تجاوز إلى المحتوى

من «اللامع العزيزي: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

ومن التي أولها: الحب ما منع الكلام الألسنا ... وألذ

الحب ما منع الكلام الألسناوألذ شكوى عاشقٍ ما أعلنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الوزن من أول الكامل.

الألسن: جمع لسانٍ إذا كان مؤنثًا, فإذا كان مذكرًا فجمعه ألسنة. أثبت في المصراع الأول أن الحب هو الذي يمنع الألسن من الكلام. ومنعه إياها يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون يبلغ بالمحب إلى حال لا يستطيع معها الكلام.

والآخر: أن المحب يجب عليه كتمان ما هو فيه؛ لأن ذلك أجمل بمن يحب, وهذا الوجه أشبه من الأول؛ لأن بقية البيت دال عليه وهو قوله: وألذ شكوى عاشقٍ ما يعلنه, فهو ضد لما يجب عليه أن يفعله وهو الكتمان.

وقوله:

بنا ولو حليتنا لم تدر ماألواننا مما امتقعن تلونا

أقل قولهم: حليت الرجل إذا وصفت ما هو عليه من خلقةٍ, وذلك مأخوذ من حلي المرأة وحلية السرج ونحوهما؛ وإنما يرادبه التحسين, ثم كثرت الكلمة حتى قالوا: حليت الرجل إذا وصفت خلقته وإن لم تكن حسنةً. ويجوز أن تكون الكلمة مولدةً ليست بالقديمة. ويقال: امتقع لون الرجل وانتفع واهتفع والتمع وانتشف إذا تغير. ويقال: تلون الشيء إذا اختلفت ألوانه. وقوله: تلوناً يجوز أن يقال: هو منصوب على التفسير, وعلى المصدر, وعلى أنه مفعول له, ومن أجله, وأن يكون قولهم: جاء الرجل مشياً ينتصب فيه المشي على الحال جاز أن يقول ذلك في تلون.

وقوله:

وتوقدت أنفاسنا حتى لقدأشفقت تحترق العواذل بيننا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

أراد: أشفقت أن تحترق وحذف أن. وأن وما بعدها في موضع نصبٍ؛ فإن جعل الكلام تاماً عند قوله: أشفقت جاز أن ينصب قوله: أن تحترق على معنى المفعول من أجله, وإن جعل الكلام غير تام بقوله: أشفقت؛ فالمعنى معنى: من, كأنه قال: أشفقت من أن تحترق.

فلما حذف من وصل الفعل فعمل كما عمل بعد حذف الخافض في قوله: أمرتك الخير؛ أي أمرتك بالخير.

وقوله:

أفدي المودعة التي أتبعتهانظراً فرادى بين زفراتٍ ثنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

فرادى: أصله أن يكون جمع فريدٍ, وفي الكتاب العزيز: ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾. وفعالى إنما يكثر في جمع فعلان, مثل: سكران وسكارى, وغيران وغيارى. ويجوز أن يكونوا حملوا فريداً على أنه يحتمل أن يقال فيه: فردان أي منفرد, وإنما جاز أن يقول: نظراً فرادى؛ لأن النظر قد يتسع حتى يشتمل على نظراتٍ كثيرةٍ, فلذلك حسن أن يوصف بالجمع. فإذ قلت: جاءني فلان فرادى لم يحسن أن تصف واحداً بجمعٍ. وسكن فاء زفراتٍ والوجه فتحها, وقد تردد مثل ذلك في ديوانه كثيراً.

وأراد الثناء فقصر, وذلك جائز في حشو البيت وفي قافيته, وقصر الممدود في القافية أسهل؛ لأنها في موضع حذفٍ يجوز فيه ما لا يجوز في غيره.

وقوله:

أنكرت طارقة الحوادث مرةًثم اعترفت بها فصارت ديدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

أكثر ما يستعمل الطروق بالليل, وقد حكي أنه يستعمل للنهار؛ إلا أن الليل أغلب عليه, وبذلك قالوا للنجم: طارق. وقال ابن أبي ربيعة:

وباتت قلوصي بالعراء ورحلهالطارق ليلٍ أو لمن جاء معور
للشاعر عمر بن أبي ربيعة، من قصيدة «أمن آل نعم أنت غاد فمبكر»

ويدل على أن الطروق جائز أن يستعمل بالنهار أن اشتقاقه من الطريق؛ فيقال: طرق القوم أي جعلهم طريقًا له.

وقوله:

وقطعت في الدنيا الفلا وركائبيفيها ووقتي الضحى والموهنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: قطعت الفلا أي جاوزتها, وقطعت ركائبي أي جعلتها أنضاء لا تقدر على السير. والضحى مؤنثة, وقالوا في تصغيرها: ضحي فلم يدخلوا الهاء لأنهم خشوا أن يلتبس بتصغير ضخوةٍ. والموهن: الطائفة من الليل.

وقوله:

فوقفت منها حيث أوقفني الندىوبلغت من بدر عمار المنى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: وقف الرجل. واختلفوا في: وقفت الدابة, فأجاز قوم أوقفتها بالهمز, ولم يجز آخرون وأجمعوا على قولهم: وقفت الدابة. وسمي السوار إذا كان من ذبلٍ: وقفًا؛ لأنه يقف في موضعه. وحذف التنوين من عمارٍ, وذلك جائز, وقد مر مثله.

وقوله:

لأبي الحسين جدى يضيق وعاؤهعنه ولو كان الوعاء الأزمنا

الجدى: العطاء, والوعاء: ما يوعى فيه الشيء, وهذيل يهمزون الواو فيقولون: الإعاء.

قال الهذلي:

فلا والله لا ينجو نجائيغداة لقيتهم بعض الرجال
هواء مثل بعلك مستميتعلى ما في إعائك كالخيال
للشاعر حبيب الأعلم، اقرأ القصيدة

كان أبو عمر الجرمي يزعم أن قلب الواو همزةً في أول الاسم يؤخذ بالسماع, وكان أبو عثمان المازني يجعله قياساً مستمراً.

وقوله:

وشجاعة أغناه عنها ذكرهاونهى الجبان حديثها أن يجبنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: قد صار الناس يهابون هذا الممدوح حتى قد غني عن الشجاعة لأنه لا يطمع في قتاله, وإذا سمع الجبان حديث شجاعته نهاه ذلك عن الجبن. وحكي: جبن الرجل وجبن, ولم يعرف جابن. وإن صح قولهم: جبن وجب أن يجيء اسم الفاعل على هذا النحو, كما قالوا: ضارب وداخل.

وقوله:

نيطت حمائله بعاتق محربٍما كر قط وهل يكر وما انثنى
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الحمائل: ما يقع على عاتق الرجل من نجاد السيف, سميت بذلك لأن متقلد السيف يحملها. ويجوز أن تكون سميت حمائل لأنها تحمل السيف, أو لأن السيف يحملها. قال الشاعر:

غالم إذا أبصرت عاتق ثوبهرأيت عليه شاهدًا للحمائل

والمحرب: مفعل من الحرب. وقوله: ما كر قط: نفى عنه ذلك لأن الكر إنما يكون بعد الانصراف. يقول: إذا لقي الأعداء لم ينثن عنهم حتى يأتي عليهم بقتلٍ أو هزيمة.

وقوله:

فكأنه والطعن من قدامهمتخوف من خلفه أن يطعنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

هذا المعنى قد سبق إليه الطائي في قوله:

كأن لدن القنى (الفتى) يقفوك منهزمًاإذا تيممت أطراف القنا اللدن

وقوله:

نفت التوهم عنه حدة ذهنهفقضى على غيب الأمور تيقنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: هذا الرجل لا يتوهم كتوهم الناس؛ لأن التوهم إنما يكون في قلة الفطنة؛ ولو اقتصر على النصف الأول لجاز أن يكون ذلك؛ إذ كان التوهم قد يقع في شيءٍ شوهد وعلمت حقيقته ثم حدث الشك فيه. وجاء أبو الطيب في النصف الثاني بما لا يقدر عليه

الإنسان, وهو قوله: فقضى على غيب الأمور تيقنا

وقوله:

يتفزع الجبار من بغتاتهفيظل في خلواته متكفنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

البغتات: جمع بغتةٍ. يقال: إذا فاجأه, والجبار: العظيم الشأن المتكبر.

يزعم أنه يتكفن لأنه لا يأمن الموت أن يأتيه من قبل الرجل المدوح. ومما هو ضدهذا الغرض قول مسلم بن الوليد:

تراه في الأمن في درعٍ مضاعفةٍلا يأمن الدهر أن يؤتى على عجل
للشاعر صريع الغواني، من قصيدة «أجررت حبل خليع في الصبا غزل»

وقوله:

أمضى إرادته فسوف له قدواستقرب الأقصى فثم له هنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

سوف: تقع على الفعل المستقبل فتقول: سوف يفعل وسوف أفعل. ويقال: رجل مسوف إذا وعد الشيء ولم ينجز له كأنه يقال له: سوف يكون كذا. وقد: أكثر ما تدخل على الفعل الماضي فلذلك ذكرها مع سوف, وإذا دخلت قد على الفعل المضارع دلت على معنى رب, كما قال القطامي:

قد يدرك المتأنى بعد حاجتهوقد يكون مع المستعجل الزلل

وقال قوم: ليست تدل في الفعل المستقبل على رب؛ لأن المتأني قد يدرك مآربه كثيرًا, وكذلك المستعجل يتعذر عليه ما يلتمس, ومنه قول البعيث:

قد ينعش الله الفتى بعد عثرةٍوقد يجمع الله الشتيت من الشمل

أراد: الشمل. والله سبحانه يكثر نعشه للناس وجمعه للشمل الشتيت. وثم: كلمة تقع على ما بعد من المواضع, وهنا: تقع على ما قرب.

وقوله:

يجد الحديد على بضاضة جلدهثوبًا أخف من الحرير وألينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: هذا الممدوح إذا لبس الدرع فهو أخف عليه من الحرير وألين منه. والبضاضة: رقة الجلد ونعمته مع بياضٍ. وقال قوم: بل يقال للأسود: بض إذا كان ناعم الجسد. وقيل: إنما يقال رجل بض أي كأن الماء يبض من جسده لسمنه ونعمته, أخذ من: بض الحجر بالماء إذا خرج قليلًا قليلًا. قال أبو زبيد:

يا عثم أدركني فإن ركيتيصلدت فأعيت أن تبض بمائها
للشاعر أبو زبيد الطائي، اقرأ القصيدة

صلدت أي: صلبت.

وقوله:

وأمر من فقد الأحبة عندهفقد السيوف الفاقدات الأجفنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

في البيت تقديم وتأخير. وأمر: مرفوع لأن خبر ابتداءٍ, والتقدير: وفقد السيوف الفاقدات الأجفنا أمر عنده من فقد الأحبة؛ يصفه بإلف الحرب وأنه يؤثر السيوف على أحبابه من الإنس. وقد ادعى أبو الطيب هذا لنفسه في قوله:

لولا العلى لم تجب بي ما أجوب بهاوجناء حرف ولا جرداء قيدود
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»
وكان أطيب من سيفي مضاجعةًأشباه رونقه الغيد الأماليد
للشاعر المتنبي، من قصيدة «عيد بأية حال عدت يا عيد»

وقوله:

لا يستكن الرعب بين ضلوعهيومًا ولا الإحسان ألا يحسنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يستكن: أي يستتر, وكل ما خفي فقد استكن. قال زهير:

