تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

من القصيدة التي أولها: نزور دياراً ما نحب لها مغنى ...

نزور دياراً ما نحب لها مغنىونسأل فيها غير ساكنها الإذنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوزن من أول الطويل والقافية من المتواتر.

نزور دياراً لا نحب مغنى من مغانيها, ونستأذن في زيارتها غير أهلها؛ يعني سيف الدولة.

وقوله:

نقود إليها الآخذات لنا المدىعليها الكماة المحسنون بها ظنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
ونصفي الذي يكنى أبا الحسن الهوىونرضي الذي يسمى الإله ولا يكنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

حمل الشاعر هذا البيت على الحقيقة وجعل الممدوح له كنية, وإنما جرت العادة أن يكنى من له ولد أو يرجى أن يولد له. والله سبحانه جل عن جميع الأشياء, وقد كانوا في الجاهلية يزعمون أن آلهتهم من الأصنام بنات الله, تعالى عن الشبه والأوهام. وقال بعضهم في التلبية: لبيك لا شريك لك؛ إلا شريك هو لك, تملكه وما ملك, أبو بنات بفدك. وقال بعض شعراء الجاهلية:

فما كثرت فائدتي بغنمٍكفى ضد الفوائد ما يطيب
ولا خالست رب البيت سراًأبو العزى لجارته رقيب

وقوله:

وأنا إذا ما الموت صرح في الوغىلبسنا إلى حاجاتنا الضرب والطعنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»
قصدنا له قصد الحبيب لقاؤهإلينا وقلنا للسيوف هلمنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

صرح: أي صار صريحاً خالصاً. وقوله: لبسنا إلى حاجتنا الضرب والطعنا؛ يقول: لا نلبس الدروع لأنا لا نحتمي بها, ونلبس الضرب والطعن؛ أي نتقي بها الأعداء كما

يتقيها غيرنا بالدروع. والهاء في قوله: الحبيب لقاؤه عائدة على الموت.

وقوله: هلمن: تستعمل هلم على وجهين: فمنهم من يقول للواحد والاثنين والجميع والمذكر والمؤنث على لفظ واحد: [هلم], ومنهم من يقول للاثنين: هلما, وللجميع: هلموا, وللنسوة: هلممن. وكأن الشاعر قال: هلمن فأدخل النون الشديدة على قوله: هلموا, كما تقول للجماعة: اضربن يا قوم. وليس ذلك بمجمعٍ عليه. وخاطب السيوف خطاب من يعقل فقال: هلموا قبل إدخال النون, وذلك جائز لأنه يجعل السيوف كأنها تعقل.

وقوله:

وخيلٍ حشوناها الأسنة بعدماتكدسن من هنا علينا ومن هنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

تكدسن: أي ركبن رؤوسهن في العدو. قالت الخنساء:

وخيلٍ تكدسن بالدارعيــن تحت العجاجة يجمزن جمزا

وقوله: من هنا علينا ومن هنا؛ أي من هذا الموضع وهذا الموضع؛ وعندهم أن هنا أقرب من هنا. قال ذو الرمة:

هنا وهنا ومن هنا لهن بهاإذا تخالفت الأصوات هينوم

وقوله:

ضربن إلينا بالسياط جهالةًفلما تعارفنا ضربن بها عنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: حملوا علينا فضربوا جيادهم بالسياط, لأنهم بنا جاهلون, فلما تعارفنا ضربوا جيادهم بالسياط نافرين عنا كما ضربوهن إلينا وهم مقبلون.

وقوله:

تعد القرى والمس بنا الجيش لمسةًنبار إلى ما تشتهي يدك اليمنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

خرج إلىم خاطبة سيف الدولة بالكاف بعدما خاطبه بالهاء وذلك سائغ كثير. يقول: تعد القرى؛ أي اتركها وعدها إلى غيرها, والمس بنا الجيش. صير الجيش كأنه في كفه؛

وذلك تعظيم للممدوح؛ وجعل الجيش - وهو أحدهم - يبارون إلى الروم يده اليمنى؛ لأن الضرب والطعن إنما يكون باليمنى, والمباراة أن يفعل الرجل كما يفعل الآخر.

وقوله:

وإن كنت سيف الدولة العضب فيهمفدعنا نكن قبل الضراب القنا اللدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: إن كنت سيف الدولة العضب؛ والسيف هو الذي يعول عليه؛ فدعنا نكن قدامك, كما أن الرمح يطعن به قبل الضرب بالسيف؛ فاجعلنا كالقنا الذي يتقدمك.

وقوله:

فلولاك لم تجر الدماء ولا اللهاولم يك للدنيا ولا أهلها معنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

اللها: جمع لهوةٍ وهي العطية, وأصل ذلك القبضة من الطعام التي تطرح في فم الرحى. كما يقول: لولا أنت يا سيف الدولة لم تجر دماء الأعداء ولا المواهب إلى المعتفين, ولم يك للدنيا والساكنين بها معنى يعرف.

وقوله:

وما الخوف إلا ما تخوفه الفتىوما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «تزور ديارا ما نحب لها مغنى»

يقول: إن الفتى قد يتخوف وهو آمن؛ إلا أن التخوف قد حصل معه وإن كان لا تلحق به نكبة. والأمن قد يكون في موضع تخوفٍ وهو يرى أنه في أمن؛ فإذا رأيى ذلك فكأنه لا تخوف عنده, ولا هو في مكان خوفٍ؛ وكأنه يقول: نحن وإن كنا في موضع المخافة فإنا نرى ذلك أمناً.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.