من «نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب» للمقري التلمساني (ت ١٠٤١هـ)
الباب الأول في أولية لسان الدين (٢)
وكتب لسان الدين ﵀ قبل هذه القصيدة نثرا ًمن إنشائه يخاطب به السلطان أبا سالم المذكور، وذلك أنه ورد على لسان الدين وهو بشالة سلا كتاب السلطان المذكور بفتح تلمسان، وكان وروده يوم الخميس سابع عشر شعبان عام واحد وستين وسبعمائة، ونص ما كتب به لسان الدين:
مولاي فتاح الأقطار والأمصار، فائدة الأزمان والأعصار، أثير هبات الله الآمنة من الاعتصار، قدوة أولي الأيدي والأبصار، ناصر الحق عند قعود الأنصار، مستصرخ الملك الغريب من وراء البحار، مصداق دعاء الأب المولى في الأصائل والأسحار، أبقاكم الله سبحانه لا تقف إيالتكم عند حد، ولا تحصى فتوحات الله تعالى عليكم بعد، ولا تفيق أعداؤكم من كد، ميسراً على مقامكم ما عسر على كل أب كريم وجد، عبدكم الذي خلص إبريز عبوديته لملك ملككم المنصور، المعترف لأدنى رحمة من رحماتكم بالعجز عن شكرها والقصور، الداعي إلى الله سبحانه أن يقصر عليكم سعادة العصور، ويذلل بعز طاعتكم أنف الأسد الهصور، ويبقي الملك في عقبكم وعقب عقبكم إلى يوم ينفخ فيه الصور، فلان من الضريح المقدس بشالة، وهو الذي تعددت على المسلمين حقوقه، وسطع نوره وتلألأ شروقه، وبلغ مجده السماء لما سبقت فروعه ووشجت عروقه، وعظم ببيوتكم فخره فما فوق البسيطة فخر يفوقه، حيث الجلال قد رست هضابه، والملك قد كسيت بأستار الكعبة الشريفة قبابه، والبيت العتيق قد ألحفت الملاحف الإمامية أثوابه، والقرآن العزيز ترتل أحزابه.
والعمل الصالح يرتفع إلى الله ثوابه، والمستجير يخفي بالهيبة سؤاله فيجهر بنعرة العز جوابه، وقد تفيأ من أوراق الذكر الحكيم حديقة، وخميلة أنيقة، وحط بجودي الجود نفساً في طوفان العز غريقة، والتحف رفرف الهيبة التي لا تهتدي النفس فيها إلا بهداية الله تعالى طريقة، واعتز بعزة الله وقد توسط جيش الحرمة المرينية حقيقة، إذ جعل المولى المقدس المرحوم أبا الحسن مقدمة وأباه وجده سيقة، يرى بركم بهذا اللحد الكريم قد طنب عليه من الرضى فسطاطاً، وأعلق به يد العناية المرينية اهتماماً واغتباطاً، وحرر له أحكام الحرمة نصاً جلياً واستنباطاً، وضمن له حسن العقبى التزاماً واشتراطاً، وقد عقد البصر بطريقة رحمتكم المنتظرة المرتقبة، ومد اليد إلى لطائف شفاعتكم التي تتكفل بعتق المال كما تكفلت بعتق الرقبة، وشرع في المراح بميدان نعمتكم بعد اقتحام هذه العقبة، لما شنفت الأذن البشرى التي لم يبق طائر إلا سجع بها وصدح، ولا شهاب دجنة إلا اقتبس من نورها واقتدح، ولا صدر إلا انشرح، ولا غصن عطف إلا مرح، بشرى الفتح القريب، وخبر النصر الصحيح الحسن الغريب، فتح تلمسان الذي قلد المنابر عقود الابتهاج، ووهب الإسلام منيحة النصر غنية عن الانتهاج، وألحف الخلق ظلاً ممدوداً، وفتح باب الحج وكان مسدوداً، وأقر عيون أولياء الله الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً، وأضرع بسيف الحق جباهاً أبية وخدوداً، وملككم حق أبيكم الذي أهان عليه الأموال، وخاض من دونه الأهوال، وأخلص فيه الضراعة والسؤال، من غير كد يغمز عطف المسرة، ولا جهد يكدر صفو النعم الثرة، ولا حصر ينفض به المنجنيق ذؤابته، ويظهر بتكرار الركوع إنابته.
فالحمد لله الذي أقال العثار، ونظم بدعوتكم الانتثار، وجعل ملككم يجدد الآثار، ويأخذ الثار، والعبد يهنئ مولاه، بما أنعم الله تعالى به عليه وأولاه، فإذا أجال العبيد قداح السرور فللعبد المعلى والرقيب، وإذا استهموا حظوظ الجذل فلي القسم الوافر والنصيب، وإذا اقتسموا فريضة شكر الله فلي الحظ
والتعصيب، لتضاعف أسباب العبودية قبلي، وترادف النعم التي عجز عنها قولي وعملي، وتقاصر في ابتغاء مكافأتها وجدي وإن تطاول أملي، فمقامكم المقام الذي نفس الكربة، وآنس الغربة، ورعى الوسيلة والقربة، وأنعش الأرماق، وفك الوثاق، وأدر الأرزاق، وأخذ على الدهر بالاستقالة العهد والميثاق.
وإن لم يباشر العبد اليد العالية بهذا الهناء، ويمثل بين يدي الخلافة العظيمة السنا والسناء، ويمد بسبب اليد إلى تلك السماء، فقد باشر به اليد التي يحن مولاي لتذكر تقبيلها، ويكمل فروض المجد بتوفية حقوقها الأبوية وتكميلها، ووقفت بين يدي ملك الملوك الذي أجال عليها القداح، ووصل في طلب وصالها بالمساء الصباح، وكان فتحه إياها أبا عذرة الافتتاح، وقلت: يهنيك يا مولاي رد ضالتك المنشودة، وجبر لقطعتك المعرفة المشهودة، ورد أمتك المودودة، فقد استحقها وارثك الأرضى، وسيفك الأمضى، وقاضي دينك، وقرة عينك، مستنقذ دارك من يد غاصبها، وراد رتبتك إلى مناصبها، وعامر المثوى الكريم، وساتر الأهل والحريم. مولاي: هذه تلمسان قد طاعت، وأخبار الفتح على ولدك الحبيب إليك قد شاعت، والأمم إلى هنائه قد تداعت، وعدوك وعدوه قد شردته المخافة، وانضاف إلى عرب الصحراء فخفضته الإضافة، وعن قريب تتحكم فيه يد احتكامه، وتسلمه السلامة إلى حمامه، فلتطب يا مولاي نفسك، وليستبشر رمسك، فقد نمت بركتك وزكا غرسك، نسأل الله أن يورد على ضريحك من أنباء نصره ما تفتح له أبواب السماء قبولا، ويترادف إليك مدداً موصولاً، وعدداً آخرته خير لك من الأولى، ويعرفه بركة رضاك ظعناً وحلولا، ويضفي عليك منه ستراً مسدولا.