وكان طوى كشحًا على مستكنةٍفلا هو أبداها ولم يتقدم
للشاعر زهير بن أبي سلمى، من قصيدة «معلقة زهير بن أبي سلمى»

فقيل: المستكنة الحاجة التي عزم عليها, وهذا الوجه هو الصحيح. وقيل: المستكنة قرحة تنبت في الجنب؛ فيجوز أن يكون شبه الحقد الذثي معه بالقرحة التي تؤدي إلى الهلاك. يقول: لا يدخل الرعب جسد هذا المذكور, وكذلك الإحسان لا يستكن في نيته لأنه يظهره فيغنيه عن الإخفاء.

وقوله:

مستنبط من علمه ما في غدٍفكأن ما سيكون فيه دونا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

استنبط الشيء إذا استخرجه. يقال: استنبط الماء إذا أخرجه من البئر بالحفر, وكذلك أنبطه, ويقال للماء المستخرج: نبط. يقول: يستنبط من علمه ما يكون في غدٍ فكأن ما لم يكن بعد قد دون فيه؛ أي في علمه. ودون: مشتق من الديوان الذي تثبت فيه الأشياء, وليس بعربي, وقد تكلموا به قديمًا. قال الراجز:

إن لسلمى عندنا ديواناأخز فلانًا وابنه فلانا
للشاعر رؤبة بن العجاج، اقرأ القصيدة

وقال آخر:

عداني أن أزورك أم عمرودياوين تشقق بالمداد

وقوله:

تتقاصر الأفهام عن إدراكهمثل الذي الأفلاك فيه والدنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الهاء في إدراكه راجعة إلى علم الممدوح. يقول: تتقاصر الأفهام عن إدراكه مثل تقاصرها عن علم ما الأفلاك فيه. والدنا: جمع دنيا, وكذلك تجمع الفعلى إذا كانت أنثى الأفعل. تقول: الأصغر والأكبر مثلما تقول في التأنيث: الصغرى والكبرى, وإذا جمعت قلت: الصغر, وكذلك: الكبرى والكبر.

وقوله:

من ليس من قتلاه من طلقائهمن ليس ممن دان ممن حينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

النصف الأول مكتفٍ. والطلقاء: جمع طليق, وهو الأسير الذي يطلق من القد, أو يكون الإنسان قادرًا على عقوبته فلا يفعل به إلاخيرًا. وكان المسلمون يسمون الذين أقاموا بعد فتح مكة: الطلقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه أطلقهم لما قفل.

وقوله:

لما قفلت من السواحل نحوناقفلت إليها وحشة من عندنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقال للجيش إذا رجع إلى أوطانه: قفل, وكذلك للغائب إذا آب إلى أهله. يقول: لما قفلت من السواحل كانت عندنا وحشة لك فرحلت إلى حيث كانت.

وقوله:

أرج الطريق فما مررت بموضعٍإلا أقام به الشذى مستوطنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

أرج: أي طابت رائحته, أي إذا مررت بموضع صارت له ريا ذكية. والشذى: رائحة العود الذي يتبخر به. مستوطنًا: أي قد جعله وطنه.

وقوله:

سلكت تماثيل القباب الجن منشوقٍ بها فأدرن فيك الأعينا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

التماثيل: جمع تمثالٍ, وهذا المثال للأسماء دون المصادر, يقال في واحد التماثيل: تمثال, قال امرؤ القيس:

ألا رب يومٍ قد لهوت وليلةٍبآنسةٍ كأنها خط تمثال

وقال عبدة بن الطبيب:

فيه الدجاج وفيه الأسد مخدرةًمن كل شيء يرى فيه تماثيل

وقال قوم: قد جاء مصدران على تفعالٍ, وهما: التلقاء والتبيان. يقول: سلكت الجن تماثيل القباب إليك, وإنما فعلت ذلك لأن عادتها جرت بأن لا تظهر للإنس.

