المرآة
تنزع الناس نحوها بازدحامكازدحام الحجيج في عرفات
هاتها يا نصير إنا اجتمعنابقلوب في الدين مختلفات
إنما نحن في مجالس لهونشرب الراح ثم أنت مواتي
فإذا ما انقضت دنانة ذا اللهو اعتمدنا مواضع الصلوات
لو مضى الدهر دون راح وقصف ... لعددنا هذا من السيئات وشاعت عنه أشعار في دولة الخلافة وأهلها، سدد إليهم صائبات نبلها، وسقاهم كؤوس نهلها، أوغرت عليه الصدور، ونفرت عليه المنايا ولكن لم يساعدها المقدور، فسجنه الخليفة دهراً، وأسكنه من النكبة وعراً، فاستعطفه أثناء ذلك واستلطفه، وأجناه كل زهر من الاحسان وأقطفه،
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع