تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

قصائد ابن طغج (٢)

وقيل: معناه إنهم إذا لقوا أعداءهم كان أمضى سلاحهم، إثارة الغبار في الهزيمة والهرب يعني أنهم إذا هربوا منعوا أنفسهم من الهلاك كما يمنعوها بالسلاح.

رموا بنواصيها القسي فجئنهادوامي الهوادي سالمات الجوانب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الهوادي: الأعناق. والهاء في نواصيها: للسلاهب. وفي جئنها: للقسي.

يقول: رموا بنواصي خيلهم القسي فوصلن إلى القسي داميات الأعناق بالسهام التي وقعت عليها قبل وصلوهن إلى القسي، وأصحابها لم يستدبرن، ولم يعرضن بل مضين قدماً إليهم، وسلمت جوانبهن وأعطافهن. وروى: سائلات الجوانب أي بالعرق.

أولئك أحلى من حياةٍ معادةٍوأكثر ذكراً من دهور الشبائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يقول: إنهم في قلوب الناس أحلى من الحياة التي عادت بعد ذهابها، وإن ذكرهم عند الناس، أكثر من ذكرهم لأيام الشباب.

نصرت علياً يا ابنه ببواترٍمن الفعل لا فلٌّ لها في مضارب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: قد فعلت من المكارم ما دل على كرم أبيك، فكأن ذلك كالنصرة له، وهذه السيوف البواتر من الفعل ليس في مضاربها فل. وقيل: أراد بذلك أنك ملت إليه بشبهك له. يقال: نصرت له بني فلان أي أتيتها وقصدتها.

وأبهر آيات التهامى أنهأبوك وإحدى مالكم من مناقب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أعظم آيات التهامى كونه أباك، ولكم مناقب كثيرة، وكون النبي ﷺ جدك وأباك إحدى تلك المناقب.

وهذا في الظاهر يوجب تفضيله على سيد الخلق ﷺ.

وذكر ابن جنى أن أبا الطيب: كان يتعسف في الاحتجاج له والاعتذار بما لست أراه مقنعاً، وأعرضت عن ذكره.

إذا لم تكن نفس النسيب كأصلهفماذا الذي يغني كرام المناصب؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النسيب: ذو النسب الكريم. والمناصب جمع منصب والمنصب: الأصل.

يقول: إذا لم يكن الرجل كريماً في نفسه وفعله، لم ينفعه كرم أصله.

وما قربت أشباه قومٍ أباعدٍولا بعدت أشباه قومٍ أقارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يقول: لا يغني تشابه الخلق إذا تباعدت الأفعال، ولا يضر فقد التشابه في الخلق، إذا وجد التشابه في الأفعال الشريفة الكاملة.

إذا علويٌّ لم يكن مثل طاهرٍفما هو إلا حجةٌ للنواصب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

النواصب: معادون لأمير المؤمنين علي ﵁.

يقول: كل علويٍّ لا يشبهه من أولاده، فهو حجة للنواصب؛ لأنهم يتمسكون به.

يقولون: تأثير الكواكب في الورىفما باله تأثيره في الكواكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يقول: إن الناس يزعمون أن الكواكب تؤثر في الخلق، فتسعد قوماً وتنحس آخرين! وهذا الممدوح يؤثر في الكواكب ويصرفها على مراده، ولا تقدر الكواكب على منعه منه، ولأنه علاها فجعلها معلوة بعد أن كانت عالية على كل شيء.

وقيل: إن تأثيره في الكواكب هو إثارة الغبار بخيله في غزواته حتى لا تظهر النجوم ويزول ضوء الشمس فتطلع الكواكب بالنهار.

علا كتد الدنيا إلى كل غايةٍتسير به سير الذلول براكب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الكتد والكتد: أعلى الكتف. وقيل: العنق.

يقول: علا كتد الدنيا فهي تسير به إلى كل غاية، كما يسير الجمل الذلول، والفرس.

وحق له أن يسبق الناس جالساًويدرك ما لم يدركوا غير طالب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

جالساً: حال من الضمير في يسبق. غير: حال من الضمير في يدرك.

يقول: حق للممدوح أن يسبق الناس جالساً، بما قد اجتمع فيه من الفضائل والمناقب، وأن يدرك من غير سعي ما لا يدركه أحد.

ويحذى عرانين الملوك وإنها ... لمن قدميه في أجل المراتب عرانين نصب لأنه مفعول ثان ليحذى. والمفعول الأول ضمير الممدوح.

يقول: حق له أن يجعل أنوف الملوك نعلاً لقدميه! وكأن ذلك أجل مرتبة لها، وأعز مكاناً؛ لأنها تتشرف بشرفه.

يدٌ للزمان: الجمع بيني وبينهلتفريقه بيني وبين النوائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

الجمع: مبتدأ، ويدٌ خبره. وهي النعمة.

يقول: جمع الزمان بيني وبينه أي الممدوح، فهذه نعمة للزمان علي، لأنه فرق بيني وبين نوائب الدهر.

هو ابن رسول الله وابن وصيهوشبههما شبهت بعد التجارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يقول: هو يشبه رسول الله، وعلياً، فعلاً وفضلاً، ولم أقل ذلك من جهل، ولكن عن تجربة وعلم.

يرى أن ما ما بان منك لضاربٍبأقتل مما بان منك لعائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

ما: الأولى نافية. والثانية: بمعنى الذي، واسم أن: محذوف. والتقدير: أنه ليس الذي بان منك لضارب، بأقتل مما بان منك لعائب.

يقول: هو يرى أنه ليس ما ظهر منه لحد السيف، بأقرب إلى القتل مما ظهر منه للعائب أن يعيبه. أي أن القتل أسهل عنده من العيب! والعيب أشد من القتل ومثله:

فتىً يتقي أن يخدش الذم عرضهولا يتقي حد السيوف البواتر
للشاعر محمد بن وهيب الحميري، اقرأ القصيدة
ألا أيها المال الذي قد أبادهتعز فهذا فعله في الكتائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

روى: أباره وأباده: أي أهلكه.