ولم يقنع العبد بخدمة النثر، حتى أجهد القريحة التي ركضها الدهر فأنضاها، واستشفها الحادث الجلل فتقضاها، فلفق من خدمة المنظوم ما يتغمد حلمكم تقصيره، ويكون إغضاؤكم إذا لقي معرة العتب وليه ونصيره، وإحالة مولاي
على الله في نفسي جبرها، ووسيلة عرفها مجده فما أنكرها، وحرمة بضريح مولاي والده شكرها، ويطلع العبد منه على كمال أمله، ونجح عمله، وتسويغ مقترحه وتتميم جذله:
أطاع لساني في مديحك إحسانيإلى آخر القصيدة التي تقدمت
[نونية الفقيه عمر الزجال]
وحيث اقتضت المناسبة جلب هذه النونيات فلنضف إليها قصيدة أديب الأندلس الفقيه عمر صاحب الأزجال، إذ هو من فرسان هذا المجال، وقد وطأ لها بنثر، وجعل الجميع مقامة ساسانية، سماها " تسريح النصال إلى مقاتل الفصال " ونصها: يا عماد السالكين، ومحط المستفيدين والمتبركين، وثمال الضعفاء والمساكين المتروكين، في طريقك يتنافس المتنافس، وعلى أعطافك تزهى العباءات وتروق الدلافس، وبكتابك تحيا جوامد الأفهام، وبمذبتك تشرد ذباب الأوهام، وفي زنبيلك يسد التالد والطارف، وبعصاك يهش على بدائع المعارف، الله الله في سالك، ضاقت عليه المسالك، وشاد، رمي بإبعاد، أدركته متاعب الحرفة، وأقيم من صف أهل الصفة، فلا يجد نشاطا، على ما يتعاطى، ولا يلقى اغتباطا، إن حل زاوية أو نزل رباطا، أقصي عن أهل القرب والتخصيص، وابتلي بمثل حالة برصيص، فأحيل عليك، وتوقفت إقالته على
توبة بين يديك، فكاتبك استدعاء، واستوهب منك هداية ودعاء، ليسير على ما سويت، ويتحمل عنك أشتات ما رويت، فيلقى الأكفاء الظرفاء عزيزاً، ويباهي بك كل من خاطبك مستجيزاً، فاصرف إلي محيا الرضى، وعد من إيناسك للعهد الذي مضى، ولا تلقني معرضاً ولا معرضا، وأصخ لي سمعك كما قدر الله تعالى وقضى:
تعال نجددها طريقة ساساننعض عليها ما توالى الجديدان
ونصرف إليها من مثار عزائمونحلف عليها من مؤكد أيمان
ونعقد على حكم الوفاء هواءنالنأمن من أقول زور وبهتان
ونقسم على أن لا نصدق واشياًيروح ويغدو بين أثم وعدوان
يطوف حوالينا ليفسد بيننابمنطق إنسان وخدعة شيطان
على أننا من عالم كلما بداتعوذ منه عالم الإنس والجان
وحاشاك أن تلفى عن الصلح معرضاًإلى الصلح آلت حرب عبس وذبيان
وإني أهمتني شؤون كثيرةوصلحك أولى ما أقدم من شاني
فأنت إمامي إن كلفت بمذهبوأنت دليلي إن صدعت ببرهان
سأرعاك في أهل العباءات كلمارأيتك في أهل الطيالس ترعاني
ويا لابسي تلك العباءات إنهالباس إمام في الطريقة دهقان
تفرقت الألوان منها إشارةبأنك تأتي من حلاك بألوان
ويا بأبي الفصال شيخ طريقةخلوب لألباب لعوب بأذهان
إذا جاء في الثوب المحبر خلتهزنيبيرة قد مد منها جناحان
فما تأمن الأبدان آفة لسعهاوإن أقبلت في سابغات وأبدان
سأدعوك في حالات كيدي وكديتيبشيخي ساسان وعمي هامان
فإن كان في الأنساب منا تباينفما تنكر الآداب أنا نسيبان
ألا فادع لي في جنح ليلك دعوةلتنجح آمالي ويرجح ميزاني
لك الطائر الميمون في كل وجهةسريت إليها غير نكس ولا واني
فكم من فقير بائس قد عرفتهفرفت عليه نعمة ذات أفنان
وكم من رفيع الجاه واليت أنسهفعاش قرير العين مرتفع الشان
فلو كنت للفتح بن خاقان صاحباًلما خانه المقدور في ليلة الخان
ولو كنت للصابي صديقاً ملاطفاًلما قبلت فيه مقالة بهتان
ولو كنت من عبد الحميد مقرباًلما هزم السفاح أشياع مروان
ولو كنت قد أرسلتها دعوة علىأبي مسلم ما حاز أرض خراسان
ولو كنت في يوم الغبيط مراسلاًلبسطام لم تهزم به آل شيبان
ولو كنت في حرب الأمين لطاهرلما هام في يوم اللقاء ابن ماهان
ولو كنت في مغزى أبي يوسف لمارماه بغدر عبده في تلمسان
ولو أن كسرى يزدجرد عرفتهلما لاح مقتولاً على يد طحان
ولو أن لذريقاً وطئت بساطهلما أثرت فيه مكيدة اليان
وفيما مضى في فاس أوضح شاهدغني لدينا عن بيان وتبيان
ولما اعتنى منك السعيد بكاتبرأى ما ابتغى من عز ملك وسلطان
فلا تنسني من أهل ودك إننيأخاف الليالي أن تطول فتنساني
ولا خير إن تجعل كفاء قصيدتيكفاء ابن دراج على مدح خيران
فجد بدنانير ولا تكن التيألم بها الكندي في شعب بوان
فجودك فينا الغيث في رمل عالجوفضلك فينا الخبز في دار عثمان
وما زلت من قبل السؤال مقابلاًمرادي بإحساب وقصدي بإحسان
ولا تنس أياماً تقضت كريمةبزاوية المحروق أو دار همدان
وتأليفنا فيها لقبض إتاوةوإغرام مسنون وقسمة حلوان
وقد جلس الطرقون بالبعد مطرقاًيقول نصيبي أو أبوح بكتمان
عريفي يلحاني إذا ما أتيتهولم أنصرف عنكم بواجب ألحان
وقد جمعت تلك الطريقة عندناأئمة حساب وأعلام كهان
إذا استنزلوا الأرواح باسم تبادرتطوائف ميمون وأشياع برقان
وإن بخروا عند الحلول تأرجتمباخرهم عن زعفران ولوبان
وإن فتحوا الدارات في رد آبقثنت عزمه أوهام خوف وخذلان
فيحسب أن الأرض حيث ارتمت بهركائبه سرعان رجل وركبان
وقد عاشرتنا أسرة كيمويةأقامت لدينا في مكان وإمكان
فلله من أعيان قوم تألفواعلى عقد سحر أو على قلب أعيان
ونحن على ما يغفر الله إنمانروح ونغدو من رباط إلى خان
مع الصبح نضفيها عباءة صفةوبالليل نلويها زنانير رهبان
أتذكر في سفح العقاب مبيتكمثمانين شخصاً من إناث وذكران
لديكم من الألوان ما لم يجئ بهطهور ابن ذنون ولا عرس بوران
وكم شائق منكم إلى عقد تكةوكم هائم فيكم على حل هميان
فأطفأت قنديل المكان تعمداًوأومأت فانقضوا كأمثال عقبان
وناديت في القوم الركوب فأسرعوافريق لنسوان، وقوم لذكران
فأقسم بالأيمان لولا تعففيعن السوء لانحلت عقيدة إيماني
فعد للذي كنا عليه فإن ليعلى الغير إن صاحبته حقد غيران
فمن يوم إذ صيرت ودي جانباًوأعرضت عني ما تناطح عنزان
ولا روت الكتاب بعد نفارنامحاورةً من ثعلبان لسرحان
وما هو قصدي منك إلا إجازةتخولني التفضيل ما بين خلاني
وإنك إن سخرت لي وأجزتنيلنعم ولي صان ودي وجازاني
ولم لا ترويني وأنت أجل منسقاني من قبل الرحيق فرواني
ألا فأجزني يا إمام بكل مارويت لمدغليس أو لابن قزمان
ولا تنس للدباغ نظماً عرفتهفإنكما في ذلك النظم سيان
ومزدوجات ينسبون نظامهاإلى ابن شجاع في مديح ابن بطان
وألمم بشيء من خرافات عنتروألمع ببعض من حكايات سوسان
وإن كنت طالعت اليتيمة واسنيبلامية في الفحش من نظم واساني
أجزني بكشف الدك أرضى وسيلةوخير جليس في بساط ودكان
وناولني المصباح فهو لغربتيميسر أغراضي ورائد سلواني
وألحق به شمس المعارف إننيأسائل عن إسناده كل إنسان
وقد كنت قبل اليوم عرفتني بهولكنني أنسيته بعد عرفان
ولا بد يا أستاذ من أن تجيزنيببدء ابن سبعين وفصل ابن رضوان
وكتب ابن أحلى كيف كانت فإنهالوزن دقيق القوم أكرم ميزان
ولا تنس ديوان الصبابة والصفالإخوان صدق في الصفا خير إخوان
وزهر رياض في صفوف أضاحكوجبذ كساء في مكايد نسوان
كذاك فناولني كتاب حبائبوزدني تعريفاً بها وببرجان
ولي أمل في أن أروى رسالةمضمنة أخبار حي بن يقظان
وحبس علي الكوز والكاس والعصافإنك مثر من عصي وكيزان
وصير لي الدلفاس أرفع لبسةفقد جل قدري عن حرير وكتان
وقد رق طبعي واعترتني خشيةتكاد بها روحي تفارق جثماني
وخل مفاتيح الطريقة في يديوسوغ لهم حكمي مزيدي ونقصاني
فإني لم أخدمك إلا بنيةوإني لم أتبعك إلا بإحسان
فكن لي بالأسرار أفصح معلن ... فإني قد أخلصت سري وإعلاني وليس قصدي - علم الله - بجلب هذه القصيدة ما فيها من المجون، بل ما فيها من التلميحات التي يرغب في مثلها أهل الأدب والحديث شجون، على أن أمثال هؤلاء الأعلام، لا يقصدون بمثل هذا الكلام، إلا مجرد الإحماض، فينبغي أن ينظر كلامهم الواقف عليه بعين الإغضاء عن النقض والإغماض، ولا يبادر بالاعتراض، من لم يعلم بالأصول برهان القطع والافتراض، والله سبحانه المسؤول في التجاوز عن الزلات، والنجاة من الأمور المضلات، فعفوه سبحانه وراء جميع ذلك، والله تعالى المطلع على أسرار الضمائر، والخبير بما هنالك، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره.
