تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول

الرأي قبل شجاعة الشجعانهو أول وهي المحل الثاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

وزنها من الكامل الثاني.

يقال: شجيع وشجاع وشجعان وشجعان وشجعة وشجعة. والشجاعة في الناس: الجرأة على الحرب وغيرها من الشدائد؛ فإذا قيل: ناقة شجعاء فإنما يراد به الجرأة على السير, وقد قيل: إن الشجعاء: الطويلة, والاشتقاق يدل على القول الأول. وفضل الرأي على

الشجاعة؛ لأنه أصل يتفرع منه كل المحمودات, وجعل الشجاعة ثانية له.

وقوله:

فإذا هما اجتمعا لنفسٍ مرةٍبلغت من العلياء كل مكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يعني بالنفس المرة: الشديدة التي لا تقبل الضيم, وكأن المر مأخوذ من اشتداد الكراهة فيه, كما أن المرة هي الشديدة من قوى الحبل؛ يقال: أمر الشيء فهو ممر, وهي اللغة العالية. ويقال: فلا يحلي ولا يمر؛ أي ليس عنده خير ولا شر؛ فهو لا يأتي بحلاوة ولا مرارة. قال الشاعر:

أمر على أفواه من ضاق طعمهمطاعمنا يمزجن صاباً وعلقما

وقوله:

لولا العقول لكان أدنى ضيغمٍأدنى إلى شرفٍ من الإنسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أدنى في هذا البيت على معنيين:

أما الكلمة الأولى فهي مأخوذة من الدناءة, وهي ضد الشرف, وأصله الهمز.

وأما الكلمة الثانية فهي من الدنو الذي هو ضد البعد.

يقول: لولا العقول لكان أقل الأسد بأساً أقرب إلى الشرف من الإنسان لأنه أجرأ منه.

وقوله:

لولا سمي سيوفه ومضاؤهلما سللن لكن كالأجفان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: لولا سيف الدولة ومضاؤه في الحروب لكانت نصال سيوفه مثل أجفانها لا يسفك بها دم ولا تهاب. والمعروفة في جفن السيف أنه مفتوح الجيم وقد حكي بالكسر.

وقوله:

وسعى فقصر عن مداه في العلىأهل الزمان وأهل كل زمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قال: أهل الزمان يعني الذي فيه سيف الدولة. واقتنع لعلم السامع, ولولا أن الوزن ضاق لكان الواجب أن يبينه؛ لأنه إذا قال: أهل الزمان فهو لفظ يقع على الأزمنة كلها.

وقوله:

تخذوا المجالس في البيوت وعندهأن السروج مجالس الفتيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

تخذوا في معنى: اتخذوا, والضمير عائد على أهل الزمان الذين ذكرهم. يقول: اتخذ الناس المجالس في البيوت, وعند هذا الممدوح أن السروج مجالس القوم الفضلاء.

والفتيان: واحدهم فتى, وأصل ذلك أن يقال للشاب المقتبل, ثم خصوا به من فيه شجاعة أو جود, كما يقولون: فلان إنسان إذا وصفوه بالخير والفضل. والمعنى أنه إنسان يفضل غيره, وكذلك قولهم: فلان رجل؛ يريدون أنه أفضل الرجال. ونحو من هذا قول طرفة:

إذا القوم قالوا من فتى خلت أننيعنيت فلم أكسل ولم أتبلد
للشاعر طرفة بن العبد، من قصيدة «لخولة أطلال ببرقة ثهمد»

وقد علم أن الفتيان كثير؛ وإنما المراد: من فتى فيه شجاعة وبأس.

وقوله:

قاد الجياد إلى الطعان ولم يقدإلا إلى العادات والأوطان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
كل ابن سابقةٍ يغير بحسنهفي قلب صاحبه على الأحزان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: قاد الممدوح الجياد كما جرت عادته بذلك. ثم قال: كل ابن سابقةٍ؛ ووصعه بحسن المنظر, وزعم أنه إذا رآه من يملكه فرح به وذهب الحزن من قلبه, فكأن الفرس أغار على الحزن وذهب به.