يقول لماله الذي قد فرقه في العطاء: تعز على إهلاكه إياك؛ فهكذا يفعل في الكتائب ويبرزها.

لعلك في وقتٍ شغلت فؤادهعن الجود أو كثرت جيش محارب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

يقول: إنما أبادك يا مال؛ لأنك ربما حسنت عنده الإمساك، وشغلته بالعدو عن الجود، وأكثرت جيش عدوه بالاستعانة بك.

حملت إليه من لساني حديقةًسقاها الحجي سقى الرياض السحائب
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أعيدوا صباحي فهو عند الكواعب»

شبه قصيدته بالحديقة، لأنها تجمع بديع المعاني، وغرائب الألفاظ، كما تجمع الحديقة من الأثمار والأنوار.

وتقدير البيت: سقى السحائب الرياض حر السحائب، بإضافة السقي إليها، وفصل بين المضاف والمضاف إليه.

يقول: حملت إليه حديقةً من المدح، سقاها العقل، كما يسقي السحاب الروض؛ وذلك لأنه بالعقل يرتب مثل هذا الترتيب وبه يستخرج مثل هذه المعاني.

فحييت خير ابنٍ لخير أبٍ بهالأشرف بيتٍ من لؤي بن غالب
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

خير: نصب على المنادى المضاف، أو على الحال، وروى: فحييت أي حييت أنا خير ابن. فنصبه على المفعول به. والضمير في بها: قيل: للحديقة التي هي القصيدة، أي حييت بهذه القصيدة خير ابن، وقيل: الضمير للأرض، وإن لم يجر لها ذكر: أي خير ابن لخير أب بهذه الأرض.

يقول: حييت بهذه القصيدة خير ابنٍ، أبوه خير أبٍ، وبيته لي لؤي بن غالبٍ، أشرف بيت؛ لأنه من ولد رسول الله ﷺ ولا أحد أفضل منه، فكأنه قال: هو أشرف الناس.

وكانت لأبي الطيب حجرة تسمى الحمامة، ولها مهر يسمى الطخرور. فأقام الثلج على الأرض بأنطاكية، وتعذر الرعي على المهر فقال يصف تأخر الكلأ عنه:

ما للمروج الخضر والحدائق

يشكو خلاها كثرة العوائق

المروج: جمع مرج، وهو كل موضع لا ينقطع عنه العشب والماء. والحدائق: جمع حديقة، وهي البستان ذو الحائط. والخلا: النبات الرطب، وهو فاعل يشكو ومفعوله كثرة. والعوائق: جمع عائق وهي الموانع.

يقول: أي شيء للمراعي والبساتين؟! فإن نباتها يشكو الموانع.

أقام فيها الثلج كالمرافق

يعقد فوق السن ريق الباصق

يقول: قد لازم هذه المروج والحدائق الثلج ملازمة المرافق لرفيقه، فاشتد البرد وعقد الثلج ببرودته ريق الباصق فوق سنه يجمده. يعني: لو أراد الإنسان أن يبصق ما أمكنه! بل وجد بصاقه معقوداً فوق سنه.

ثم مضى لا عاد من مفارق

بقائدس من ذوبه وسائق

يقول: أقام الثلج فيها مدة ثم مضى، فلا رده الله من مفارق، وجعل لذوبانه قائداً وسائقاً. على سبيل الاستعارة.

يعني: من سرعة ذهابه بعد إقامته مدة كأن قائداً يقوده وسائقاً يسوقه؛ لأن السائق والقائد إذا اجتمعا كان أبلغ في ذهابه، وجعل ابتداء الذوب قائداً وانتهاءه سائقاً وقيل القائد المطر، والسائق الريح.

كأنما الطخرور باغي آبق

يأكل من نبتٍ قصيرٍ لاصق

الطخرور: اسم مهر لأبي الطيب، كان ينتقل من مكان إلى مكان في طلب العشب، فهو يأكل من نبت قصير لاصق بالأرض.

كقشرك الحبر من المهارق

أروده منه بكالسوذانق

المهارق: جمع المهرق، وهو الصحيفة المصقولة، وهو فارسي معرب. أصله: مهرة كردة. والسوذانق: الشاهين. وقيل: الصقر. وقوله أروده: أي أطلبه. وقيل: أراد أرود فيه: أي أذهب وأجيء في طلبه، والهاء: للنبت وفي منه للمهر. والكاف: اسم. أي بمثل السوذانق يقول: كأن المهر حين يرعى يقشر حبراً من قرطاس، وأنا أطلب هذا النبت من هذا المهر بمهر يشبه السوذانق في حدته وذكائه وفطنته ومضائه.

بمطلق اليمنى طويل الفائق

عبل الشوى مقارب المرافق

مطلق اليمنى: أي ليس في يده اليمنى بياض. وقيل: يمناه بيضاء. والفائق: موصل الرأس والعنق، وإذا طال ذلك الموضع طالت عنقه. والعبل: الضخم. والشوى: القوائم. وقوله: مقارب المرافق: أي مرافقة متقاربة. وقيل: إحدى المرفقين تداني الأخرى. وقيل تشبه إحداهما الأخرى.

رخو اللبان نائه الطرائق

ذي منخرٍ رحبٍ وإطلٍ لاحق

اللبان: الصدر.

يقول: إن جلد صدره قد استرخى على صدره، وهو محمود في الخيل. ونائه: روى بالهمزة وهو العالي، من ناه نوها، ونوهته أنا: أي رفعته. وروى بالباء: وهو الشريف من قولهم: نبيه. والطرائق: الأخلاق. ويستحب في المنخر السعة؛ لئلا يحتبس النفس. والإطل: الخاصرة. ولاحق: أي ضامر.