وقوله:

طربت مراكبنا فخلنا أنهالولا حياء عاقها رقصت بنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

المراكب: جمع مركبٍ وهو الذي يوضع على ظهر الدابة لتركب, ويجوز أن تسمى الدابة مركبًا, وكون المركب في معنى السرج أبلغ في هذا الموضع؛ لأن الدابة حيوان فهي أقرب إلى الرقص من الذي يركب فيه.

وقوله:

عقدت سنابكها عليها عثيرًالو تبتغي عنقًا عليه أمكنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

العثير: الغبار. يقول: هذه الخيل قد أثارت غبارًا انعقد؛ فلو ابتغت العنق عليه لأمكنها ذلك, وهذا نحو من قوله:

عجاج تعثر العقبان فيهكأن الجو وعث أو خبار

وقوله:

فعجبت حتى ما عجبت من الظبىورأيت حتى ما رأيت من السنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: عجبت حتى لم يبق لي عجب إلا رأيته, ورأيت السنا حتى منعني نوره من الإبصار فلم أره.

وقوله:

فطن الفؤاد لما أتيت على النوىولما تركت مخافةً أن تفطنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

يقول: إن أراك عسكرًا في عسكرٍ؛ أي كأنك وحدك جماعة كثيرة. ووصفه بالفطنة, وزعم أنه يفطن لما يفعله الشاعر, ولما لم يفعله مخافة أن يعلم به. يقول: إن كنت أتيت شيئًا وأنت غائب فأنت عالم به.

فكأنه يقول: لم أزل أثني عليك في غيبتك وحضورك وأنت عالم بذلك. وقوله: ولما تركت مخافةً أن تفطنا؛ كأنه أراد ذم قومٍ فترك ذمهم لأنه خشي أن يفطن بذلك الممدوح فيكرهه.

وقوله:

أشحى فراقك لي عليه عقوبةًليس الذي قاسيت منه هينا

الهاء في عليه عائدة على ما ذكره مخافة أن يفطن الممدوح؛ أي فراقك أمسى كالعقوبة على ما تركته. والهاء في منه عائدة على الفراق.

والمقاساة: الممارسة للشيء بمشقة وصعوبة, وهي من قولهم: فلان قاسي القلب؛ إذا كان غليظًا لا رحمة له.

وقوله:

فاغفر فدى لك واحبني من بعدهالتخصني بعطيةٍ منها أنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

إذا رويت: فدى فالمعنى فدى لك أنا, وأنا فدى لك. ويروى: فاغفر ذنوبي - وهو أبين - واحبني من بعدها. إذا رويت: ذنوبي, فالهاء عائدة على الذنوب, وإذا رويت: فدى لك, فالهاء عائدة على الجناية والزلة, ويجوز أن تعود إلى العقوبة التي في البيت المتقدم. وقوله: لتخصني بعطيةٍ منها أنا؛ أي إذا غفرت ذنوبي فكأنك قد وهبت لي نفسي لأنك لم تقتلني.

وقوله:

وانه المشير عليك في بضلةٍفالحر ممتحن بأولاد الزنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الزنا: يمد ويقصر, وهو في الكتاب العزيز مقصور, وإذا مد جاز أن يكون من: زانى الرجل المرأة زناءً. قال الشاعر:

أبا حاضرٍ من يزن يعرف زناؤهومن يشرب الخرطوم يصبح مسكرا

ويقال: مشورة ومشورة, فالمشورة, مثل: المثوبة في الوزن والمعونة وعينها معتلة, فإذا قيل: المشورة فهي اسم غير جارٍ على الفعل؛ فلذلك صحت الواو. والضلة: الفعلة من الضلال الذي هو ضد الهدى.

وقوله:

وإذا الفتى طرح الكلام معرضًافي مجلسٍ أخذ الكلام اللذعنا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: إن اللذعن الكلام البين الذي ليس فيه مواراة, وهذه الكلمة في كتاب العين لم

تأت في شعرٍ فصيح قديمٍ إلا أن تكون شاذة. وقالوا: أراد باللذعن؛ أي: الذي عنا فسكن ذال الذي وحذف الياء.

وقوله:

ومكائد السفهاء واقعة بهموعداوة الشعراء بئس المقتنى
للشاعر معروف الرصافي، من قصيدة «اليوم قري يا مواطن أعينا»

المكائد: جمع مكيدةٍ من قولهم: كاد الرجل غيره إذا أراد شرًا يخفيه, وتسمى الحرب: كيدًا. يقول: من أراد كيدًا يبرئ من الذنوب وقع فيما كاد. قال الراجز:

إني حفرت حفرةً أخفيهاحفرة سوءٍ فوقعت فيها

وتهدد الذين كادوه, وزعم أن عداوة الشعراء بئس ما اقتناه الإنسان؛ وقد سبق غيره إلى مثل هذا المعنى وهو ابن الرومي, فقال:

لا تقبلن الشعر ثم تعقهوتنام والشعراء غير نيام
للشاعر الخليل بن أحمد الفراهيدي، اقرأ القصيدة
فجناية الجاني عليهم تنقضيوعقابهم باقٍ على الأيام

وقوله:

لعنت مقارنة اللئيم فإنهاضيف يجر من الندامة ضيفنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

الضيفن: ضيف الضيف, فإذا أخذ من الضيافة فوزنه فعلن والنون زائدة. قال الشاعر:

إذا جاء ضيف جاء للضيف ضيفنفأودى بما تقري الضيوف الضيافن

وقال قوم: الضيفن مشتق من الضفن وهو الأحمق الثقيل الكثير اللحم. وقال قوم: الضفن ضيف الضيفن, وإذا قيل: إن الضيفن مشتق من الضفن فوزنه فيعلن؛ فيقال للمرأة: ضفنة. قال جرير:

تلقى الضفنة من بنات مجاشعٍولها إذا انحل الإزار حران

يقول: مقارنة اللئيم ضيف يجر من الندم ضيفنًا.

وقوله:

أمسى الذي أمسى بربك كافرًامن غيرنا معنا بفضلك مؤمنا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «الحب ما منع الكلام الألسنا»

المؤمن: المصدق. والمعنى أن أصحاب الشرائع المخالفة للإسلام, والذين يرون رأي الدهرية كلهم يجمعون معنا على التصديق بفضلك, وهم يخالفوننا في الدين, وبعضهم كفار. والكافر مشتق من: كفر الشيء إذا غطاه.

وقوله:

خلت البلاد من الغزالة ليهافأعاضهاك الله كي لا تحزنا

قد مر ذكر الغزالة, وأعاض في معنى عوض. والصواب عند النحويين إذا اجتمع الضميران: ضمير المخاطب وضمير الغائب فالواجب أن يقدم ضمير المخاطب, فكان الأجود أن يقول: عاضكها الله. وفي كتاب سيبويه هذا البيت:

وقد جعلت نفسي تهم بضغمةٍكضمهماها يقصم العظم نابها

الضغمة: العضة, ومنها اشتقاق الضيغم, وهو الأسد. ويروى: كضغمكما, فإذا رويت بالكاف فقد جمع بين ضمير المخاطب وضمير الغائب, وإذا رويت: كضغمهماها فالضميران الغائبان والضمير المؤنث عائد على قوله: نفسي. والأحسن في مثل هذه المواضع أن يكون الضمير منفصلًا, وهو: إياه وإياها. وحدث من يوثق به أن أبا الطيب قال:

خلت البلاد من النبي محمدٍ

ثم غير البيت بقوله: الغزالة ليلها. والقافية من المتدارك.

النص من طبعة مركز الملك فيصل للبحوث بالرياض (١٤٢٩هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من حرف النون

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.