وقوله:

إن خليت ربطت بآداب الوغىفدعاؤها يغني عن الأرسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

هذا مثل قوله:

وأدبها طول القتال فطرفهيشير إليها من بعيد فتفهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا كان مدح فالنسيب المقدم»

واضطرته القافية إلى الأرسان, ولو وصفها بالغناء عن اللجم لكان ذلك أبلغ في صفتها بالأدب.

وقوله:

في جحفلٍ ستر العيون غبارهفكأنما يبصرن بالآذان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

معنى هذا البيت مفهوم؛ يريد أن الغبار منع عيونها من أن تبصر فهي تسمع الأصوات بآذانها وتفعل ما يقتضيه الصوت فكأنها تبصر بهن. وذهب بعض المتكلمين في شعر أبي الطيب إلى أن الغبار وقع على عيون الخيل فثقلت أجفانها حتى صارت كالآذان. وهذا ليس بشيء.

وقوله:

فكأن أرجلها بتربة منبجٍيطرحن أيديها بحصن الران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يصفها بالسرعة وسعة الخطو؛ فكأن أرجلها تطرح أيديها على مسافة بعيدة.

وقوله:

حتى عبرن بأرسناس سوابحاًينشرن فيه عمائم الفرسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

أرسناس: نهر, ويجوز أن يكون موضعاً فيه ماء. وكان سيف الدولة عبر بأرسناس بين شجر ملتف في طريق ضيق؛ فحدث من شهد ذلك الموضع أنه رأى عمامة أبي الطيب وقد علقت في شجرة, ولم يمكنه التوقف لأن وراءه فرساناً؛ فجعل يسير والعمامة تنتشر إلى آخرها.

وقوله:

يقمصن في مثل المدى من باردٍيذر الفحول وهن كالخصيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقمصن: يعني الخيل. والقمص أن يرفع يديه ورجلاه على الأرض, أو يرفع رجليه ويداه غير مرفوعتين. والماء البارد إذا سبح فيه السابح من بني آدم تقلص صفنه, وهو الجلد الذي يجمع البيضتين, وإن كان فرساً تقلص قنبه.

وقوله:

والماء بين عجاجتين مخلصتتفرقان به وتلتقيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يعني أن الماء قد صار في جانبيه عجاجتان, وكأنه يخلص بينهما؛ لأنه ليس يشاكلهما في اللون ولا الخلقة فتارة تفترق العجاجتان وتارة تلتقيان.

وقوله:

ركض الأمير وكاللجين حبابهوثنى الأعنة وهو كالعقيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فتل الحبال من الغدائر فوقهوبنى السفين له من الصلبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: ركض الأمير خيله وحباب الماء كالجين؛ أي الفضة, وعاد والدم قد غيره فصار كالعقيان؛ أي: الذهب. وادعى أن الأمير أمر بأن تضفر الحبال من شعر من قتل وأن تبنى السفين من الصلبان. وهذا أمر لم يكن قط, والله العالم.

وقوله:

وحشاه عاديةً بغير قوائمٍعقم البطون حوالك الألوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يعني أنه حشاه سفناً وهي العادية بغير قوائم؛ شبهها بالخيل العادية, من العدو. والعقم: جمع عقيم وهي التي لا تحمل. لما شبه السفن بالخيل؛ وكأن لها قوائم ومن عاداتها أن تنتج؛ بين أنه أراد السفائن فذكر أنها لا قوائم لها, والخيل لها قوائم. ولما كانت الخيل تنتج المهار ذكر أن هذه عقملا تلد.

وقوله: حوالك الألوان؛ أي قد طليت بالقار فهي سود.