[نونية ابن زمرك]
وحيث ذكرنا هذه القصائد النونية التي اتفق فيها البحر والروي، وجرت من البلاغة على النهج السوي، فلا بأس أن نعززها بقصيدة الرئيس الوزير أبي عبد الله ابن زمرك - سامحه الله تعالى - وهي قصيدة ميلادية أنشدها سلطان الأندلس عام خمسة وستين وسبعمائة، ونجعلها مكفرة لما مر في قصيدة الفقيه عمر من المجون، ومبلغة للناظرين في هذا التأليف ما يرجون، والحديث شجون، وهي قوله:
لعل الصبا إن صافحت روض نعمانتؤدي أمان القلب عن ظبية البان
وماذا عن الأرواح وهي طليقةلو احتملت أنفاسها حاجة العاني
وما حال من يستودع الريح سرهويطلبها، وهي النموم، بكتمان
وكالطيف أستقريه في سنة الكرىوهل تنقع الأحلام غلة ظمآن
أسائل عن نجد ومرمى صبابتيملاعب غزلان الصريم بنعمان
وأبدي إذا ريح الشمال تنفستشمائل مرتاح المعاطف نشوان
عرفت بهذا الحب لم أدر سلوةوإني لمسلوب الفؤاد لسلوان
فيا صاحبي نجواي والحب غايةفمن سابق جلى مداه ومن واني
وراءكما ما اللوم يثني مقادتيفإني عن شأن الملامة في شان
وإني وإن كنت الأبي قيادهليأمرني حب الحسان وينهاني
وما زلت أرعى العهد فيمن يضيعهوأذكر إلفي ما حييت وينساني
فلا تنكرا ما سامني مضض الهوىفمن قبل ما أودى بقيس وغيلان
لي الله إما أومض البرق في الدجىأقلب تحت الليل مقلة وسنان
وإن سل من غمد الغمام حسامهبرى كبدي الشوق الملم وأضناني
تراءى بأعلام الثنية باسماًفأذكرني العهد القديم وأبكاني
أسامر نجم الأفق حتى كأنناوقد سدل الليل الرواق حليفان
ومما أناجي الأفق أعديه بالجوىفأرعى له سرح النجوم ويرعاني
ويرسل صوب القطر من فيض أدمعيويقدح زند البرق من نار أشجاني
وضاعف وجدي رسم دار عهدتهامطالع شهب أو مراتع غزلان
على حين شرب الوصل غير مصردوصفو الليالي لم يكدر بهجران
لئن أنكرت عيني الطلول فإنهاتمت إلى قلبي بذكر وعرفان
ولم أر مثل الدمع في عرصاتهاسقى تربها حين استهل وأظماني
ومما شجاني أن سرى الركب موهناًتقاد به هوج الرياح بأرسان
غوارب في بحر السراب تخالهاوقد سبحت فيه مواخر غربان
على كل نضو مثله فكأنمارمى منهما صدر المفازة سهمان
ومن زاجر كوماء مخطفة الحشاتوسد منها فوق عوجاء مرنان
نشاوى غرام يستميل رؤوسهممن النوم والشوق المبرح سكران
أجابوا نداء البين طوع غرامهموقد تبلغ الأوطار فرقة أوطان
يؤمون من قبر الشفيع مثابةتطلع منها جنة ذات أفنان
إذا نزلوا من طيبة بجوارهفأكرم مولى ضم أكرم ضيفان
بحيث علا الإيمان وامتد ظلهوزان حلى التوحيد تعطيل أوثان
مطالع آيات، مثابة رحمةمعاهد أملاك، مظاهر إيمان
هنالك تصفو للقبول موارديسقون منها فضل عفو وغفران
هناك تؤدى للسلام أمانةيحييهم عنها بروح وريحان
يناجون عن قرب شفيعهم الذييؤمله القاصي من الخلق والداني
لئن بلغوا دوني وخلفت إنهقضاء جرى من مالك الأرض ديان
وكم عزمة مليت نفسي صدقهاوقد عرفت مني مواعد ليان
إلى الله نشكوها نفوساً أبيةتحيد عن الباقي وتغتر بالفاني
ألا ليت شعري هل تساعدني المنىفأترك أهلي في رضاه وجيراني
وأقضي لبانات الفؤاد بأن أرىأعفر خدي في ثراه وأجفاني
إليك رسول الله دعوة نازحخفوق الحشا رهن المطامع هيمان
غريب بأقصى الغرب قيد خطوهشباب تقضى في مراح وخسران
يجد اشتياقاً للعقيق وبانهويصبو إليها ما استجد الجديدان
وإن أومض البرق الحجازي موهناًيردد في الظلماء أنة لهفان
فيا مولي الرحمى، ويا مذهب العمىويا منجي الغرقى، ويا منقذ العاني
بسطت يد المحتاج يا خير راحموذنبي ألجاني إلى موقف الجاني
وسيلتي العظمى شفاعتك التييلوذ بها موسى وعيسى بن عمران
فأنت حبيب الله خاتم رسلهوأكرم مخصوص بزلفى ورضوان
وحسبك أن سماك أسماه العلاوذاك كمال لا يشاب بنقصان
وأنت لهذا الكون علة كونهولولاك ما امتاز الوجود بأكوان
ولولاك للأفلاك لم تجل نيراًولا قلدت لباتهن بشهبان
خلاصة صفو المجد من آل هاشمونكتة سر الفخر من آل عدنان
وسيد هذا الخلق من نسل آدموأكرم مبعوث إلى الإنس والجان
وكم آية أطلعت في أفق الهدىيبين صباح الرشد منها ليقظان
وما الشمس يجلوها النهار لمبصربأجلى ظهوراً أو بأوضح برهان
وأكرم بآيات تحديتنا بهاولا مثل آيات لمحكم فرقان
وماذا عسى يثني البليغ وقد أتىثناؤك في وحي كريم وقرآن
فصلى عليك الله ما انسكب الحياوما سجعت ورقاء في غصن البان
وأيد مولانا ابن نصر فإنهلأشرف من ينمى لملك وسلطان
أقام كما يرضيك مولدك الذيبه سفر الإسلام عن وجه جذلان
سمي رسول الله ناصر دينهمعظمه في حال سر وإعلان
ووارث سر المجد من آل خزرجوأكرم من تنمي قبائل قحطان
ومرسلها ملء الفضاء كتائباًتدين لها غلب الملوك بإذعان
حدائق خضر والدروع غدائروما أنبتت إلا ذوابل مران
تجاوب فيها الصاهلات وترتميجوانبها بالأسد من فوق عقبان
فمن كل خوار العنان قد ارتمىبه كل مطعام العشيات مطعان
وموردها ظمأى الكعوب ذوابلاًومصدرها من كل أملد ريان
ولله منها والربوع مواحلغمام ندى كفت بها المحل كفان
إذا أخلف الناس الغمام وأمحلوافإن نداه والغمام لسيان
إمام أعاد الملك بعد ذهابهإعادة لا نابي الحسام ولا واني
فغادر أطلال الضلال دوارساًوجدد للإسلام أرفع بنيان
وشيدها، والمجد يشهد، دولةمحافلها تزهى بيمن وإيمان
وراق من الثغر الغريب ابتسامهوهز له الإسلام أعطاف مزدان
لك الخير ما أسنى شمائلك التييقصر عن إدراكها كل إنسان
ذكاء إياس في سماحة حاتموإقدام عمرو في بلاغة سحبان
أمولاي ما أسنى مناقبك التيهي الشهب لا تحصى بعد وحسبان
فلا زلت يا غوث البلاد وأهلها ... مبلغ أوطار ممهد أوطان ولابن زمرك المذكور ترجمة نأتي بها في هذا التأليف إن شاء الله تعالى في محلها، وهو من تلامذة لسان الدين، ومن عداد خدامه، فحين نبا به الزمان، وتعوض الخوف بعد الأمان، كان أحد الساعين في قتله كما سنذكره، وصرح بذمه وهجوه بعد أن كان ممن يشكره، وهكذا عادة بني الدنيا يدورون معها حيث دارت، ويسيرون حيث سارت، ويشربون من الكأس التي أدارت، وقد تولى المذكور الوزارة عوضاً عن ابن الخطيب، وصدح طير عزه على فنن من الإقبال رطيب، ثم آل الأمر به إلى القتل، كما سعى في قتل لسان الدين، وكان الجزاء له من جنس عمله، والمرء يدان بما كان به يدين، وعفو الله سبحانه مرجو للجميع في الآخرة، وهو ﷾ المسؤول أن ينيلنا وإياهم المراتب الفاخرة، فإنه لا يتعاظمه ذنب، وليس للكل غيره من رب.
رجع إلى ما كنا بسبيله - وأما لوشة التي ينسب إليها لسان الدين فقد تقدم من كلام ابن خلدون أنها على مرحلة من حضرة غرناطة في الشمال من البسيط الذي في ساحتها المسمى بالمرج، وقد أجرى ذكرها لسان الدين في الإحاطة وقال:
إنها بنت الحضرة، يعني غرناطة، وقال ذلك في ترجمة ابن مرج الكحل، ولنذكر الترجمة بكمالها تتميماً للغرض فنقول:
[ترجمة ابن مرج الكحل]
قال ﵀ ما نصه: محمد بن إدريس بن علي بن إبراهيم بن القاسم، من
أهل جزيرة شقر، يكنى أبا عبد الله، ويعرف بابن مرج الكحل.
حاله: كان شاعراً مفلقاً غزلاً بارع التوليد رقيق الغزل، وقال الأستاذ أبو جعفر: شاعر مطبوع حسن الكتابة ذاكر للأدب متصرف فيه، قال ابن عبد الملك: وكانت بينه وبين طائفة من أدباء عصره مخاطبات ظهرت فيها إجادته، وكان مبتذل اللباس، على هيئة أهل البادية، ويقال: إنه كان أمياً.
من أخذ عنه: روى عنه أبو جعفر ابن عثمان الوارد، وأبو الربيع ابن سالم، وأبو عبد الله ابن الأبار، وابن عسكر، وابن أبي البقاء، وأبو محمد ابن عبد الرحمن ابن برطله، وأبو الحسن الرعيني.
شعره ودخوله غرناطة: قال في عشية بنهر الغنداق من خارج بلدنا لوشة بنت الحضرة، والمحسوب من دخلها أنه دخل إلبيرة - وقد قيل: إن نهر الغنداق من أحواز برجة، وهذا الخلاف داع لذكره -:
عرج بمنعرج الكثيب الأعفربين الفرات وبين شط الكوثر
ولتغتبقها قهوة ذهبيةمن راحتي أحوى المراشف أحور
وعشية كم كنت أرقب وقتهاسمحت بها الأيام بعد تعذر
فلنا بهذا ما لنا في روضةتهدي لناشقها شميم العنبر
والدهر من ندم يسفه رأيهفيما مضى فيه بغير تكدر
والورق تشدو والأراكة تنثنيوالشمس ترفل في قميص أصفر
والروض بين مفضض ومذهبوالزهر بين مدرهم ومدنر
والنهر مرقوم الأباطح والربىبمصندل من زهره ومعصفر
وكأنه وكأن خضرة شطهسيف يسل على بساط أخضر
وكأنما ذاك الحباب فرندهمهما طفا في صفحة كالجوهر
وكأنه، وجهاته محفوفةبالآس والنعمان، خد معذر
نهر يهيم بحسنه من لم يهمويجيد فيه الشعر من لم يشعر
ما اصفر وجه الشمس عند غروبهاإلا لفرقة حسن ذاك المنظر ولا خفاء ببراعة هذا الشعر، وقال منها:
أرأت جفونك مثله من منظرظل وشمس مثل خد معذر
وجداول كأرقم حصباؤهاكبطونها وحبابها كالأظهر وهذا تتميم عجيب لما يسبق إليه، ثم قال منها:
وقرارة كالعشر بين خميلةسالت مذانبها بها كالأسطر
فكأنها مشكولة بمصندلمن يانع الأزهار أو بمعصفر
أمل بلغناه بهضب حديقةقد طرزته يد الغمام الممطر
فكأنه والزهر تاج فوقهملك تجلى في بساط أخضر
راق النواظر منه رائق منظريصف النضارة عن جنان الكوثر
كم قاد خاطر خاطر مستوفزوكم استفز جماله من مبصر
لو لاح لي فيما تقادم لم أقلعرج بمنعرج الكثيب الأعفر قال أبو الحسن الرعيني: وأنشدني لنفسه:
وعشية كانت قنيصة فتيةألفوا من الأدب الصريح شيوخا
فكأنما العنقاء قد نصبوا لهامن الانحناء إلى الوقوع فخوخا
شملتهم آدابهم فتجاذبواسر السرور محدثاً ومصيخا
والورق تقرأ سورة الطرب التيينسيك منها ناسخ منسوخا
والنهر قد صفحت به نارنجةفتيممت من كان فيه منيخا
فتخالهم خلل السماء كواكباًقد قارنت بسعودها المريخا
خرق العوائد في السرور نهارهمفجعلت أبياتي لها تاريخا ومن أبياته في البديهة قوله:
وعندي من مراشفها حديثيخبر أن ريقتها مدام
وفي أجفانها السكرى دليلوما ذقنا ولا زعم الهمام
تعالى الله ما أجرى دموعيإذا عنت لمقلتي الخيام
وأشجاني إذا لاحت بروقوأطربني إذا غنت حمام ومن قصيدة:
عذيري من الآمال خابت قصودهاونالت جزيل الحظ منها الأخابث
وقالوا: ذكرنا بالغنى، فأجبتهمخمولاً وما ذكر مع البخل ماكث
يهون علينا أن يبيد أثاثناوتبقى علينا المكرمات الأثائث
وما ضر أصلاً طيباً عدم الغنى ... إذا لم يغيره من الدهر حادث وله يتشوق إلى عمرو بن أبي غياث:
أيا عمرو متى تقضي اللياليبلقياكم وهن قصصن ريشي
أبت نفسي هوى إلا شريشاًويا بعد الجزيرة من شريش وله من قصيدة:
طفل المساء وللنسيم تضوعوالأنس يجمع شملنا ويجمع
والزهر يضحك من بكاء غمامةريعت لشيم سيوف برق تلمع
والنهر من طرب يصفق موجهوالغصن يرقص والحمامة تسجع
فانعم أبا عمران واله بروضةحسن المصيف بها وطاب المربع
يا شادن البان الذي دون النقاحيث التقى وادي الحمى والأجرع
الشمس يغرب نورها ولربماكسفت ونورك كل حين يسطع
إن غاب نور الشمس لسنا نتقيبسناك ليل تفرق يتطلع
أفلت فناب سناك عن إشراقهاوجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل" فوددت يا موسى لو أنك يوشع " وقال:
ألا بشروا بالصبح من كان باكياًأضر به الليل الطويل مع البكا
ففي الصبح للصب المتيم راحةإذا الليل أجرى دمعه وإذا شكا
ولا عجب أن يمسك الصبح عبرتيفلم يزل الكافور للدم ممسكاً ومن بديع مقطوعاته قوله:
مثل الرزق الذي تطلبهمثل الظل الذي يمشي معك
أنت لا تدركه متبعاًفإذا وليت عنه تبعك وقال:
دخلتم فأفسدتم قلوباً بملكهافأنتم على ما جاء في سورة النمل
وبالجود والإحسان لم تتخلقوافأنتم على ما جاء في سورة النحل
وقال أبو بكر محمد بن محمد بن جهور: رأيت لابن مرج الكحل مرجاً أحمر قد أجهد نفسه في خدمته، فلم ينجب، فقلت:
يا مرج كحل ومن هذي المروج لهما كان أحوج هذا المرج للكحل
ما حمرة الأرض من طيب ومن كرمفلا تكن طمعاً في رزقها العجل
فإن من شأنها إخلاف آملهافما تفارقها كيفية الخجل فقال مجيباً:
يا قائلاً إذ رأى مرجي وحمرتهما كان أحوج هذا المرج للكحل
هو احمرار دماء الروم سيلهابالبيض من مر من آبائي الأول
أحببته أن حكى من قد فتنت به ... في حمرة الخد أو إخلافه أملي وفاته: توفي ببلده يوم الاثنين لليلتين خلتا من شهر ربيع الأول عام أربعة وثلاثين وستمائة، ودفن في اليوم بعده.
انتهى ما في الإحاطة في شأن ابن مرج الكحل.
وكتب أبو الحسن علي بن لسان الدين على أول ترجمته ما نصه: شاعر جليل القدر، من مشايخ شعراء الأندلس، من أهل بلنسية، وسكن جزيرة شقر.
وكتب على قوله والنهر مرقوم الأباطح ما صورته: لم يصف أحد النهر بأرق ديباجة ولا أظرف من هذا الإمام، رحمة الله عليه، انتهى كلام ابن لسان الدين.
[رائية شمس الدين الكوفي]
قلت: وما رأيت رائية تقرب من التي لابن مرج الكحل السابقة التي أولها
" عرج بمنعرج الكثيب الأعفر " إلا رائية شمس الدين الكوفي الواعظ، وهي قوله:
روح الزمان هو الربيع فبكروانهض إلى اللذات غير منكر
هذا الربيع يبيع من لذاتهأصناف ما تهوى، فأين المشتري
فافرح به فلفرحة بقدومهرفل الشقائق في القباء الأحمر
والكون مبتهج وخفاق الصبايحيي القلوب بنشره المتعطر
والغيم يبكي، والأقاحي باسملبكائه كتبسم المستبشر
والسرو إن عبث النسيم فهز أعطاف الغصون يميس ميس موقر
وكأنما القداح فستق فضةيهدي إليك أريج مسك أذفر
وكأنما المنثور في أثوابهألوان ياقوت أنيق المنظر
وترى البهار كعاشق متخوفمتشوق باد بوجه أصفر
وكأنما النارنج في أوراقه القنديل، والأوراق شبه مسحر
وكأنما الخشخاش قوم جاءهمخبر يسرهم بطيب المخبر
فثنوا ملابسهم لفرط سرورهمكي يخلعوا فرحاً بقول المخبر
فتعلقت أذيالها بأكفهموتعلقت أزياقها بالمنحر
والطل من فوق الرياض كأنهدرر نثرن على بساط أخضر
وترى الربى بالنور بين متوجومدملج، ومخلخل، ومسور
ورياضها بالزهر بين مقرطقومطوق، وممنطق، ومزنر
والورد بين مضعف، ومشنفومكتف، وملطف لم يهصر
والزهر بين مفضض، ومذهبومرصع، ومدرهم، ومدنر
والنثر بين مطيب، وممسكومعطر، ومصندل، ومعنبر
والورق بين مرجع وموجعومفجع ومسجع في منبر
ومغرد، ومردد، ومعددومبدد في الخد ماء المحجر
ولكن قصيدة ابن مرج الكحل أعذب مذاقاً، وكل منهما لم يقصر، رحمهما الله تعالى، فلقد أجادا فيما قالاه إلى الغاية، وليس الخبر كالعيان.
[عود إلى ابن مرج الكحل]
ومن نظم ابن مرج الكحل قوله:
الشمس يغرب نورها، ولربماكسفت ونورك كل حين يسطع
أفلت فناب سناك عن إشراقهاوجلا من الظلماء ما يتوقع
فأمنت يا موسى الغروب ولم أقل ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع ولمح بهذه الأبيات إلى قول الرصافي الأندلسي البلنسي يخاطب من اسمه موسى بقصيدة أولها:
ما مثل موضعك ابن رزق موضعزهر يرف وجدول يتدفع ومنها:
وعشية لبست ثياب شحوبهاوالجو بالغيم الرقيق مقنع
بلغت بنا أمد السرور تألفاًوالليل نحو فراقنا يتطلع
فابلل بها ريق الغبوق فقد أتىمن دون قرص الشمس ما يتوقع
سقطت ولم يملك نديمك ردها ... فوددت يا موسى لو أنك يوشع قلت: ومن نثر ابن مرج الكحل المذكور ما كتبه إلى أديب الأندلس أبي بحر صفوان بن إدريس مراجعاً له بعد نظم، ونص الجميع:
يا من تبوأ في العلياء منزلةجداه قد أسساها أي تأسيس
لم يتركا في العلا حظاً لملتمسسيان هذا وهذاك ابن إدريس
وافى كتابكم فارتد لي جذليواعتضت من فرط أشواقي بتأنيس
وللنوى لوعة تطفو فيطفئها ... مسك المداد وكافور القراطيس حرس الله سناءك وسناك، وأظفر يمناك بمناك، ودي الأسلم كما تعلم، وعهدي الأقدم، لم تزل له قدم، وأنا دام عزكم إن أتفق معكم انتساباً فلم أتفق في شأو الأدب باعاً، ولا قاربتكم طباعاً وانطباعاً، بل بذلك الاتفاق تشرفت وسموت إلى ذروة العلا واستشرفت، وأقررت بذلك الفضل واعترفت، وكرعت في مناهله واغترفت، ولقد وافى كتابكم فقلت لقد نثر الدر من فيه، وبلغ نفسي مما كانت تنويه من التنويه:
حديث لو أن الميت نودي ببعضه ... لأصبح حياً بعدما ضمه القبر ولولا ما طالعني وجه من رضاكم وسيم، وسقاني مزن اهتبالكم ما أروى به وأسيم، وحياني منكم روض ونسيم، لما ساعدني الفكر بقسيم، لا زلتم في ظل من العيش وارف، مرتدين رداء المعارف، والسلام؛ انتهى.
[رسالة صفوان إلى ابن مرج الكحل]
وكانت مخاطبة صفوان له التي أجاب عنها بما نصه:
يا قاطع البيد يطويها وينشرهاإلى الجزيرة ينضي بدن العيس
الثم بها عن أخي حب وذي كلف ... يد العلا والقوافي وابن إدريس وأبلغها إليه تحية كالمسك صدراً وورداً، وكالماء الزلال عذوبة وبرداً، يسري بها إلى دار ابن نسيم، ويسفر منها بجزيرة شقر وجه وسيم، وهي وإن
كانت تذيب المسك خجلاً، وتستفز بصوتها وجلاً، فما هي إلا خائفة تترقب، وسافرة تكاد تتنقب، تمشي على استحياء، وتعثر من التقصير في ذيل إعياء، هذا لأنها جلبت إلى هجر تمراً، وإلى شبام وبيت رأس خمراً، ولكن على المجد أن يبدي في قبول عذرها ويعيد، لعلمه أنه يتيمم من لم يجد إلا الصعيد، فله الفضل أن لا يلفحها بنار النقد، ولا يعرضها على ما هنالك من الحل والعقد، والله يبقي ذكره في مقلة الأدب حوراً، وفي قلب الحسود خوراً، ويديمه والقوافي طوع قريحته، والأغراض الجميلة ملء تعريضته وتصريحته، وزهر البيان تطلع في سماء جنانه، وزهر التبيان يونع في أنداء جنانه، وعذراً إليه فإني كتبت والحامل يمسك زمامه، ويلتفت في البيداء أمامه؛ والسلام.