محجلٍ نهدٍ كميتٍ زاهقٍ

شادخةٍ غرته كالشارق

محجل: أي في قوائمه بياض. ونهد: أي عالٍ مرتفع الشخص. كميت: أي أحمر اللون أسود القوائم والفرق. زاهق: أي سمين، وقيل هو المتوسط بين السمين والهزيل. والغرة الشادخة: التي تغشى الوجه من الناصية إلى الأنف. والشارق: الشمس. شبه بياض وجهه بالشمس حسناً وضياء.

كأنها من لون في بارق

باقٍ على البوغاء والشقائق

وروى: كأنه إلى المهر، وكأنها إلى الغرة. والبارق: السحاب ذو البرق.

شبه غرته بالشمس، ثم شبه لون المهر بالسحاب الذي فيه ضوء البرق وهو يكون مائلاً إلى الكميت. والبوغاء: التراب الدقيق. والشقائق: جمع شقيقة وهي أرض تنشق بين الرمال، تنبت الشجر والعشب. وقيل: أرض فيها حصاً ورمل. يعني أن لونه باقٍ سواء سرت في السهل أو في الجبل، وفي الحر أو في البرد. وقيل: معناه أنه صبور على الشدائد؛ لأنه معود مدرب.

والأبردين والهجير الماحق

للفارس الراكض منه الواثق

الأبردين: الغداة والعشي. والهجير: الحر الشديد، عند انتصاف النهار. والماحق: الذي يمحق كل شيء؛ لشدة الحر. أي يذيبه ويهلكه.

يعني: أنه صبور على الكد، لا يتعبه السير في الجبل والسهل، ولا يضره معاقبة الحر والبرد. ثم بين أن الفارس الواثق بنفسه في الفروسية، إذا ركضه خاف منه.

خوف الجبان في فؤاد العاشق

كأنه في ريد طودٍ شاهق

ثم إن الفارس الواثق بفروسيته، إذا ركبه وركض به، يحصل له خوف العاشق؛ وذلك لأن العاشق قلبه مضطرب، فإذا حله خوف الجبان مع اضطرابه يكون خوفاً على خوف.

وقيل: معناه أنه يخاف منه وهو يعشقه ويشتهي ركوبه. ريد الجبل: حرفه الثاني منه. والطود: الجبل. الشاهق: العالي.

يشأى إلى المسمع صوت الناطق

لو سابق الشمس من المشارق

يشأى: أي يسبق، والمسمع: الأذن وفي في قوله: في ريد طود بمعنى: على.

يقول: كأن الفارس على حرف جبل عالٍ؛ لخوفه منه.

شبه المهر بالجبل، ثم قال: إنه لو سابق صوت ناطق لوصل إلى أذن السامع قبل وصول صوت الناطق إليه. وقيل: أراد: أن الناطق إذا دعا هذا المهر أسرع كالصدى، حتى كأنه يسبق نطق الناطق في جبل عالٍ.

وقيل: معناه أنه يسبق إلى أذن الصيد صوت الفارس الذي ينطق على ظهره أي يلحقه قبل بلوغه هذا الصوت، ثم قال: لو سابق هذا المهر الشمس من شرقها لسبقها إلى الغرب.

جاء إلى الغرب مجيء السابق

يترك في حجارة الأبارق

آثار قلع الحلى في المناطق

مشياً وإن يعد فكالخنادق

الأبارق: جمع أبرق، وهو أرض يخالطها حجارة، وقيل: أكمة فيها طين وحجارة، وقيل: جبل فيه حجارة سود وبيض.

شبه آثار حوافره في الأرض الصلبة إذا مشى بآثار قلع الحلى من المنطقة؛ لأنه يكون مدوراً، شبه حافر المهر به لتدويره، وبين أنه إنما يؤثر في الأرض مثل هذه الآثار إذا كان ماشياً، فأما إذا عدا عدواً فإنه يشقها شقاً كالخنادق! وقوله مشياً مصدر واقع موقع الحال أي ماشياً.

لو أوردت غب سحابٍ صادق

لأحسبت خوامس الأيانق

قوله: غب سحاب. أي بعد سحاب صادق بالمطر. وقوله: أحسبت أي كفت. وخوامس الأيانق: هي الإبل العطاش التي لم ترد الماء خمسة أيام.

يقول: لو أوردت هذه الخنادق التي حصلت من حوافره، بعد سحاب صادق بالمطر لكفت هذه الخنادق الإبل التي لم تشرب الماء خمسة أيام. أي أن الماء الذي يحصل في هذه الخنادق يرويها على عطشها!.

إذا اللجام جاءه لطارق

شحا له شحو الغراب الناعق

قوله لطارق: أي لأمر طارق، أي جاء ليلاً.

يقول: إذا جئته باللجام ليلاً لأمر حادث من إغرة أو إغاثة، فتح فمه كما يفتح الغراب فمه حين ينعق.

كأنما الجلد لعرى الناهق

منحدرٌ على سيتي جلاهق

لكل ذي حافر ناهقان: وهما عظمان أو عرقان يكتنفان قصبة الأنف ويستحب ألا يكون عليه لحم. والجلاهق: قوس البنادق. والناهق: قيل هو العظم الشاخص في حنك الفرس عند مجرى الشدق.

شبه جلده على ناهقه، وقد عري من اللحم بمتن قوس البندق لصلابته وزوال رخاوته.

بذ المذاكي وهو في العقائق

وزاد في الساق على النقانق

بذ: أي غلب، وسبق الخيل القرح، التي تمت أسنانها. والعميقة: الشعر للمولود، الذي ولد وهو عليه. والنقانق: جمع نقنق وهو الظليم

يقول: إنه سبق الخيل القرح! وهو بعد في شعره الذي ولد فيه، وهو في العقيقة: في بطن أمه لم ينفصل بعد وهذا كقول الشاعر:

قد سبق الأبلق وهو رابض

فكيف لا يسبق وهو راكض؟!

ثم قال: إنه زاد في طول الساق على الظليم. وهو محمود في الخيل وتوصف به.

وزاد في الوقع على الصواعق

وزاد في الحذر على العقاعق

يقول: إن الصوت من وقع حوافره يزيد على وقع الصاعقة النازلة عند صوت الرعد! وقيل: أراد أن صوت وقع حوافره أشد من صوت الرعد، وإن زاد في الحذر على العقعق الذي ليس في الطير أحذر منه!

وزاد في الأذن على الخرانق

يميز الهزل من الحقائق

الخرانق: جمع خرنق، وهو الأنثى من ولد الأرنب. ولا شيء أسمع منها، وقيل إن أذنه زائد الطول.

ثم بين أنه يميز الهزل من الجد بحدة سمعه وذكاء فؤاده إذا ركبه.

وينذر الركب بكل سارق

يريك خرقاً وهو عين الحاذق

يريد: أنه لا ينام الليل، فمتى جاء السارق أصحابه صهل حتى ينبههم! كأنه حارس، ويريك من نشاطه وعدوه ما يوهم أنه أخرق وهو حاذق.

يحك أنى شاء حك الباشق

قوبل من آفقةٍ وآفق

الباشق: يكسر ويفتح، وها هنا لا يجوز إلا بالكسر.

يقول: إنه للين مفاصله وطول عنقه، يحك من جسده أي موضع شاء، كالباشق. والآفق: الفاصل الشريف من كل شيء. والآفقة: مؤنثة.

يعني أنه كريم من قبل أبيه وأمه وهو كريم الطرفين، قد قابلت أباؤه أمهاته في الكرم.

بين عتاق الخيل والعتائق

فعنقه يربي على البواسق

العتاق: جمع عتيق. والعتائق: جمع العتيقة. يعني: أنه كريم الآباء والأمهات.

ثم يقول: إن عنقه يزيد على النخل الطوال.

وحلقه يمكن فتر الخانق

أعده للطعن في الفيالق

يقول: إن حلقه لرقته يمكن فتر الخانق منه، فيمكنه أن يقبض عليه بفتره، ثم قال: هو عده لي، للطعن في الفيلق: وهو العسكر العظيم.

والضرب في الأوجه والمفارق

والسير في ظل اللواء الخافق

يقول: هو عدة لي أقاتل عليه أعدائي، وأسير عليه تحت اللواء الخافق: وهو المتحرك المضطرب.

يحملني والنصل ذو السفاسق

يقطر في كمي إلى البنائق

السفاسق: الطرائق في متن السيف كالسراب، وبنائق القميص: الخرق التي تلف البدن من جانبيه، وهي الدخرصة.

يقول: يحملني هذا المهر والسيف يقطر من دماء أعدائي فيختضب كمي وبنائقي.

وقيل: أراد أنه يحملني وأنا متقلد بسيفي، فهو يتحرك بين كمي وبنائقي

لا ألحظ الدنيا بعيني وامق

ولا أبالي قلة المرافق

يقول: يحملني وأنا على هذه الحالة، إذا ركبته في الحرب لم أرغب في الحياة، فأطرح نفسي على الموت ولا أبالي بقلة الأرفاق.

وقيل: هذا منقطع. أي لا أبالي بالدنيا! لعلمي أنها غدارة، ولا أبالي بقلة الأصحاب لعلمي بنفاقهم.

أي كبت كل حاسدٍ منافقٍ

أنت لنا وكلنا للخالق

يقول: يا مهري الذي يكبت كل حاسد كمداً، أنا أملكك والله يملك جميع الخلق.

وقيل: أراد الممدوح أي أنت ملجأنا وكلنا نفتقر إلى الله تعالى.

وكبست أنطاكية، فقتل المهر والحجرة فقال يندب مهره وفرسه:

إذا غامرت في شرفٍ مرومٍفلا تقنع بما دون النجوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

غامرت: أي طرحت نفسك في غمرة الحرب.

يقول: إذا غررت بنفسك في شرف طالباً له، فلا تطلب إلا أعظمه، وحدث نفسك بأنك تنال النجوم بعزمك.

فطعم الموت في أمرٍ حقيرٍكطعم الموت في أمرٍ عظيم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن طعم الموت في الحالين لا يختلف، فاختر لنفسك أشرف الأمور وأحسنها.

ستبكي شجوها فرسي ومهريصفائح دمعها ماء الجسوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

شجوها: نصب على المصدر، ويكون من الشجو، وقيل: نصب على المفعول له. كأنه جعل الشجو علة للبكاء، وفاعل تبكي: الصفائح ومفعوله فرسي.

يقول: سأشفي نفسي بقتل من قتلهما، فتجري دماء سيوفي كأنها دمع باكٍ على فرسي ومهري.

قربن النار ثم نشأن فيهاكما نشأ العذارى في النعيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: إن هذه السيوف قد جعلت النار غذاء لها، وأراد أنها نشأت في النار واكتسبت منها جوهراً وصفاءً، كالعذارى إذا ربين في النعيم.

وفارقن الصياقل مخلصاتٍوأيديها كثيرات الكلوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: إن الصياقل قد أخلصوها صقالاً، وإنها بحدة شفارها قطعت أيدي صياقلها عند صقلها، وتجربة حدها، فكيف يكون حالها مع غيرهم؟!

يرى الجبناء أن العجز عقلٌوتلك خديعة الطبع اللئيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: إن الجبان يخدعه لؤم طبعه، ويصور له أن الاحتراز من الحرب رأي وعقل، وليس كما ظن، وإنما خدعه لؤم طبعه عما في الشجاعة من العز بالفخر بها.

وكل شجاعةٍ في المرء تغنيولا مثل الشجاعة في الحكيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: الشجاعة محمودة، وتغني صاحبها وتنفعه، خاصة إذا كان صاحبها حكيماً عاقلاً مدبراً؛ لأنه يستعملها في وقتها ومحلها.

وكم من عائبٍ قولاً صحيحاًوآفته من الفهم السقيم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: إن الشجاعة من الأخلاق الكريمة، وإنما يعيبها الجبان؛ لضعف قلبه، كما أن كثيراً من الناس يعيب الأشياء التي لا يلحقها عيب، لجهله بها. وقيل: إنه منقطع، أي كم إنسانٍ يعيب قولاً صحيحاً لا آفة فيه، وإنما يكون من فهم سقيم، حيث لا يتصور جودة الكلام وصحته.

ولكن تأخذ الآذان منهعلى قدر القرائح والعلوم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إذا غامرت في شرف مروم»

يقول: إن الآذان تدرك الكلام فيعلمه الإنسان، ويأخذ منه بقدر خاطره وعلمه، ويتصوره على حسب قريحته.

وقال يهجو ابن كيغلغ وسار أبو الطيب من الرملة يريد أنطاكية سنة ستٍّ وثلاثين وثلاث مئة، فنزل بطرابلس، وبها إسحاق بن إبراهيم بن كيغلغ، وكان رجلاً جاهلاً، وكان يجالسه ثلاثة من بني حيدرة، وكان بين أبي الطيب وبين أبيهم عداوة قديمة. فقالوا له: ما يجب أن يتجاوزك ولم يمتدحك، وإنما يترك مدحك استصغاراً لك، وجعلوا يغرونه به، فراسله إسحاق وسأله أن يمدحه، فاحتج أبو الطيب بيمينٍ عليه: أنه لا يمتدح أحداً إلى مدة حدها، فعاقه عن سفره. ينتظر انقضاء تلك المدة، وأخذ عليه الطرق وصبطها، ومات الثلاثة الذين كانوا يغرونه به في مدة أربعين يوماًن فقال أبو الطيب يهجوه وهو بطرابلس.

قال: ولو فارقته قبل قولها لم أقلها أنفة من اللفظ بما فيها قال: وأملاها على من يثق به، فلما ذاب الثلج وخف عن لبنان، خرج كأنه يسير فرسه، وسار إلى دمشق فأتبعه ابن كيغلغ خيلاً ورجلاً، فأعجزهم وظهرت القصيدة واشتهرت وهي:

لهوى القلوب سريرةٌ لا تعلمعرضاً نظرت وخلت أني أسلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

قوله: عرضاً أي من غير قصد. يقول: للهوى سر لا يعرف لطفه ودقته، فلا يوقف عليه إلا بعد ابتلاء به. ونظرت من غير قصد وما ظننت أن الظن يوقعني في حبائل الهوى، بل قدرت أني أسلم ولا أهلك فخاب الظن الذي ظننته.

يا أخت معتنق الفوارس في الوغىلأخوك ثم أرق منك وأرحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

هذا فيه وجهان: أحدهما: أنه شبب بامرأة، ومدح أخاها بالشجاعة. إشارة إلى أنها ممتنعة لا يقدر على الوصول إليها. يقول: يا أخت الأخ الذي يخالط الأقران في الحرب بشجاعته، إن أخاك في الحرب إذا لقي عدواً أرحم منك وأرق على قربه منك علي، فأنت قد فعلت بالمحب بقلة رحمتك له، ما لا يفعله أخوك في الحرب حرب الأقران.

والوجه الثاني: أنه يهجو أخا المرأة المشبب بها وفيه قولان: أحدهما: أنه يتهمه بإتيان أخته! ومعناه: أن أخاك أرق منك، ثم إن عند خلوته بك، أرحم منك على العاشق.

والقول الثاني: أنه يرمي أخاها بالجبن وضعف القلب؛ لأنه مع وصفه بأنه معتنق الفوارس في الوغى، فإنه أرق قلباً من هذه المرأة مع رقة قلوب النساء، فمن زادت رقته على رقة قلوبهن فهو في نهاية الضعف وقوله: ثم إشارة إلى موضع الحرب، أي أنه أرق قلباً من النساء في الضعف.

يرنو إليك مع العفاف وعندهأن المجوس تصيب فيما تحكم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: إن أاك ينظر إليك مع العفاف لأنه يرى رأي المجوس! وهذا قول ابن جنى.

وقوله: مع العفاف يمنع من ذلك، فإنه ذكر ما لا يصح، ويمكن أن يقال: إنه صحيح ومعناه: أنه على رأي المجوس، لأن المجوسي يرى إتيان أخته من العفاف، لأنه يستبيحه! فهو صحيح من هذا الوجه هذا على الوجه الثاني.

وأما على الوجه الأول: فمعناه أنك قد فتنت أخاك بحسنك فهو ينظر إليك ويتمنى أن يكون دينه دين المجوس، وأنك محللة له، فكأنه يرى رأى المجوس في نكاح الأخوات ومثله لأبي تمام:

بأبي من إذا رآها أبوهاشغفاً قال: ليت أنا مجوس
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «إن يوم الفراق يوم عبوس»
راعتك رائعة البياض بعارضيولو أنها الأولى لراع الأسحم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

راعتك: أي أفزعتك وروى: راعية الشيب، وجمعها رواعٍ. وروى: رائعة، وهي الفاعل من راعت. وقيل: هي منتشرة كانتشار الغنم في المرعى. والأسحم: الأسود.

يقول: راعتك الشعرات البيض التي انتشرت في عارضي، ولوكان الشعر يبدو أبيض ثم يسود، لخفت من السواد خوفك من البياض، والذي راعك إنما هو علو سني، لا البياض.

لو كان يمكنني سفرت عن الصبافالشيب من قبل الأوان تلثم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: لو قدرت لكشفت البياض عن شعري، حتى أريك صباي، وتعلمين أنت أني شبت قبل الأوان، والشيب قبل أوانه بمنزلة أن يتلثم الإنسان بعمامة بيضاء؛ لأنه لا يورث ضعفاً ولا يوهن قوة، فإنه يكره الشيب لهذا المعنى.

ولقد رأيت الحادثات فلا أرىيققاً يميت ولا سواداً يعصم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: جربت حوادث الدهر، فرأيت سواد الشعر لا يمنع من الموت، وبياضه لا يقرب منه، وقد يموت الشاب ويعيش الشيخ.

والهم يحترم الجسيم نحافةًويشيب ناصية الصبي ويهرم

يقول: إن الهم يذيب الجسم، وينقصه حتى يموت الجسم نحافة، وتبيض ناصية الصبي، ويهرم قواه ومعناه: أن الشيب حصل لي من الهم.

ذو العقل يشقى في النعيم بعقلهوأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: العاقل وإن كان في النعيم، فإنه لا يتهنأ به؛ لعلمه بزواله، والجاهل وإن كان في الشقاوة، فهو يتلذذ؛ لجهله بعواقبه.

والناس قد نبذوا الحفاظ فمطلقٌينسى الذي يولي وعافٍ يندم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يولي: أي يعطي.

يقول: إن الناس تنكر مراعاة الحقوق والذمم، فالمنعم عليه بإطلاقٍ من الأسر، ينسى يد المنعم عليه فلا يشكر نعمه، والعافي من الإساءة والمنعم على الغير، يندم على ما فعله من النعم.

لا تخدعنك من عدوٍّ دمعةٌوارحم شبابك من عدوٍّ ترحم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أراد: ترحمه، فحذف الهاء.

يقول: إذا قدرت على عدوك فاقتله ولا يخدعنك بكاؤه: وارحم شبابك بذل عدوٍّ ترحمه!

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذىحتى يراق على جوانبه الدم
للشاعر ابن زيدون، من قصيدة «الدهر إن أملى فصيح أعجم»

يقول: لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى حتى تحميه بالسيف.

قال ابن جنى أشهد بالله لو لم يقل إلا هذا البيت لوجب تقدمه:

يؤذي القليل من اللئام بطبعهمن لا يقل كما يقل ويلؤم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

من في موضع النصب؛ لأنه مفعول يؤذي.

يقول: إن القليل الحقير اللئيم يؤذي بطبعه، من لا يقل كقلته ولا يلؤم كلؤمه.

والظم في خلق النفوس فإن تجدذا عفةٍ فلعلةٍ لا يظلم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى: في خلق، وهي جمع خلقة، ويريد الطبيعة. وروى في خلق، وهو واحد الأخلاق.

يقول: إن الإنسان طبع على الظلم ومن لا يظلم فلعلةٍ تمنعه من ذلك: إما عجز أو خوف، فلو خلي وطبعه لاستعلى على من هو دونه.

يحمى ابن كيغلغ الطريق وعرسهما بين رجليها الطريق الأعظم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»
أقم المسالح فوق شفر سكينةٍإن المنى بحلقتيها خضرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

الخضرم معناه ظاهر. والمسالح: أصحابه الذين يحفظون الطريق.

يقول: أقم المراصدين فوق امرأتك التي سار الناس للفجور بها، حتى اجتمع هناك من المنى بحر غزير.

وارفق بنفسك إن خلقك ناقصٌواستر أباك فإن أصلك مظلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: لا تتعرض لمناوأتي فإنك ناقص الخلق، ولا تظهر أباك، فإنك مدخول النسب لا يوقف عليه.

واحذر مناوأة الرجال فإنماتقوى على كمر العبيد وتقدم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: احذر معاداة الرجال، فإنما تقوى على استدخال كمر العبيد والإقدام عليها، وهذا رمى له بالأبنة.

وغناك مسألةٌ، وطيشك نفخةٌورضاك فيشلةٌ، وربك درهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: إن مالك مكتسب بالسؤال، وإن طيشك: أي خفتك. نفخة: أي لو نفخ عليه لطار، لضعف قلبه.

وقيل: أراد أن خفتك في المورد فلا تأثير له، وأنه إذا غضب ينكح فيرضى وأنه بخيل يعبد الدرهم ويعظمه كأنه ربه.

ومن البلية عذل من لا يرعويعن جهله وخطاب من لا يفهم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: من البلية عذل من لا ينصرف عن الجهل، ومخاطبة الجاهل الذي لا يفهم ما يفهم.

في ذكر أمك للزناة دلالةٌفأحب من ذكر ابنها من يشتم
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن ذكرت أمك استدل الزناة بذكرها عليها، وأحب الناس إليها من يشتم ابنها ويقول: يابن الزانية؛ ليدل الزناة عليها.

يمشي بأربعةٍ على أعقابهتحت العلوج ومن وراءٍ يلجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

العلج: القوي البنية المعالج للتعب. وقوله: بأربعة أراد العضو. وينبغي أن يقول: إنه يمشي تحت العلوج إلى خلفه؛ حرصاً على استيفاء ما يدخل فيه! ولكن لجامه في خلفه: أي في إسته.

وجفونه ما تستقر كأنهامطروفةٌ أو فت فيها حصرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

مطروفة من قولهم: طرفته، أي ضربت طرفه.

يقول: إن جفونه لا تستقر، فكأنه أصيب بشيء من رمد ونحوه، أو عصر فيها حصرمٌ أشار بهذا إلى أن في عينه آفة.

وقيل: أراد أنه يحرك أجفانه لاستدعاء العلوج للمعنى الذي رماه به أولاً.

وإذا أشار محدثاً فكأنهقردٌ يقهقه أو عجوزٌ تلطم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: إذا نطق ازداد حقارة، فكأنه قرد حين يضحك، أو عجوز لطمت في مناحة وبكت. ولا يضحك شيء من الحيوانات إلا الإنسان والقرد.

يقلي مفارقة الأكف قذالهحتى يكاد على يدٍ يتعمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قوله: يقلى. أي يبغض، وفاعله: قذاله. ومفارقة الأكف: مفعوله.

يقول: إنه تعود أن يصفع، فقذاله: يكره مفارقة الأكف، حتى كأن الأيدي عمائم، لإحاطتها به.

وقيل: معناه لا يميل إلى مفارقتها. والقذال: مؤخر الرأس.

وتراه أصغر ما تراه ناطقاًويكون أكذب ما يكون ويقسم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: هو حقير المنطق، فإذا تكلم زاد حقارة لعيه، ولكنه أكثر ما يكون كذلك في قوله: إذا وكد كلامه بقسم وأيمان.

