تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

من التي أولها: كفرندي فرند سيفي الجراز ... لذة العين

كفرندي فرند سيفي الجرازلذة العين عدة للبراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

وهي من الخفيف الأول. الفرند: جوهر السيف, وقد مر ذكره. والجراز: القاطع. يقال: جرزه إذا قطعه. والأرض الجرز: التي لا نبت فيها, كأنها قطع عنها النبات أو انقطع عنها المطر, ويقال: رجل جروز أي: أكول. وامرأة جارز: عقيم, كأنها قطعت الولد.

وقوله: لذة العين كأنه على قوله: هو لذة العين. ويجوز أن يجعل لذة العين محمولةً على قوله: فرند سفي الجراز فلا يحتاج إلى إضمار هو. والبراز مصدر بارز القرن قرنه إذا ظهر كل واحدٍ منهما لصاحبه. قال الشاعر:

ولقد سئمت من النداء وقولهم هل من مبارز

وقالوا: امرأة برزة إذا كانت تجترئ على خطاب الرجال, كأنها تبرز لهم, ولعلها وصفت بذلك أيام كان النساء لم يضرب عليهن الحجاب, وقالوا في قول العجاج:

عف وذو العفافة البرزي

أراد الحيي. وهذا ضد قولهم للمرأة: برزة. وذهب قوم إلى أن هذه الكلمة من الأضداد وأنشد أبو زيدٍ:

إن تلقني برزين لا تغتبط بهوإن تدع لا تنصر على وأخذل

أراد أن كل واحدٍ منهما يبرز لصاحبه.

وقوله:

كلما رمت لونه منه الناضر موج كأنه منك هاز

يصف جوهر السيف وأنه لا يثبت للناظر على حالٍ واحدةٍ ك أنه يهزأ به, وإن كان خفف الهمزة ونظم الكلمة في البيت بعد التخفيف فقد صارت مثل قاضٍ, لا يجب أن تثبت فيها الياء عند الكتب وإن كان جاء باللفظة مهموزةً. فلما عجز الوزن عن احتمالها كذلك جعل الهمزة ياءً فيجب أن تثبت في الخط, وتخفيف مثل هذه كثير. قال عبد الرحمن بن حسان:

فكنت أذل من وتدٍ بقاعٍيشجج رأسه بالفهر واجي

وقوله:

ودقيق قدى الهباء أنيقمتوالٍ في مستوٍ هزهاز
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: قدى الشيء وقيده وقاده؛ أي: مقداره, والأنيق: الحسن, الذي يعجب من رآه, والهباء: أدق ما يكون من الغبار. وإذا أحكم صقال السيف, والنصل من نصال السهام وصف بأن عليه مثل الهباء, قال الشاعر:

دلفت له بأبيض مشرفيكأن على مواقعه غبارا

مواقعه: المواضع التي يقع عليها المسن, وقال ذو الرمة يصف نصال السهام:

وبيض رقاق قد علتهن هبوةأرق من الماء الزلال كليلها

وقال والبة بن الحباب في صفة السيف:

فكأنما نفض الهباء عليه أنفاس الرياح

والهزهاز الذي كان ماؤه يهتز فيه, قال الراجز:

قد وردت مثل اليماني الهزهازتدفع عن أعناقها بالأعجاز

وقوله:

ورد الماء فالجوانب قدرًاشربت والتي تليها جوازي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

أراد بالجوانب صفحاته, لأن ماءه يظهر فيهن, وبالتي تليها الحدين؛ لأن الفرند لا يظهر في الحد.

وقد يجوز أن يكون المراد ما يسقاه الحد في الصقال, فالمعنى حينئذٍ ضد الأول؛ لأن الواردة في المعنى الأول الصفحات. وفي المعنى الثاني حده وما يليه. والجوازي التي جزأت عن الماء؛ أي: امتنعت عن شربه, وحكمها في الهمز وتخفيفه كحكم هازئ.