وقوله:

تأتي بما سبت الخيول كأنهاتحت الحسان مرابض الغزلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

في «تأتي» ضمير يرجع على السفن, وجعلها تأتي بما سبته الخيول, فكأنها مرابض الغزلان؛ لأن سبايا العدو كأنها ظباء.

وقوله:

بحر تعود أن يذم لأهلهمن دهره وطوارق الحدثان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
فتركته وإذا أذم من الورىراعاك واستثنى بني حمدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

شبه هذا الماء بالبحر. والعرب تعبر عن الماء إذا كثر بالبحر أملحاً كان أم عذباً, وربما قالوا: أبحر الماء إذا ظهرت فيه ملوحة, وضرب نصيب ذلك مثلًا بتغير من يهواه عليه, قال:

وقد أبحرت تلك المياه فزادنيإلى كلفي أن أبحر البارد العذب

يقول: هذا البحر كانت عادته أن يذم لأهله من الدهر وطوارق الحدثان فتركته إذا أذم, خاف من الغدر فراعاك واستثنى قومك؛ كأنه قال: أذم لكم إلا من آل حمدان.

وقوله:

المخفرين بكل أبيض صارمٍذمم الدروع على ذوي التيجان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

المخفرين من قولهم: أخفر الرجل غيره إذا نقض عهده؛ فوصف بني حمدان بأنهم يخفرون ذمم الدروع لأنه جعل الدرع المعطية لابسها الذمام, وسيوف هؤلاء تخفر ذممها إذا لبسها ذوو التيجان.

وقوله:

متصعلكين على كثافة ملكهممتواضعين على عظيم الشان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: هؤلاء القوم ملوك, وهم في الحروب يتشبهون بالصعاليك لأنهم يباشرونها بأنفسهم. والصعلكة تستعمل في قلة المال وقلة اللحم. قال أبو دواد الإيادي في صفة الخيل:

قد تصعلكن في الربيع وقد قلـلص جلد الفرائص الأقدام

وذكر الشاعر أنهم يتواضعون على عظم شأنهم. والتواضع يحمد عليه من محله مرتفع.

وقوله:

يتقيلون ظلال كل مطهمٍأجل الظليم وربقة السرحان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

لما وصفهم بالتصعلك عرض بأن الملوك يتقيلون عند الهاجرة في القصور والمنازل الباردة, وأن هؤلاء القوم يتقيلون؛ أي يكونون وقت الهاجرة في ظلال الخيل. يقال: قال وتقيل إذا أقام في الهاجرة فلم يبرح مكانه, فإن شرب في ذلك الوقت سمي الشراب قيلًا. وقيل: تقيل الشارب إذا شرب القيل, وفي الكلام المحكي عن أم تأبط شراً في صفة ابنها لما هلك:

وابناه .. ليس بزميلشروبٍ للقيل

وقوله:

خضعت لمنصلك المناصل عنوةًوأذل دينك سائر الأديان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: خضعت سيوف الملوك لسيفك وأذل دينك أديان الأمم. والدين يستعمل في مواضع فيكون الملك, ويكون الطاعة, والعادة والفعل. ومن أمثالهم: «كما تدين تدان». أي كما تفعل يفعل بك, وفي هذا الكلام - على اختصاره - مأدبة عظيمة وأمر للإنسان ألا يفعل شرًا البتة.

وكان بعض ملوك العرب إذا سمع بامرأةٍ جميلةٍ أخذها غصبًا؛ فأخذ ابنةً ليزيد بن الصعق الكلابي, ويزيد غائب, فقدم على الملك وهو متبد في الصحراء, فقال بحيث يسمعه:

يا أيها الملك المقيت أما ترىليلًا وصبحاً كيف يختلفان
هل تستطيع الشمس أن تؤتى بهاليلًا فهل لك بالنهار يدان
فاعلم يقيناً أن ملكك زائلواعلم بأن كما تدين تدان

فروي أن الملك أجابه فقال:

إن التي تبلت فؤادك خطةمفروضة في الناس يابن كلاب
فاذهب لحاجتك التي طالبتهاوالحق بأهلك في جنوب أراب

ويقال: إن هذه الأبيات ما أنشدها ملك قط إلا تعظ.