والذل يظهر في الذليل مودةًوأود منه لمن يود الأرقم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

الأرقم: ضرب من الحيات.

يقول: إن الذليل يظهر المودة لمن أذله؛ ليتقي شره، ولكن الأرقم أشد حباً منه لمن يحبه، إذا قدر عليه.

ومن العداوة ما ينالك نفعهومن الصداقة ما يضر ويؤلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: إن عداوة الساقط تدل على مباينة طبعه لطبعك فينفعك ومودته تدل على المناسبة فيضرك! وقيل: أراد أن عداوة العاقل خير من صداقة الجاهل، فتلك العداوة ربما تتضمن منفعة وهذه الصداقة ربما تتضمن مضرة وشراً.

أرسلت تسألني المديح سفاهةًصفراء أضيق منك، ماذا أزعم؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

صفراء: اسم أم المهجو، أو اسم امرأته. يعني: إنك تسألني المديح وما عسى أن أقول لك؟ وأنت أوسع منها!

أترى القيادة في سواك تكسبايابن الأعير وهي فيك تكرم؟!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الأعير: تصغير الأعور.

يقول: إن غيرك يتكسب بالقيادة، وأنت تقود على أهلك وتعده تكرما! ومثله قول الآخر:

تراه من جوده ومن كرمهيحمل أضيافه إلى حرمه
فلشد ما جاوزت قدرك صاعداًولشد ما قربت عليك الأنجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

شدما كقولك: نعما، وبئسما.

يقول: ما اشد ما جاوزت قدرك حتى سألتني أن أمدحك، وهو أبعد من النجوم، صاعداً نصب على الحال.

وأرغت ما لأبي العشائر خالصاًإن الثناء لمن يزار فينعم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

قوله: أرغت. أي طلبت، وقيل: أملت إلى نفسك، وخالصاً نصب على الحال.

يقول: طلبت المديح الذي هو لأبي العشائر خالصاً، لأنه لا يستحقه إلا من ينعم على زائره، وهو أبو العشائر.

ولمن أقمت على الهوان ببابهتدنو فيوجأ أخدعاك وتنهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

الأخدعان: عرقان في العنق معروفان. وتنهم: أي تزجر.

يقول: إن الثناء لمن تقيم على بابه مهينا، كلما دنوت منه تزجر وتصفع، فكيف أمدحك وهذه حالك؟!

ولمن يهين المال وهو مكرمٌولمن يجر الجيش وهو عرمرم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

العرمرم: الجيش الكثير. يمدح أبا العشائر. يعني: أنه يكرم نفسه بإهانة المال وهو يقود الجيش الكثير، يصفه بالكرم والشجاعة.

ولمن إذا التقت الكماة بمأزقٍفنصيبه منها الكمي المعلم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

المأزق: مضيق الحرب.

يقول: إن المدح يكون لمن يكون في مضيق الحرب، ويقتل كل شجاع معلم: أي له علامة.

ولربما أطر القناة بفارسٍوثنى فقومها بآخر منهم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: ربما طعن فارساً، فانعطفت قناته، فطعن بها آخر فقومها فيه كما تقوم الثقاف.

والوجه أزهر، والفؤاد مشيعٌوالرمح أسمر والحسام مصمم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: يفعل ذلك بوجه أزهر وله رمح أسمر، وسيف مصمم قاطع يمضي في العظام.

أفعال من تلد الكرام كريمةٌوفعال من تلد الأعاجم أعجم
للشاعر المتنبي، من قصيدة «لهوى النفوس سريرة لا تعلم»

يقول: فعل كل أحدٍ على قدر أصله، وهو من قوله تعالى: " قل كلٌّ يعمل على شاكلته ".

ولقي أبا الطيب بعض الغزاة بدمشق، فعرفه أن ابن كيغلغ لم يزل يذكره في بلد الروم، فقال أبو الطيب يهجو ابن كيغلغ:

أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغٍيجوب حزوناً بيننا وسهولا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

يقول: أتاني كلام هذا الجاهل، وتهدده لي من مكان بعيد، يقطع الجبال والمفاوز الذي بينه وبيني.

وقيل معناه: إن كلامه قد أتاني، وهو حينما تكلم كان يجوب حزون أرض الروم وسهولها. ويجوب: أي يقطع.

ولو لم يكن بين ابن صفراء حائلٌوبيني سوى رمحي لكان طويلاً
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

صفراء: اسم أمه، ومعناه: يهددني ابن صفراء بوعيده! وأنا منه على بعد، فلو لقيته ولم يحل بيني وبينه إلا رمحي وحده، الذي أعتمد عليه وأدفعه به، لطال عليه الوصول إلي. فكيف وقد انضم إليه سائر أسباب القوة.

وقيل: معناه لو كان بيني وبينه من البعد مقدار رمحي لكان طويلاً عليه، فلا يمكنه أن ينالني. وقيل: إن صفراء كناية عن الأست والعرب تقول: ولد من أسته. فعلى هذا يكون رمياً له بالأبنة.

وإسحاق مأمونٌ على من أهانهولكن تسلي بالبكاء قليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

يقول: إن من أهانه وأساء إليه لم يخف غائلته؛ لأنه لا يقدر على شيء من النكير عند بلوغه إساءة من أساء إليه سوى التسلي بالبكاء.

وقد ذكره بالقبيح وكنى عنه بالبكاء وهذا غاية الحسن ومثله:

زعم الفرزدق أن سيقتل مربعاًأبشر بطول سلامةٍ يا مربع
للشاعر جرير، من قصيدة «بان الخليط برامتين فودعوا»
ولولا الذي في وجهه من سماجةٍلنمت عليه بكرةً وأصيلا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وليس جميلاً عرضه فيصونهوليس جميلاً أن يكون جميلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»
ويكذب، ما أذللته بهجائهلقد كان من قبل الهجاء ذليلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أتاني كلام الجاهل ابن كيغلغ»

يقول: نفسه لا جمال لها فيصونه عن الهجاء، ولا يستحق أن يكون جميلا، ثم يقول: زعم هذا الجاهل أني أذللته بهجائي فقد كذب في دعواه؛ لأني لم أنقص شيئاً من قدره بالهجاء، فإنه ذليل خامل لا قدر له.