وقوله:

حملته حمائل الدهر حتىهي محتاجة إلى خراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

استعار حمائل السيف للدهر, ووصفه بالقدم, وهذه نهاية في المبالغة؛ لأن حمائل الدهر قد حملته حتى بليت, فاحتاجت إلى أن تخرز.

وقوله:

وهو لا تلحق الدماء غراريــه ولا عرض منتضيه المخازي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يقول: هذا السيف من سرعة قطعه يسبق الدم فلا يتعلق به منه شيء. ويقرب من هذا المعنى قول الأول في صفة السيف:

ترى ضرباته أبدًا خطاياإلى أن يستبين له قتيل

وقوله:

يا مزيل الظلام عني وروضييوم شربي ومعقلي في البراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

البراز: الموضع المنكشف. والمعقل: الموضع الذي يلتجأ إليه. وأصله الموضع في أعلى الجبل, يقال: عقلت الأروى إذا حصلت بذلك الموضع كأنها تعقل الحوادث عن نفوسها؛ أي: تحبسها, كما يحبس البعير بالعقال, قال النابغة:

وقد خفت حتى ما ت زيد مخافتيعلى وعلٍ في ذي المطارة عاقل
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «أهاجك من أسماء رسم المنازل»

وهذا مثل قول قيس بن الخطيم:

معاقلهم أبياتهم ونساؤهموأيماننا بالمشرفية معقل

وشبه السيف بالروضة؛ لأنه يوصف بالخضرة.

وقوله:

إن برقي إذا برقت فعاليوصليلي إذا صللت ارتجازي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يقول: إن كان أيها السيف برقك يسبق الضرب بك فبرقي أنا فعلي أي: إني أبدأ بالفعال إذا كنت أنت لا تبدأ به. والصليل: صوت الحديد بعضه على بعضٍ, قال عبد قيس ابن خفافٍ البرجمي:

وسابغةٍ من جياد الدروع تسمع للسيف فيها صليلا
للشاعر البُرجُمي، من قصيدة «صحوتُ وزايلني باطلي»

وكانت العرب إذا لاقت الحروب قالت الرجز, تستثير به نفوسها إلى الحرب, وتستجلب تعاون الشاهدين, وكذلك كانوا يفعلون إذا بشروا الأعمال كسقي الإبل ونحوه, وقالوا: ارتجز السحاب إذا جاء بالرعد كأنه يحث نفسه على المطر. قال الهذلي:

سقى الرحمن حزم نبايعاتٍمن الجوزاء أنواءً غزارا
بمرتجزٍ كأن على ذراهركاب الشام يحملن البهارا
للشاعر البريق الهذلي، اقرأ القصيدة

البهار هاهنا: واحد في معنى جمعٍ. والرجز الذي كان يستعملون عند ممارسة الحروب

والأعمال: ثلاثة أصنافٍ, لا اختلاف بين أهل العلم أنهم كانوا يسمونها رجزًا, وبها جاء شعر الرجاز: العجاج, ورؤبة, وأبي النجم.

فمن ذلك قول العجاج:

ما هاج أحزانًا وشجوًا قد شجا

من طللٍ كالأتحمي أنهجا

وقوله:

يا صاح هل تعرف رسمًا أكرسا

أي: قد اجتمع عليه الكرس, وهو البعر.

قال نعم أعرفه وأبلسا

فهذا صنف. والصنف الثاني يجتمع في آخره ساكنان, كقوله:

يا صاح ما هاجك من ربعٍ خالودمنةٍ تعرفها وأطلال

وقول رؤبة:

قد عرضت أروى بقولٍ إفناد

والصنف الثالث أقصر من الصنف الأول بحرفٍ متحركٍ, وأقصر من الثاني بحرفٍ ساكنٍ, وهو كقول رؤبة:

عاذل قد أولعت بالترقيشإلي سرًا فاطرقي وميشي

وكان الخليل يجعل هذين الصنفين الآخرين من الوزن, الذي يقال له السريع على علمٍ أن العرب تسمها بالرجز, وهذا مستطرف من رأيه. والرجز عنده خمسة أضربٍ, وعند غيره تسعة. فأما تام الرجز فلم يرو أنهم استعلموا في الحرب, وكأنه لما طال جعلوه من القصيد, وهو كقول قعنب بن أم صاحبٍ:

باكرني بسحرةٍ عواذليولومهن خبل من الخبل

ولم ترو الثقات عنهم هذا الوزن إلا مقيدًا, وهو وزن مقصورة ابن دريدٍ.