[خطبة نكاح من إنشاء صفوان]
ومن إنشاء صفوان خطبة نكاح نصها: الحمد لله الذي تطول بالإحسان من غير جزاء ولا ثواب، وألبس المخلوقات من فواضله سوابغ المطارف وكواسي الأثواب، وجاءوا على أقدام الرجاء إلى محال نوافله فوجدوها مفتحة لهم الأبواب، وسألوه كفاية المؤنة فكان الفعل بدل القول والإسعاف بدل الجواب، خلق البرية من غير افتقار ولا اضطرار، ونقلهم من الطفولية إلى غيرها نقل البدر من التمام إلى السرار، وشرف هذه الطبقة الإنسانية فرزقها الإدراكات العقلية، والإبانات اللسانية، فضرب سرادق اعتنائه عليها، وأنشأها من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها، ومع صنعه الرفيق بهم اللطيف، وتنويهه الحاف بأرجائهم المطيف، رزقهم أحسن الصور الحيوانية وأجملها، وأتاح لهم أتم أقسام الاعتناء وأكملها، وبعث إليهم الرسل صلوات الله عليهم صنعاً منه جميلاً، ورباً للصنيعة لديهم وتكميلاً، فبشروا وأنذروا، وأمنوا وحذروا، وباينوا بين الحرام والحلال، مباينة إدراك البصير بين الكدر والزلال، ودلوا على السمت الأهدى
ونصبوا أعلام التوفيق والهدى، ولم يدعوا شيئاً سدى، بل توازنت بهم مقادير الأقوال والأعمال، وكانت إشاراتهم ثمال الهدايا وأي ثمال، فآب كل متسحب إلى الارتباط، وشد كل موفق على الاعتلاق بحالهم يد الاغتباط، فصلوات الله الزاكية عليهم، ونوافح رحمته النامية تغدو وتروح إليهم، وأتم الصلاة والسلام، على علم أولئك الأعلام، الداعي على بصيرة إلى دار السلام، السراج المنير، المبشر النذير، محمد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاة تؤول بهم إلى فسيح رضوانه ورحبه، بعثه الله رحمة للعالمين عامة، وأرسله نعمة للناس موفورة تامة، فأخذ بحجز مصدقيه عن التهافت في مداحض الأقدام، والتتابع في مزلات الجرأة على العصيان والإقدام، فأقام الحجة، وأوضح المحجة، ودل على المقامات التي تمحض الأولياء، وأفصح عن الكرامات التي تنقذ الأتقياء، وقال وأهلاً به من قائل: " تناكحوا فإني مكاثر بكم الأنبياء " حرصاً منه صلوات الله عليه على الزيادة في أهل الإسلام والنماء، ودفعاً في صدر الباطل بواضح الحق الصادع غيهب الظلماء، وحض على ذات الدين الحصان، وأغرى بالاعتصام والإحصان، ونصب أعلام النكاح مشيدة المباني، وجاء بها سنة عذبة المجاني، وقال: " من تزوج فقد كمل نصف دينه فليتق الله في النصف الثاني "، وأمر بالنكاح الذي توافقت فيه الطبيعة والشريعة، ولبته النفوس وهي سريعة، وأخصبت به ربوة التناسل فهي مروضة مريعة، وسدت به عن اتباع الهوى وارتكاب المحارم الذريعة، وحفظت به الأنسال والأنساب، وفاض به نهر لالتئام المنساب، إذ لا سبيل لأن يستغني بذاته، من كان أسير هواه ومأمور لذاته، وإنما الانفراد والاستغناء، لمن له الكمال والغنى، ولا يجوز أن يتعاقب عليه الإنى، لا إله إلا هو له السناء والسنا.
وإن فلاناً لما ارتقت همته إلى إتباع الصالحات وسمت، ووسمته النجابة من أعلامها اللائحة بما وسمت، رأى أن الاعتصام بالنكاح أولى ما حمى به
دينه ووقاه، وأهم ما رفع إليه اعتناءه ورقاه، فخطب إلى فلان ابنته فلانة خطبة تضافر فيها اليمن والقبول، ونفحت بها شمال من الجد المصمم وقبول، وارتقى بها إلى اللوح المحفوظ والديوان المكنون عمل مقبول، فتلقى فلان خطبته بالإجابة، لما توسم فيه من مخايل النجابة، حرصاً على المساعدة والعون، واغتباطاً بمياسرة أهل الرشد والصون، وانعقد النكاح بينهما على بركة الله التي يتضاعف بها العدد القليل ويتزيد، ويمنه الذي ينتهض به من اعتمده ويتأيد، وحسن توفيقه الذي يرتبط به من أخلص ضميره ويتقيد، على أن أصدقها كذا، تزوجها بكلمة الله التي علت الكلمات وبهرتها، وعلى سنة نبيه التي أحيت الحنيفية وأظهرتها، وأنقت الملة من أرجاس الجاهلية وطهرتها، وهداية مهديه التي غلبت الأباطل وقهرتها، ولتكون عنده بأمانة الله التي هي جنة واعتصام، وعهدته للزوجات على أزواجهن التي ليس لعروتها انفصام، وعلى إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، وتسلسل في ميدان التناصف وأرسان، والله تعالى يمهد لهما مهاد نعمته الوثير، ويخلف منها الطيب الكثير، ويرزقهما التوفيق الباعث لطول المرافقة المثير، بمنه ونعمته.
[من رسالة عتاب لصفوان]
وله ﵀ من رسالة عتاب: أدام الله سبحانه مدة الأخ الذي أستديم إخاءه، وإن واجهتني زعازعه أرتقب رخاءه، وتجاوزت عن يومه لأمسه، وأغضيت عن ظلامه لشمسه، إناء واعتناء، وإنذاراً وإعذاراً، ورحم الله من اعتمد على الأفهام، وعصى أوامر الأوهام، ورأى الخليفة في المعقول، لا في المختلق المنقول. وبعد فإنه وصل كلامك بل ملامك، وكتابك بل عتابك، ورسالتك بل بسالتك، أسمعتني بألفاظك العذاب سوء العذاب، وأريتني لمعان
الحسام من فقرك الوسام.
وقال صفوان ﵀: اجتمعت مع ابن مرج الكحل يوماً، فاشتكى إلي ما يجد لفراقي، وأطال عتب الزمان في إشآمه وإعراقي، فقلت: إذا تفرقنا والنفوس مجتمعة، فما يضر أن الجسوم للرحيل مزمعة ثم قلت له:
أنت من العين والفؤاددنوت أو كنت ذا بعاد فقال وهو من بارع الإجازة:
وأنت في القلب في السويدا ... وأنت في العين في السواد وإذ جرى ذكر صفوان فلا حرج أن نترجمه، فنقول:
[ترجمة صفوان]
قال في " الإحاطة " ما ملخصه: صفوان بن إدريس بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى بن إدريس، التجيبي المرسي أبو بحر، كان أديباً حسيباً ممتعاً من الظرف ريان من الأدب، حافظاً سريع البديهة ترف النشأة، على تصاون وعفاف، جميلاً سرياً، ممن تساوى حظه في النظم والنثر على تباين الناس في ذلك. روى عن أبيه وخاله وابن عم أبيه القاضي أبي القاسم ابن إدريس، وأبي بكر ابن مغاور، وأبي رجال ابن غلبون، وأبي العباس ابن مضا، سمع عليه صحيح مسلم، وأبي القاسم ابن حبيش، وابن حوط الله، وأبي الوليد ابن رشد، وأجاز له ابن بشكوال. وروى عنه أبو إسحاق اليابري، وأبو الربيع [ابن البني وأبو عبد الله ابن أبي البقاء وأبو عمر] ابن سالم، وابن عيشون، وله تواليف أدبية،
منها " زاد المسافر "، وكتاب " الرحلة "، وكتاب " العجالة "، سفران يتضمنان من نظمه ونثره أدباً لا كفاء له، وانفرد من تأبين الحسين وبكاء أهل البيت بما ظهرت عليه بركته في حكايات كثيرة.