وقوله:

وعلى الدروب وفي الرجوع غضاضةوالسير ممتنع من الإمكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
والطرق ضيقة المسالك بالقناوالكفر مجتمع على الإيمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
نظروا إلى زبر الحديد كأنمايصعدن بين مناكب العقبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

قوله: وعلى الدروب ابتداء كلام لم يتم إلا بقوله: نظروا ... إلى آخر البيت, وليس في شعر أبي الطيب من هذا الجنس شيء؛ لأنه علق أول كلمةٍ في البيت بآخر كلمة في البيت الثالث. وزبر الحديد: قطعه. شبه الدارعين بزبر الحديد, وشبه خيلهم بالعقبان, وكأنها تحمل الزبر على المناكب.

وقوله:

وفوارسٍ يحمي الحمام نفوسهافكأنها ليست من الحيوان

هذا البيت من قول الطائي:

يستعذبون مناياهم كأنهملا ييأسون من الدنيا إذا قتلوا
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «فحواك عين على نجواك يا مذل»

إلا أن الشاعر أسرف في المبالغة فجعل الحمام يحيي أنفسهم, فكأنها ليست حيوانًا؛ أي كأنهم كانوا أمواتاً أو جماداً فجعلهم الحمام أحياءً.

وقوله:

مازلت تضربهم دراكاً في الذرىضرباً كأن السيف فيه اثنان

يريد: أنك سيف ومعك سيف.

وقوله:

خص الجماجم والوجوه كأنماجاءت إليك جسومهم بأمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

في خص ضمير عائد على ضربٍ. يقول: تضربهم ضربًا يخص وجوههم ورؤوسهم,

فكأن جسومهم أخذت أماناً منك. وترك في هذا البيت المبالغة لأن رسوب السيف في الضريبة محمود, وقد قال في موضع آخر:

إذا ما ضربت به هامةًبراها وغناك في الكامل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إلام طماعية العاذل»

وقوله:

فرموا بما يرمون عنه وأدبروايطؤون كل حنيةٍ مرنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: رموا قسيهم وهي التي يرمون عنها, وهذه صفة رجالة الأرمن. والحنية: القوس, والمرنان: التي يسمع لها صوت عند الرمي.

وقوله:

يغشاهم مطر السحاب مفصلًابمهندٍ ومثقفٍ وسنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يصف أنهم مطروا وهم منهزمون, فهم يضربون بالسيوف ويطعنون بالرماح.

وقوله:

حرموا الذي أملوا وأدرك منهمآماله من عاد بالحرمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقال: أمل الرجل يأمل فهو آمل. والمعنى أن هؤلاء القوم حرم أكثرهم ما أمل, وأدرك ما يؤمله منهم رجل عاد وقد حرم الغنم؛ وهذا يشبه قول العرب: السلامة إحدى الغنيمتين.

وقوله:

هبهات عاق عن العواد قواضبكثر القتيل بها وقل العاني

العواد: مصدر عاود الرجل أهله يعاودهم عواداً إذا آب إليهم. قال القتال الكلابي:

ولما أن رأيت بني حصينٍبه خيف إلى الجارات باد
خلعت عذارها وبرئت منهاكما خلع العذار عن الجواد
وقلت لها: عليك بني حصينٍفما بيني وبينك من عواد
للشاعر القَتّال الكِلابي، اقرأ القصيدة

والخيف: اختلاف الشيء؛ يريد أنها خالفتني إليهم من قولهم: روضة خيفاء إذا كان فيها نبت ناضر ويابس. والعاني: الأسير.