وأما الثاني من الرجز عند الخليل فهو كقول القائل:

القلب منها مستريح دهرهوالقلب مني جاهد مجهود

وأما الثالث منه فلا يستعملونه أيضًا في الحرب وما جرى مجراها. وقد استعمله عمر بن أبي ربيعة في النسيب كقوله:

قد هاج قلبي منزلمن أم عمرو مقفر

والرابع قد مر ذكره في الأصناف الثلاثة. والخامس قد استعمل في الحرب. وقال بعض من شهد يوم الجمل:

أضربهم باليابسضرب غلامٍ عابس ... من الحياة يائس

ويروى أن دريد بن الصمة قال في يوم الحنينٍ:

يا ليتني فيها جذعأخب فيها وأضع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»
أقود وطفاء الزمعكأنها شاة صدع
للشاعر دريد بن الصمة، من قصيدة «يا ليتني فيها جذع»

فهذا من خامس الرجز:

والذين جعلوه تسعة أضربٍ ألحقوا به الضربين اللذين جعلهما الخليل من السريع, والضربين المنهوكين اللذين ذكرهما في المنسرح:

الأول منهما كقول أبي خراش:

إليك أم ذبانقد صرحت بجلدان
ليس بتنكاع الضاننكع الجلاد الحمران
لكن جلاد الفتيانبكل لينٍ حران

وقالت نائحة سعد بن معاذ:

ويل ام سعدٍ سعداصرامةً ومجدا
للشاعر كبشة بنت رافع، من قصيدة «ويل أم سعد سعدا»
وفارسًا معداسد به مسدا

فهذا الآخر من الضربين اللذين ذكرهما في المنسرح. وهو في الأصل أنقص من الأول بحرفٍ ساكنٍ, والأول ثاني المنسرح. والثاني منهما ثالثه. ويقال إن الرجز سمي رجزًا لاضطراب أجزائه شبه بالرجز الذي يلحق الإبل, من قولهم: ناقة رجزاء إذا كانت تضطرب فخذاها عند القيام. قال أوس بن حجرٍ:

هممت بمعروفٍ فقصرت دونهكما ناءت الرجزاء شد عقالها

وكما قال أبو النجم في صفة امرأة:

تذر القيام كأنما هو نجدةحتى تقوم تكلف الرجزاء

وقوله:

ولم احملك معلمًا هكذا إلـلا لضرب الرقاب والأجواز

طرح حركة الهمزة في أحملك على الميم من لم. وحذف الهمزة, وتلك لغة حجازية معروفة, وقد قرأ بها المدنيون, ومنه قول الشاعر:

فقالت من أي الناس أنت ومن تكنفإنك راعي ثلةٍ لا يزينها

والمعلم الذي يشهر نفسه في الحرب فيجعل لها علامةً تعرف بها, وذلك مما تفتخر به العرب, قال معاوية بن أوسٍ اليربوعي:

ولما تداعوا لأقرانهمدعوني إلى الفارس المعلم

وروي أن حمزة بن عبد المطلب كان في يوم أحدٍ معلمًا بريشة نعامةٍ.

والأجواز: جمع جوزٍ, وهو الوسط.

وقوله:

ولقطعي بك الحديد عليهافكلانا لجنسه اليوم غاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يقول: أنا أضرب بك أيها السيف رؤوس الرجال وأوساطها؛ فأقطع بك الحديد الذي تتقي به السيوف, فأنا غازٍ لجنسي, وهم الإنس, وأنت غازٍ لجنسك, وهو الحديد, فكلانا صاحب غزوٍ, والغزو: أصله القصد. يقال: ما غزا فلان بقوله كذا, أي: ما قصد وما أراد, ثم قصروا ذلك على قصد العدو والمسافر إليه حتى يحارب بأرضه.