وورد الخبر إلى مصر بأن غلمان ابن كيغلغ قتلوه بجبلة من ساحل الشام، فقال أبو الطيب يشمت به ويهجوه:

قالوا لنا: مات إسحاق. فقلت لهم:هذا الدواء الذي يشفي من الحمق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

يقول: بلغني موته، فقلت: قد أصاب دواء حمقه؛ فإن الأحمق ليس له دواء إلا الموت.

إن مات مات بلا فقدٍ ولا أسفأو عاش عاش بلا خلقٍ ولا خلق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

يقول: إن حياته وموته سواء، فإن مات لا يحزن عليه أحد، ولم يشعر بموته لخموله، وإن عاش فلا نفع فيه، لأنه دميم الخلق سيىء الخلق، فليس له رواءٌ يملأ العيون، ولا خلقٌ يعطف عليه القلوب.

منه تعلم عبدٌ شق هامتهخون الصديق ودس الغدر في الملق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

قوله: دس الغدر في الملق أي يستر غدره في كلامه باللطف؛ ليتوصل به إلى الإيقاع بالغير.

يقول: إن عبده الذي قتله، منه تعلم الخيانة والغدر بالصديق، فحين رآه يخون أصدقاءه ويغدر بهم، اقتدى، به فقتله غدراً.

وحلف ألف يمينٍ غير صادقةٍمطرودةٍ ككعوب الرمح في نسق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

حلف: نصب عطفاً على قوله: دس الغدر وهو منصوب بتعلم ومطردة: أي متتابعة.

يقول: تعلم منه ألف يمين متتابعة، مثل كعوب الرمح على طريقة واحدة، فكان ذلك باعثاً له على قتله، فقتله ودفع عن نفسه قتله بالأيمان الكاذبة كما كان هو يفعل.

ما زلت أعرفه قرداً بلا ذنبٍصفراً من البأس مملوءًا من النزق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

النزق: الخفة والطيش.

يقول: في كونه قرداً ناقصاً؛ ليكون أعجب، وإنه مملوء من الخفة، وصفراً من الحلم والعقل والأدب.

كريشةٍ بمهب اليح ساقطةٍما تستقر على حالٍ من القلق
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

شبهه في خفته وقلقه بريشة ساقطة تهب عليها الريح.

تستغرق الكف فوديه ومنكبهوتكتسى منه ريح الجورب العرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

الفودان: جانبا الرأس.

يقول: إنه يكثر الصفع على جوانب رأسه ومنكبه، ويد من يصفعه تكتسب منه ريحاً منتناً مثل ريحة الجورب العرق! وفيه أنواع من الهجاء منها: قبح الخلقة، وصغر الجثة، وخبث الريح، ونتن الجسد، ومهانة النفس؛ حتى يصفعه كل أحد.

فسائلوا قاتليه: كيف مات لهمموتاً من الضرب أم موتاً من الفرق؟
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة
وأين موقع حد السيف من شبحٍبغير رأسٍ ولا جسمٍ ولا عنق؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

موتاً نصب على المصدر.

يقول: سائلوا قاتليه. هل مات من ضربهم، أو خوفاً من الضرب؟! والشبح: الشخص. يقول: سائلوا الناس أي موضع أصاب السيف منه؟ فإنه ليس له جسم، لقصره وصغره، ولا رأس له، ولا عنق، حتى لا يجد السيف شخصه، ولكن الخوف قتله قبل أن يضرب منه السيف موضعاً!

لولا اللئام وشيءٌ من مشابهةٍلكان ألأم طفلٍ لف في خرق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

يقول: لولا أن في الناس المشابهة في اللؤم والخسة، لكان ألأم طفل لف في قماطٍ؛ لعجزه وصغر قامته.

والمشابهة: جمع الشبه على غير قياس.

كلام أكثر من تلقى ومنظرهمما يشق على الآذان والحدق
للشاعر المتنبي، من قصيدة «قالوا لنا مات إسحاق فقلت لهم»

يقول: إن أكثر الناس كلامه تمجه الآذان لثقله. وكذلك رؤيته مما تنكرها العين ويشق عليها. فله نظائر في الناس.

واجتاز ببعلبك فنزل على علي بن عسكر، وهو يومئذٍ صاحب حربها، فخلع عليه وحمل إليه وأمسكه عنده، اغتناماً لمشاهدته. وأراد أبو الطيب الخروج إلى أنطاكية فقال يعتذر من مفارقته:

روينا يا ابن عسكرٍ الهماماولم يترك نداك بنا هياما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «روينا يا ابن عسكر الهماما»

يقول: روينا أيها الممدوح بسحائب جودك، ولم يترك بنا هياماً: أي عطشاً.

وصار أحب ما تهدى إلينالغير قلىً وداعك والسلاما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «روينا يا ابن عسكر الهماما»

يقول: قد أفضت علي من برك ما كفاني، فليس شيء أحب إلي إلا الارتحال وتوديعك والسلام، وليس ذلك عن بغض ولا كراهة فيك، ولكن عن عذر اقتضى ذلك.

ولم نملل تفقدك المواليولم نذمم أياديك الجساما
للشاعر المتنبي، من قصيدة «روينا يا ابن عسكر الهماما»

التفقد: التعهد. والموالي: المتتابع.

يقول: ولا أني أمللت إكرامك وتعهدك لأحوالي، ولا ذممت أياديك العظام، ولكن لعذر آخر أوجب طلب الإجازة.

ولكن الغيوث إذا توالتبأرض مسافرٍ كره الغماما
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إني في سؤال الإذن منك، كالمسافر الذي يكره المطر، وإن كانت فيه حياة البلاد والعباد، فلهذا كرهت المقام عندك.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من الجزء الثاني

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.