ثم سرد لسان الدين جملة من نظمه إلى أن قال: وقال في غرض الرصافي من وصف بلده وذكر إخوانه يساجله في الغرض والروي عقب رسالة سماها " طراد الجياد في الميدان وتنازع اللدات والأخدان في تقديم مرسية على غيرها من البلدان ":
لعل رسول البرق يغتنم الأجرافينثر عني ماء عبرته تثرا
معاملة أربي بها غير مذنبفأقضيه دمع العين عن نقطة بحرا
ليسقي من تدمير قطراً محبباًيقر بعين القطر أن تشرب القطرا
ويرضعه ذوب اللجين، وإنماتوفيه عيني من مدامعها تبرا
وما ذاك تقصيراً بها غير أنهسجية ماء البحر أن يذوي الزهرا
خليلي قوما فاحبسا طرق الصبامخافة أن يحمي بزفرتي الحرى
فإن الصبا ريح علي كريمةبآية ما تسري من الجنة الصغرى
خليلي أعني أرض مرسية المنىولولا توخي الصدق سميتها الكبرى
محلي بل جوي الذي عبقت بهنواسم آدابي معطرة نشرا
ووكري الذي منه درجت فليتنيفجعت بريش العزم كي ألزم الوكرا
وما روضة الخضراء قد مثلت بهامجرتها نهراً وأنجمها زهرا
بأبهج منها والخليج مجرةوقد فضحت أزهار ساحتها الزهرا
وقد أسكرت أعطاف أغصانها الصباوما كنت أعتد الصبا قبلها خمرا
هنالك بين الغصن والقطر والصباوزهر الربى ولدت آدابي الغرا
إذا نظم الغصن الحيا قال خاطريتعلم نظام النثر من ههنا شعرا
وإن نثرت ريح الصبا زهر الربىتعلمت حل الشعر أسبكه نثرا
فوائد أسحار هناك اقتبستهاولم أر روضاً غيره يقرئ السحرا
كأن هزيز الريح يمدح روضهافتملأ فاه من أزاهرها درا
أيا زنقات الحسن هل فيك نظرةمن الجرف الأعلى إلى السكة الغرا
فأنظر من هذي لتلك كأنماأغير إذ غازلتها أختها الأخرى
هي الكاعب الحسناء تمم حسنهاوقدت لها أوراقها حللاً خضرا
إذا خطبت أعطت دراهم زهرهاوما عادة الحسناء أن تنقد المهرا
وقامت بعرس الأنس قينة أيكهاأغاريدها تسترقص الغصن النضرا
فقل في خليج يلبس الحوت درعهولكنه لا يستطيع بها نصرا
إذا ما بدا فيها الهلال رأيتهكصفحة سيف وسمها قبعة صفرا
وإن لاح فيها البدر شبهت متنهبشط لجين ضم من ذهب عشرا
وفي جرفي روض هناك تجافيابنهر، يود الأفق لو زاره فجرا
كأنهما خلا صفاء تعاتباوقد بكيا من رقة ذلك نهرا
وكم لي بأبيات الحديد عشيةمن الأنس ما فيه سوى أنه مرا
عشايا كأن الدهر غض بحسنهافأجلت بساط البرق أفراسها الشقرا
عليهن أجري خيل دمعي بوجنتيإذا ركبت حمرا ميادينها الصفرا
أعهدي بالغرس المنعم دوحهسقتك دموعي، إنها مزنة، شكرا
فكم فيك من يوم أغر محجلتقضت أمانيه فخلدتها ذكرا
على مذنب كالبحر من فرط حسنهتود الثريا أن يكون لها نحرا
سقت أدمعي والقطر أيهما انبرىنقا الرملة البيضاء فالنهر فالجسرا
وإخوان صدق لو قضيت حقوقهملما فارقت عيني وجوههم الزهرا
ولو كنت أقضي حق نفسي - ولم أكن -لما بت أستحلي فراقهم المرا
وما اخترت هذا البعد إلا ضرورةوهل تستجيز العين أن تفقد الشفرا
قضى الله أن تنأى بي الدار عنهمأراد بذاك الله أن أعتب الدهرا
ووالله لو نلت المنى ما حمدتهاوما عادة المشغوف أن يحمد الهجرا
أيأنس باللذات قلبي ودونهممرام يجد الكرب في طيها شهرا
ويصحب هادي الليل راء حروفهوصاداً ونوناً قد تقوس واصفرا
فديتهم ضنوا وبانوا بكتبهمفلا خبراً منهم لقيت ولا خبرا
ولولا علا هماتهم لعتبتهمولكن عراب الخيل لا تحمل الزجرا
ضربت غبار البيد في مهرق السرىبحيث جعلت الليل في ضربه حبرا
وحققت ذاك الضرب جمعاً وعدةوطرحاً وتجميلاً فأخرج لي صفرا
كأن زماني حاسب متعسفيطارحني كسراً وما يحسن الجبرا
فكم عارف بي وهو يحسن رتبتيفيمدحني سراً ويشتمني جهرا
لذلك ما أعطيت نفسي حقهاوقلت لسرب الشعر لا ترم الفكرا
فما برحت فكري عذارى قصائديومن خلق العذراء أن تألف الخدرا
ولست وإن طاشت سهامي بآيسفإن مع العسر الذي يتقى يسرا
وقال يراجع أبا الربيع ابن سالم عن أبيات مثلها:
سقى مضرب الخيمات من علمي نجدأسح غمامي أدمعي والحيا الرغد
وقد كان في دمعي كفاء، وإنمايجففها ما بالضلوع من الوقد
فإن فترت نار الضلوع هنيهةفسوف ترى تفجيره للحيا العد
وإن ضن صوب المزن يوماً فأدمعيتنوب كما ناب الجميع عن الفرد
وإن هطلا يوماً بساحتها معاًفأرواهما ما صاب من منتهى الود
أرى زفرتي تذكى ودمعي ينهمينقيضين قاما بالصلاء وبالورد
فهل بالذي أبصرتم أو سمعتمغمام بلا أفق وبرق بلا رعد
لي الله كم أهذي بنجد وأهلهاوما لي بها إلا التوهم من عهد
وما بي إلى نجد نزوع ولا هوىخلا أنهم شنوا القوافي على نجد
وجاءوا بدعوى حسن الشعر زورهافصارت لهم في مصحف الحب كالحمد
شغلنا بأبناء الزمان عن الهوىوللدرع وقت ليس يحسن للبرد
إلى الله أشكو ريب دهر يغص بينوائبه قد ألجمت ألسن العد
لقد صرفت حكم الفؤاد إلى الهوىكما فوضت أمر الجفون إلى السهد
أما تتوقى ويحها أن أصيبهابدعوة مظلوم على جورها يعدي
أما راعها أن زحزحت عن أكارمفراقهم دل القلوب على حدي
أعاتبها فيهم فتزداد قسوةأجدك هل عاينت للحجر الصلد
أما علمت أن القساوة نافرتطباع بني الآداب إلا من الرد
إذا وعدت يوماً بتأليف شملنافألمم بعرقوب وما سن من وعد
وإن عاهدت أن لا تؤلف بينناتذكرت آثار السموأل في العهد
خليلي أعني النظم والنثر أرسلاجيادكما في حلبة الشكر والحمد
قفا ساعداني إنه حق صاحببريء جمام الكتم من كدر الحقد
بآية ما قيدتما ألسن الورىبذكري فيا ويح الكناني والكندي
فأين بياني أو فأين فصاحتيإذا لم أعد ذكر الأكارم أو أبدي
فيا خاطري وف الثناء حقوقهوصغه كما قالوا سوار على زند
ولا تلزمني بالتكاسل حجةتشبهها نار الحياء على خدي
ثكلت القوافي وهي أبناء خاطريوغيبها الإقحام عني في لحد
لئن لم أصغ زهر النجوم قلادةوآت ببدر التم واسطة العقد
إلى أن يقول السامعون لرفقتينعم طار ذاك السقط عن ذلك الزند
أحيي برياها جناب ابن سالمفيقرع فيه الباب في زمن الورد وهي طويلة
ومن مقطوعاته قوله:
يا قمراً مطلعه أضلعيله سواد القلب فيها غسق
وربما استوقد نار الهوىفناب فيها لونها عن شفق
ملكتني في دولة من صباًوصدتني في شرك من حدق
عندي من حبك ما لو سرتفي البحر منه شعلة لاحترق وقال:
قد كان لي قلب فلما فارقواسوى جناحاً للغرام وطارا
وجرت سحائب للدموع فأوقدتبين الجوانح لوعة وأوارا
ومن العجائب أن فيض مدامعيماء، ويثمر في ضلوعي نارا وشعره الرمل والقطر كثرة، فلنختمه بقوله:
قالوا وقد طال بي مدى خطئيولم أزل في تجرمي ساهي:
أعددت شيئاً ترجو النجاة به ... فقلت: أعددت رحمة الله وكتب يهنئ قاضي الجماعة أبا القاسم ابن بقي برسالة منها: لأن محله دام عمره، وامتثل نهيه الشرعي وأمره، أعلى رتبة وأكرم محلاً، من أن يتحلى بخطة هي به تتحلى، كيف يهنأ بالقعود لسماع دعاوى الباطل، والمعاناة لإنصاف الممطول من الماطل، والتعب في المعادلة، بين ذوي المجادلة، أما لو علم المتشوفون إلى خطة الأحكام، المستشرفون إلى ما لها من التبسط والاحتكام، ما يجب لها من اللوازم، والشروط الجوازم، كبسط الكنف، ورفع الجنف، والمساواة بين العدو ذي الذنب، والصاحب بالجنب، وتقديم ابن السبيل، على ذي الرحم والقبيل، وإيثار الغريب، على القريب، والتوسع في الأخلاق، حتى لمن ليس له من خلاق، إلى غير ذلك مما علم قاضي الجماعة أحصاه، واستعمل خلقه الفاضل أدناه وأقصاه، لجعلوا خمولهم مأمولهم، وأضربوا عن ظهورهم، فنبذوه وراء ظهورهم، اللهم إلا من أوتي بسطة في العلم، ورسا طوداً في ساحة الحلم، وتساوى ميزانه في الحب والسلم، وكان كمولانا في المماثلة بين أجناس الناس، فقصاراه أن يتقلد الأحكام للأجر، لا للتعنيف والزجر، ويتولاها للثواب، لا للغلظة في رد الجواب، ويأخذها لحسن الجزاء، لا لقبيح الاستهزاء، ويلتزمها لجزيل الذخر، لا للإزراء والسخر، فإذا كان كذلك، وسلك المتولي هذه المسالك، وكان مثل قاضي الجماعة ولا مثل له، ونفع الحق به علله ونقع غلله، فيومئذ تهنى به خطة القضاء، وتعرف ما لله تعالى عليها من اليد البيضاء.