وجمع غازٍ غزى وغزاة, فهذا على القياس, وقالوا: غزي كما قالوا: عبد وعبيد, وذلك اسم للجميع لا يقاس عليه, وإذا غارت المياه قالوا: غزا الماء أوطانه إذا نزل حتى يصل إلى الماء الغمر الذي يقال: إن الأرض محمولة عليه. وقالوا في صفة الأتان الوحشية: هي مغزية العقاق إذا بعد عهدها بالحمل. والعقاق أن يعظم بطنها وهي حامل, يقال: أعقت فهي معق, وعقوق أيضًا بينة العقاق.

وقوله:

سله الركض بعد وهنٍ بنجدٍفتصدى للغيث أهل الحجاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يريد أن هذا السيف إذا كان مغمدًا فركض الفارس الذي هو متقلد له خرج بعضه من الغمد فرآه أهل الحجاز, وهو بنجدٍ فظنوا تلك السلة برقاً, وحسن ذكر الحجاز في هذا الموضع؛ لأن المطر يقل فيه, ولا يكون كأمطار الشام والعراق.

وقوله: تصدى يجب أن يكون أصله تصدد, فأبدل من الحرف الآخر ألفًا, وإنما أخذ ذلك من قولهم: هو بصدد كذا؛ أي: قريب منه, يراد أن الإنسان يتعرض للشيء ليصيبه. والحجاز سمي حجازًا؛ لأنه حجز بالحرار الخمس, وهي: حرة ليلى وحرة واقم وحرة

النار, وحرة راجلٍ وقيل: حرة بني عبسٍ, وقيل: حرة بني سليم مكان حرة بني عبسٍ. وزعم قوم أنه سمي الحجاز؛ لأنه حجز بين نجدٍ والسراة.

وقوله:

فارسي له من المجد تاجكان من جوهرٍ على أبرواز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

أبرواز: ملك من ملوك الفرس. والعجم إذا نطقوا بالألف جاؤوا بها مثل الياء تارةً, ومثل الألف أخرى, وكأنهم يجعلونها بين بين ليست بالخالصة لأحد الحرفين, فلذلك جعلها أبو الطيب ألفًا خالصةً. فأما أبو عبادة فهي في شعره ياء, وذلك في قوله:

وتوهمت أن كسرى أبرويــز معاطي والبلهبذ أنسي
للشاعر البحتري، من قصيدة «صنت نفسي عما يدنس نفسي»

البلهبذ: صاحب رتبةٍ عظيمة من رتب الفرس دون الملك.

وقوله:

ليس كل السراة بالروذباريي ولا كل ما يطير بباز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

تزعم الأعاجم أن من كان على شاطئ النهر فنسب إلى وطنه قيل له: روذباري.

وقوله:

شغلت قلبه حسان المعاليعن حسان الوجوه والأعجاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

قوله: حسان الوجوه: لفظ يحتمل وجهين: أحسنهما أن تكون حسان معرفةً, وتكون إضافتها على معنى من, كأنه قال: عن التي حسنت من الوجوه والأعجاز, والآخر أن تكون حسان نكرةً ويكون التقدير عن حسانٍ وجوهها وأعجازها.

وقوله:

وكأن الفريد والدر والياقوت من لفظه وسام الركاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

الفريد: جمع فريدةٍ, وهي العظيمة من اللؤلؤ كأنها تنفرد بعظم القدر لأنها قليلة المثال؛ كما يقال للرجل: هو فريد في قومه؛ أي: ليس فيهم مثله. والياقوت: معرب, وليس في كلامهم اليقت, فيقال: إنه مشتق منه, وقد جاء في كتاب الله سبحانه, وجاء في الشعر القديم, قال النابغة:

بالدر والياقوت زين نحرهاومفصلٍ من لؤلؤٍ وزبرجد
للشاعر النابغة الذبياني، من قصيدة «بالدر والياقوت زين نحرها»

والسام: عروق الذهب والفضة, وبه سمي الرجل سامة, وأكثر الناس ينشد قول قيس بن الخطيم:

لو انك تلقي حنظلًا فوق بيضناتدحرج عن ذي سامه المتقارب
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

فيضيفون سامًا إلى الهاء العائدة على بيضنا. وذكر أبو الحسن سعيد بن مسعدة في كتابٍ له يعرب بكتاب «المعاياة», ورواه: عن ذي سامة المتقارب. ويقال: إن ذا سامة اسم معدنٍ. والركاز عند قومٍ ما يخرج من المعدن, وعند غيرهم: ما يوجد من كنوز الجاهلية في الأرض.

وقوله:

تقضم الجمر والحديد الأعاديدونه قضم سكر الأهواز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

القضم أكل بمقدم الفم, ويستعمل ذلك في الشيء اليابس دون الربط. والسكر أصله أعجمي, وقد جاء في الشعر الفصيح, قال الراجز:

تكون بعد الحسو والتمزرفي فمه مثل عصير السكر

والأهواز هذه البلدة المعروفة, واسمها أعجمي؛ إلا أنه قد وافق من العربية قولهم: هوز الرجل إذا مات, مثل فوز. وقولهم: ما أدري أي الهوز هو, أي: أي الخلق هو. والمعنى أن الأعادي إذا طلبوا هذا الممدوح لقوا شدةً عظيمة دونه فكأنهم يقضمون جمرًا وحديدًا من الشدائد التي يلقون, ولا يريد أنهم يفعلون ذلك باختيارهم, وإنما يقدر عليهم؛ لأنه لو وصفهم بالصبر على تلك الحال لكان مادحًا لهم, وإنما أراد أنهم يقضمون الجمر والحديد مكرهين كما يقضم غيرهم السكر وهو لذلك مختار ملتذ به.

وقوله:

بلغته البلاغة الجهد بالعفــو ونال الإسهاب بالإيجاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

الجهد هاهنا: مصدر جهد يجهد إذا تناهى في الطلب وبلوغ الحاجة. والعفو: السهل الذي لا كلفة فيه, ومنه قوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾؛ أي: السهل من النفقات. وقوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف﴾, أي ما سهل من الأمور وتيسر. والعفو في غير هذا: الكثير. والإسهاب إكثار الكلام. وزعم أصحاب النقل أنه يقال: أسهب الرجل فهو مسهب بالفتح, ولا يمنعون أن يقال: مسهب, ومثله مسهبٍ أحصن فهو محصن. وقد قرئ بالفتح والكسر: محصنين ومحصنين, وألفج فهو ملفج إذا أفلس, قال الراجز:

جارية شبت شبابًا علسجافي حجر من لم يك عنها ملفجا

وقوله:

أيها الواسع الفناء وما فيــه مبيت لمالك المجتاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

في شعر أبي الطيب أشياء من هذا الجنس, فبعضها يلزم به الضرورة, وبعضها لو تركه لم يكن مضطرًا, ومنها هذا الموضع؛ لأن واجب الكلام أن يقول: لماله المجتاز. وهذا نحو من قول الآخر:

إنا إذا اجتمعت يومًا دراهمناظلت إلى سبل المعروف تستبق
لا يألف الدرهم الطازي صرتنالكن يمر عليها وهو منطلق

وقوله:

بك أضحى شبا الأسنة عنديكشبا أسوق الجراد النوازي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

الشبا: الحد. ويجب أن يكون من ذوات الواو, من قولهم للعقرب: شبوة معرفة, وللجارية الكثيرة الحركة: شبوة نكرة. ويقال: شبا الشيء وشباته. قال الفرزدق:

ولو غيرنا نبهت تلتمس القرىرماك بسهمٍ أو شباة سنان
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «وأطلس عسال وما كان صاحبا»

والنوازي: جمع نازٍ ونازيةٍ, وهو الذي يثب. ويقال في جمع الساق: أسوق وسوق, وحكي سؤوق, وقد قرئ: ﴿بالسؤوق والأعناق﴾ بالهمز. وكذلك همز بعضهم: ﴿وكشفت عن ساقيها﴾, وإذا همزت الساق حسن أن يقال في جمعها: سؤوق, كما يقال: رأس ورؤوس, وكأس وكؤوس؛ لأن هذا الجمع يكره في ذوات الواو الكائنة على مثال: ساق, ألا تراهم لم يقولون: دؤور في جمع دارٍ, ولا سؤوح في جمع ساحةٍ.

وقوله:

وانثنى عني الرديني حتىدار دور الحروف في هواز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

هذه الكلمات الست, التي أولها أبجد وآخرها قريسيات, بعضها موافق لكلام العرب, وبعضها لا معنى له. وقد ذكرت في الأشعار. قال الراجز:

تركتهم في مخض وطبٍ حازر

وفي أبي جادٍ وفي مرامر

وقال آخر:

تعلمت باجادٍ وآل مرامرٍوسودت أثوابي ولست بكاتب

ويقال: إنهم سموا أبا جادٍ آل مرامرٍ؛ لأن أول من كتبها من العرب ثلاثة من أهل الأنبار يقال لأحدهم: مرامر بن مروة. وقال الراجز:

لما رأيت أمرها في حطيوفنكت في باطلي ولطي
أخذت منها بقرونٍ شمطفلز يزل جذبي بها ومعطي

حتى علا الرأس دم يغطي

وهواز: موافقة لفظ هوز, مثل: فوز. وكلمون قيل: إنها أعجمية ولكنها موافقة للفظةٍ

أخذت من الكلم أو الكلام, وزيدت فيها الواو والنون. وأما صعفص فلا مذهب لها في كلام العرب, وقد ذكرت في الشعر القديم. وأما قريسيات فتوافق من كلام العرب قولهم: فحل قراسية إذا كان مسنًا قويًا, فيقال في جمعه: قراسيات, فإذا صغر هذا الجمع قيل: قريسيات, قال الشاعر:

أتيت مهاجرين فعلمونيثلاثة أحرفٍ متواليات
وخطوا لي أباجادٍ وقالواتعلم صعفصًا وقريسيات

وقوله:

وبآبائك الكرام التأسيوالتسلي عمن مضى والتعازي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: تأسى بالرجل إذا جعله لنفسه أسوةً, وقالوا: تأسوا من الإسوة أيضًا, ويقال: إن مصعب بن الزبير تمثل بهذا البيت يوم قتل, وهو:

فإن الأولى بالطف من آل هاشمٍتآسوا فسنوا للكرام التآسيا

والتعازي: جمع تعزيةٍ.

وقوله:

تركوا الأرض بعدما ذللوهاومشت تحتهم بلا مهماز

المهماز: مأخوذ من قولهم: همز الشيء إذا غمزه بيده, فهذا أصله, وفي الكتاب العزيز:

﴿ويل لكل همزةٍ لمزةٍ﴾, وإنما وصفوا الرجل بذلك؛ لأنه يكون مع القوم في المجلس, فإذا تكلم منهم متكلم, وأراد أن يعيبه همز الذي يليه من القوم بيده, والناس يفعلون ذلك كثيرًا, ثم كثرت هذه الكلمة حتى جعل النظر بالعين والإشارة بها في عيب الرجل من الهمز. وقالوا في جمع المهماز: مهامز, كأنه جمع مهمزٍ, والقياس: مهاميز, ولكنهم يجترئون على حذف هذه الياء كثيرًا, قال الشماخ في صفة القوس:

أقام الثقاف والطريدة درأهاكما قومت درأ الشموس المهامز
للشاعر الشماخ الذبياني، من قصيدة «عفا بطن قو من سليمى فعالز»

والطريدة: شيء يستعينون به على بري خشبة القوس, ومثل قولهم: مهامز في جمع مهمازٍ قولهم: مصابح في جمع مصباحٍ, ومفاتح في جمع مفتاحٍ.

وقوله:

وأطاعتهم الجيوش وهيبوافكلام الورى لهم كالنحاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

النحاز: يستعمل في معنى السعال, قال القطامي:

ترى منه صدور الخيل زورًاكأن بها نحازًا أو دكاعا
للشاعر القطامي التغلبي، اقرأ القصيدة

يقول: الناس من هيبتهم لهم لا يفصحون بالقول لهم, فكأن كلامهم نحاز, ومن تأمل النحاز وحد أصواته متقطعةً, وزن كل صوتٍ منها حرفان, متحرك بعده ساكن؛ وذلك أقل ما يمكن أن ينطق به.

وقوله:

وهجانٍ على هجانٍ تآيتــك عديد الحبوب في الأقواز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

يقول: رب قومٍ هجانٍ؛ أي: بيضٍ على بيضٍ من الإبل تآيتك؛ أي: تعمدتك, وأصل قولهم: تآياه إذا تعمد آيته؛ أي: شخصه. قال الشاعر:

فتآيا بطريرٍ مرهفٍجفرة المحزم منه فسعل
للشاعر النابغة الجعدي، من قصيدة «لمن الدار كأنضاء الخلل»

والأقواز: جمع قوزٍ, وهو كثيب من الرمل, قال الرجز:

لما رأى الرمل وأقواز الغضاوالبقر الملمعات بالشوى

بكى وقال هل ترون ما أرى

وقالوا في جمع أقوازٍ: أقاوز, قال الشاعر:

ومخلداتٍ باللجين كأنماأعجازهن أقاوز الكثبان

المخلدات: المسورات والمخلخلات. ويقال للسوار والخلخال والقرط: خلدة, وإذا نصب عديد الأقواز فيجب أن تكون إضافته منفصلةً على معنى اللام, كأنه قال: عديدًا للأقواز ليصح بهذا التأويل نصبه على الحال, وإن خفض العديد فجائز على أن يجعل صفةً لهجانٍ, ولابد فيه من تقدير الانفصال, ولو جعل بدلًا في حال الخفض لاحتمل.

وقوله:

صفها السير في العراء فكانتفوق مثل الملاء مثل الطراز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

العراء: المكان المنكشف, كأنه قد عري من أي يكون فيه شيء, وقيل: هو المكان الخالي, وروي أنه ظاهر الأرض. وهذه المعاني متقاربة, وفي الكتاب العزيز: ﴿فنبذناه بالعراء وهو سقيم﴾. وقال الهذلي:

فرفعت رجلًا لا يخاف عثارهاونبذت بالبلد العراء ثيابي

والملاء: جمع ملاءةٍ, وهي كلمة عربية. يريد أن هؤلاء القوم فوق هذه الإبل قد صفهم السير فهم كالطراز على هذه الأرض المشبهة بالملاء, وهذا كالمدح للركبان والركائب؛ لأن الطراز يحسن الثوب.

وقوله:

وحكى في اللحوم فعلك في الوفــر فأودى بالعنتريس الكناز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

الوفر: المال. يقول: أفنى السير لحوم هذه الإبل كإفنائك المال بعطائك, فأودى يعني السير, والعنتريس: الناقة الصلبة العنيفة في السير, وقيل: هي مأخوذة من العترسة, وهي أخذ بعنفٍ وعجلةٍ, وقيل: إن الشيطان يقال له: العتريس. والكناز: المكتنزة اللحم, وهو الذي دخل بعضه في بعضٍ, ومنه قولهم: كنزت المال, وكنزت التمر إذا جمعت بعضه إلى بعضٍ, ثم عملت به عملًا يمنعه من الفرقة.

وقوله:

ملك منشد القريض لديهيضع الثوب في يدي بزاز
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

البز, الذي يراد به الثياب: عربي قديم, ومنه قولهم: بزه إذا أخذ ثيابه, قال الراجز:

وليلةٍ صريمها كالخزأدلجتها من أجل أم عز

وأم عز من عتيق البز

أي: إنها كريمة المنصب, ويحتمل أن يعني بها قدم البز كما قال أبو الأسود الذولي:

أبى القلب إلا أن عمروٍ وحبهاعجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند
كثوب اليماني قد تقادم عهدهورقعته ما شئت في العين واليد

وكثر ذلك حتى سموا متاع الرجل وآلته بزًا, فدخل في ذلك الثوب والدرع والسيف, قال متمم:

ولا بكهامٍ بزه عن عدوهإذا هو لاقى حاسرًا أو مقنعا
للشاعر مُتَمِّم بن نويرة اليربوعي، اقرأ القصيدة

يعني السيف.

وقال أبو دوادٍ الإيادي وذكر الفرس:

كأني إذا عاليت جوزة ظهرهأعلق بزي عند بيض الأنوق

فأما قول أبي خراش:

كأني إذا غدوا ضمنت بزيمن العقبان خايتةً طلوبا

فيجوز أن يعني ببزه ما عليه من ثوبٍ, وما معه من سلاحٍ, ولم يستعلموا البزاز في الشعر القديم, ولا ريب أنه من الأسماء العربية. يقول: هذا الممدوح إذا مدحه الشاعر فكأنه وضع الثوب في يدي بزازٍ, يصف أنه عالم بالشعر كعلم البزاز بالثياب.

وقوله:

ولنا القول وهو أدري بفحواهـ وأهدى فيه إلى الإعجاز
للشاعر المتنبي، من قصيدة «كفرندي فرند سيفي الجراز»

فحوى الكلام: معناه, حكي بالقصر والمد. وأهدى هاهنا: يجوز أن يكون مأخوذًا من فعلٍ غير متعد, كقولهم: فلان هادٍ لكذا؛ أي: يهتدي إليه, ولا يمتنع أن يكون مأخوذًا من فعل متعد, فهذا أشد مبالغةً في وصف الممدوح؛ لأنه في المعنى الأول يجعله مهتديًا إلى المعاني الدقيقة, وفي المعنى الثاني يكون حائزًا لفضيلة الاهتداء, ثم هو هادٍ غيره إلى المقال فله فضيلة عظيمة في هدي سواه.

وقوله:

ومن الناس من تجوز عليهشعراء كأنها الخازباز
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نون شعراء, وذلك جائز بلا اختلافٍ, إلا أن صرف ما كانت فيه ألفا التأنيث يقل في شعر العرب, وإنما يصرفون كثيرًا ما لم تكن فيه ألف التأنيث, كمساجد, وزينب, ونحو ذلك. والخازباز هاهنا: الذباب ويقال لصوته: خازباز أيضًا. قال ابن أحمر:

تفقأ فوقه القلع السواريوجن الخازباز به جنونا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا ليت المنازل قد بلينا»

فيجوز أن يعني بالخازباز الذباب وصوته. وبعض النبت يقال له: الخازباز, قال الراجز:

رعيتها أكرم عودٍ عوداالصل والصفصل واليعضيدا
والصليان السنم المجودابحيث يدعو عامر مسعودا

ويقال لهذا الداء الذي يظهر في وجوه الصبيان الخازباز أيضًا. قال الراحز:

يا خازباز أرسل اللهازما

إني أخاف أن تكون لازما

وقوله:

كل شعرٍ نظير قابله منــك وعقل المجيز مثل المجاز
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: الشعر إذا كان رديئًا خسيسًا جاز على الأخساء من القوم, وإذا كان جيدًا نفق على الرؤساء السادة. وقوله: وعقل المجيز مثل المجاز. المجاز هاهنا: العطاء الذي يعطاه الشاعر, أي: إن ع قل المجيز إذا كان وافرًا وفر العطية, وإذا كان ناقصًا كان ما يعطيه كذلك, ويحتمل أن يكون المجاز هاهنا: الشعر؛ وذلك أشبه من المعنى الأول, ولا يحسن أن يراد بالمجاز الشاعر؛ لأنه إذا أراد ذلك احتاج إلى أن يكون قد حذف المضاف, كأنه قال: وعقل المجيز مثل عقل المجاز, وفي هذا انتقاص للممدوح لأنه يجعل عقله مثل عقل الشاعر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.