وقوله:

ومهذب أمر المنايا فيهمفأطعنه في طاعة الرحمن
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

مهذب: نسق على قواضب, والرحمن والرحيم مشتقان من الرحمة, وكأن الرحمن أعظم مبالغةً من الرحيم, والرحيم ألطف وأرفق. وجاء في الحديث شيء معناه أن الله سبحانه قال: «أنا الرحمن, وهذه الرحم لا يصلها أحد إلا وصلته». واشتقاق الرحم من الرحمة أيضاً لأنه يحث الإنسان على الرحمة.

وقوله:

قد سودت شجر الجبال شعورهمفكأن فيه مسفة الغربان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

يقول: قطعن رؤوس هؤلاء المنهزمين وشعورهم وافية؛ فقد سودت أشجار الجبال لأنها كثيرة, فكأن في الشجر مسفة الغربان. يقال: أسف الطائر إذا دنا من الأرض في طيرانه, وكذلك أسف السحاب إذا دنا من الأرض. قال الشاعر:

دانٍ مسف فويق الأرض هيدبهيكاد يدفعه من قام بالراح
للشاعر أوس بن حجر، من قصيدة «ودع لميس وداع الصارم اللاحي»

وقوله:

وجرى على الورق النجيع القانيفكأنه النارنج في الأغصان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

القاني: الأحمر, وأصله الهمز. يقال: قنأت الأنامل إذا احمرت من خضابٍ أو غيره, وقنأ الرجل لحيته إذا خضبها بالحمرة. قال مزردبن ضرار أخو الشماخ:

يقنئه ماء اليرناء تحتهتسيل كأطراف الثغامة ناحل

اليرناء: الحناء. يريد أن رؤوسهم قد خضبها الدم فكأنها نارنج. والنارنج لم يذكر في شعر العرب كما ذكر غيره من الفواكه, ووزنه وزن ليس هو للعرب, كأنه: فافعل, ولم يستعمل النرج. وقد قالوا: النيرج للريح التي تقشر التراب. ويقال: إن الحديدة التي يداس بها الزرع يقال لها: النورج, فإن أخذ النارنج من النرج فوزنه: فافعل كما تقدم, أو: فانعل إذاجعلت النون الثانية زائدةً, فإذا أخذ من الرنج فوزنه: نافعل.

وقوله:

إن السيوف مع الذين قلوبهمكقلوبهن إذا التقى الجمعان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»
تلقى الحسام على جراءة حدهمثل الجبان بكف كل جبان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

مع في قوله: مع الذين تدل على معنى النصرة والمعونة, كما يقال: الله معنا؛ أي معين وناصر؛ وليست في معنى الصحبة لأنها لو كانت كذلك لم يكن لها نفع؛ وإنما أراد أن السيوف تنصر الذين قلوبهم كقلوبها؛ استعار للسيوف قلوباً؛ وإنما يريد المضاء والقطع. وقد شرح هذا البيت بالذي بعده لأنه قال: إن الحسام على جراءة حده فهو مثله ليس له غناء ولا نفع.

وقوله:

رفعت بك العرب العماد وصيرتقمم الملوك مواقد النيران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

القمم: جمع قمةٍ, وهي أعلى الرأس, وقد قيل هذا المعنى في بعض الشعر. قال بعضهم:

تسائل عن بعلٍ لها ليس آيباًونحن وضعنا رأسه تحت مرجل

وكلام أبي الطيب أشرف من هذا الكلام.

وقوله:

أنساب فخرهم إليك وإنماأنساب أصلهم إلى عدنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الرأي قبل شجاعة الشجعان»

العرب: اسم جامع يقع على عدنان وقحطان, فإن كان الشاعر أراد الخصوص فذلك جائز, وإن أراد العموم فقد زعم أن قضاعة من معد.

وحدث الثقة أن أبا الطيب كان ينكر ذلك ويجعل قضاعة ولد مالك بن حمير.

يقول: العرب ينتسب فخرها إليك وإن كانوا ينسبون في الأصل إلى عدنان. وقافيتها من المتواتر.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.