ورحل إلى مراكش في جهاز بنت بلغت التزويج، وقصد دار الإمارة مادحاً،
فما تيسر له شيء من أمله، ففكر في خيبة قصده، وقال: لو كنت أملت الله سبحانه ومدحت نبيه، ﷺ، وآل بيته الطاهرين لبلغت أملي، بمحمود عملي، ثم استغفر الله تعالى من اعتماده في توجهه الأول، وعلم أنه ليس على غير الثاني معول، فلم يك إلا أن صرف نحو هذا المقصد همته، وأمضى فيه عزمته، وإذا به قد وجه إليه فأدخل إلى الخليفة فسأله عن مقصده، فأخبره مفصحأ به، فأنفذه وزاده عليه وأخبره أن ذلك لرؤيا رسول الله، ﷺ، في النوم يأمر بقضاء حاجته، فانفصل موفى الأغراض، واستمر في مدح أهل البيت ﵈، حتى اشتهر بذلك. وتوفي سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وسنة دون الأربعين، وصلى عليه أبوه، فإنه كان بمكان من الفضل والدين، رحم الله تعالى الجميع؛ انتهى كلام ابن الخطيب في حق المذكور ملخصاً.
ولا بأس أن نزيد عليه ما حضر، فنقول: قال ابن سعيد وغيره: ولد صفوان سنة ستين وخمسمائة، أو في التي بعدها، قال: وديوان شعره مشهور بالمغرب؛ انتهى.
ومن نظمه قوله:
أومض ببرق الأضلعواسكب غمام الأدمع
واحزن طويلاً واجزعفهو مكان الجزع
وانثر دماء المقلتينتألماً على الحسين
وابك بدمع دون عينإن قل فيض الأدمع وهذا من قصيدة عارض بها الحريري في قوله:
خل ادكار الأربعوله أيضاً مطلع قصيدة فيه:
يا عين سحي ولا تشحي ... ولو بدمع بحذف عين وقال ابن الأبار: توفي صفوان بمرسية ليلة الاثنين السادس عشر من شوال سنة ثمان وتسعين وخمسمائة، وثكله أبوه، وصلى عليه، وهو دون الأربعين إذ مولده سنة إحدى وستين وخمسمائة، وكان من جلة الكتاب البلغاء، ومهرة الأدباء الشعراء، ناقداً فصيحاً، مدركاً جليل القدر، متقدماً في النظم والنثر، ممن جمع ذلك، وله رسائل بديعة، وقصائد جليلة، وخصوصاً في مراثي الحسين رضي الله تعالى عنه.
[رثاء ناهض الوادي آشي للحسين]
وقد تذكرت هنا قول ناهض بن محمد الأندلسي الوادي آشي في رثاء الحسين رضي الله تعالى عنه:
أمرنة سجعت بعود أراكقولي مولهة: علام بكاك
أجفاك إلفك أم بليت بفرقةأم لاح برق بالحمى فشجاك
لو كان حقاً ما ادعيت من الجوىيوماً لما طرق الجفون كراك
أو كان روعك الفراق إذاً لماضنت بماء جفونها عيناك
ولما ألفت الروض يأرج عرفهوجعلت بين فروعه مغناك
ولما اتخذت من الغصون منصةولما بدت مخضوبة كفاك
ولما ارتديت الريش برداً معلماًونظمت من قزح سلوك طلاك
لو كنت مثلي ما أفقت من البكالا تحسبي شكواي من شكواك
إيه حمامة خبريني، إننيأبكي الحسين، وأنت ما أبكاك
أبكي قتيل الطف فرع نبيناأكرم بفرع للنبوة زاكي
ويل لقوم غادروه مضرجاًبدمائه نضواً صريع شكاك
متعفراً قد مزقت أشلاؤهفرياً بكل مهند فتاك
أيزيد لو راعيت حرمة جدهلم تقتنص ليث العرين الشاكي
أو كنت تصغي إذ نقرت بثغرهقرعت صماخك أنة المسواك
أتروم ويك شفاعة من جدههيهات! لا، ومدبر الأفلاك
ولسوف تنبذ في جهنم خالداًما الله شاء ولات حين فكاك وتوفي ناهض المذكور بوادي آش سنة
رجع إلى أخبار صفوان بن إدريس - رحمه الله تعالى - فنقول: ومن شعر صفوان قوله:
قلنا وقد شام الحسام مخوفاًرشأ بعادية الضراغم عابث
هل سيفه من طرفه أم طرفهمن سيفه أم ذاك طرف ثالث وقوله:
غيري يروع بسيفهرشأ تشاجع ساخرا
إن كف عني طرفه ... فالسيف أضعف ناصرا وقال صفوان المذكور رحمه الله تعالى: حييت بعض أصحابنا بزهرة سوسن، فقال:
فقلت مجيزاً:
نضراء تفضح يانع الزهر ...
عجباً لها لم تذوها يدهمن طول ما مكثت على الصدر
وقال أيضاً: ماشيت الوزير الكاتب أبا محمد ابن حامد يوماً، فاتفق أن قال لأمر تذكره:
بين الكثيب ومنبت السدرريم غدا مثواه في صدري فقلت أجيزه:
لوشاحه قلم بلا ألمولقرطه خفق بلا ذعر
لو كنت قد أنصفت مقلتهبرأت هاروتاً من السحر
أو كنت أقضي حق مرشفهأعرضت لا ورعاً عن الخمر وناولته يوماً وردة مغلقة، فقال:
ومحمرة تختال في ثوب سندسكوجنة محبوب أطل عذاره فقلت أجيزه:
كتطريف كف قد أحاطت بنانها ... بقلب محب ليس يخبو أواره وقال: رآني الوزير أبو إسحاق وأنا أقيد أشعاراً من ظهر دفتر فقال:
ماذا الذي يكتب الوزيرقلت:
بدائع ما لها نظيرفقال:
در ولكنه نظيممن خير أسلاكه السطور فقلت:
من أظهر الكتب أقتنيهاوخل ما تحتوي البحور
بتلك تزهو النحور، لكنبهذه تزدهي الصدور
ولكن الإنصاف واجب، هو قال المعنى الأخير نثراً وأنا سبكته نظماً.
وقال: جلسنا بعض العشايا بالولجة خارج مرسية، والنسيم يهب على النهر، فقال أبو محمد ابن حامد:
هب النسيم وماء النهر يطردفقلت على جهة المداعبة، لا الإجازة:
ونار شوقي في الأحشاء تتقد ... فقال أبو محمد: ما الذي يجمع بين هذا العجز وذاك الصدر فقلت: أنا أجمع بينهما، ثم قلت:
فصاغ من ماءه درعاً مفضضةوزاد قلبي وقداً للذي يجد
وإنما شب أحشائي لحاجته ... إذ ليس دون لهيب يصنع الزرد وخطرنا بلقنت على ثمرة تهزها الريح فقال أبو محمد:
وسرحة كاللواء تهفوبعطفها هبة الرياح فقلت:
كأن أعطافها سقتهاكف النعامى كؤوس راح فقال:
إذا انتحاها النسيم هزتأعطافها هزة السماح فقلت:
كأن أغصانها كرامتقابل الضيف بارتياح
ولصفوان ﵀:
تحية الله وطيب السلامعلى رسول الله خير الأنام
على الذي فتح باب الهدىوقال للناس: ادخلوا بسلام
بدر الهدى، غيم الندى والسدىوما عسى أن يتناهى الكلام
تحية تهزأ أنفاسهابالمسك، لا أرضى بمسك الختام
تخصه مني ولا تنثنيعن أهله الصيد السراة الكرام
وقدرهم أرفع لكننيلم ألف أعلى لفظة من كرام وقال:
يقولون لي لما ركبت بطالتيركوب فتى جم الغواية معتدي
أعندك شيء ترتجي أن تناله ... فقلت: نعم عندي شفاعة أحمد ﷺ، وشرف وكرم، ومجد وعظم، وبارك وأنعم، ووالى وكمل وأتم.
النص من طبعة دار صادر ببيروت، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع