من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)
ومن أبيات أولها: ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ ...
ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍوفى لي بأهليه وزاد كثيرا
وهي من ثالث الطويل.
جعل الوقت في شرفه قد وفى بالدهر, وهذا نحو من قولهم لمن يمدحون: أنت الناس كلهم, ونحو ذلك. وقوله: وفي لي, في وفى ضمير يعود على واحدٍ, والهاء في أهليه عائدة على الدهر, والمعنى أن هذا الممدوح قد وفى لي بأهل الدهر وزاد على ذلك. وقولهم: وفى فلان بفلان أي قام مقامه, كما قال الصمة:
وفاء ما معية من أبيهلمن أوفى بجار أو بعقد
وقد يجوز أن يكون قولهم: وفي به؛ أي: زاد عليه شيئًا, فيكون من قولهم وفي الميزان.
وقوله:
غدا الناس مثليهم به لا عدمتهوأصبح دهري في ذاره دهورا
يقول: أصبح الناس وقد زادوا به فصاروا مثليهم, وهذا البيت ناصر للبيت الأول؛ لأنه قال: ووقتٍ وفى بالدهر لي عند واحدٍ وفى لي بأهليه؛ أي: كان مثلهم في الغناء والمكارم المحمودة, فلما كان مثل الناس أجمعين صاروا مثليهم. وقوله: وأصبح دهري في ذراه دهورًا: قد زاد في هذا المعنى على ما ذكره في البيت الأول؛ لأنه جعل الوقت وافيًا بالدهر, وجعل الناس مثليهم بالممدوح, وقد جمع في البيت الآخر الدهر, فبالغ فيه أكثر مما بالغ في الرجل؛ لأن الجمع لا نهاية له في العدد, فالدهور تقع على ثلاثةٍ فما زاد. وفائدته في طول الدهر أنه ينال فيه من المآرب ما لا يناله في الدهر القصير, ويصيب المسرة, ويدرك الأماني.
النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع