تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

السيفيات

وقال أبو الطيب يمدح سيف الدولة: أبا الحسن علي بن عبد الله بن حمدان ابن حمدون بن الحارث العدوي. عند نزوله أنطاكية ومنصرفه من الظفر يحصن برزويه، في جمادى الآخر سنة وكان جالساً تحت شراع ديباج:

وفاؤكما كالرّبع أشجاه طاسمهبأن تسعدا والدّمع أشفاه ساجمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

خاطب صاحبيه، وقد لاماه على البكاء على الربع فقال: وفاؤكما بإسعادي كالربع أشجاه دارسه. والطاسم والطامس بمعنى الدارس. وأشجاه: أشده شجوا، والشجو: الحزن. أي: لا أبكي الربع وصرت أبكي وفاءكما معه! وقال الشيخ أبو الفتح ابن جني: وهذا لفظه أملاه إملاء. وطسم يطسم طسما فهو طاسم إذا درس والخمحت آثاره وكذلك طمس يطمس فهو طامس طامس، وسجم الدمع فهو ساجم: إذا سال. وقوله: وفاؤكما خطاب للاثنين، وإنما كثر ذلك في كلام العرب لأن أقل رفقه عندهم ثلاثة، فلهذا قالوا الواحد شيطان والاثنان شيطانان، والثلاثة رفقه. وربما يخاطب الواحد بخطاب الاثنين والجماعة: تفخيماً له. أو إذا أراد تكرير الخطاب وتفصيل ما حكاه ابن جني عن المتنبي في معناه: أن صاحبيه واعداه بالمساعدة في البكاء على ربع حبيبه، والوقوف معه على أطلاله، ثم لم يفيا بما واعداه، فقال: وفاؤكما بالمساعدة دارس كهذا الربع الدارس. وقوله: أشجاه طاسمه أي كل ما كان منه طامساً كان أشجى بقلبي، كذلك وفاؤكما كلما رأيته دارساً زاد في شجوي وحزني.

وذكر صاحب الجليل؟ في تلخيص هذا المعنى. ما هو في العموم مثل كلام أبي الطيب فقال معناه: يا خليلي وفاؤكما بأن تسعداني، كهذا الربع كلما أبصرته أشجاني، وفي قوله: والدمع أشفاه ساجمه إشارة إلى أن صاحبيه غدرا معه في البكاء. فقال: إنما يشفي الدمع من الصبابة إذا كان ساجما، وكلما كان أجرى كان الشوق أشفى، والباء في قوله: بأن تسعدا متعلقة بمحذوف ولا يجوز تعلقها بقوله: وفاؤكما لأنك حينئذ فرقت بين الموصول والصلة، لأنك إذا قدرت البيت على قوله: وفاؤكما بأن تسعدا كالربع أشجاه طاسمه كانت الباء وما بعدها صلة وفاؤكما، وقد فرق بينهما بقوله: كالربع فيجب أن يضمر بعد المصدر. وهو قوله: وفاؤكما ما يتعلق به ويجعل بأن تسعدا تفسيراً له. وتقديره: وفاؤكما بأن تسعدا، ثم يحذف هذا، ويجعل الثاني تفسيراً له ومثل هذا كثير في صناعة الإعراب.

وما أنا إلاّ عاشقٌ كلّ عاشقٍأعقّ خليليه الصّفيّين لائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الصفيين: الذي يصفى لك المودة من الغش، فيكون بمعنى المصفى. فقيل بمعنى مفعل.

يقول: أنا عاشق. فقال: كل عاشق أعق خليليه الصفيين: من يلومه، فمن لا منى منكما كأنه قد عقني، وروى: وما أنا إلا عاشق كل بنصب اللام. ومعناه: أنا عاشق كل عاشق، بعد لوم خليليه له عقوقا منهما إليه وهذا أبلغ من الأول، ومثل هذا:؟ وإني لأعشق من عشقكم نحولي وكلّ امرئٍ ناحل وقد سئل أبو الطيب عن هذا فقال: إن الخليل الصفي لا يكون عاقا، وأفعل لا يضاف إلا إلى ما هو بعضه.

وقيل: معناه: إذا لام لم يكن خليلا مصافياً عند العاشق؛ لأنه قصد إساءته فكأنه قال وكل عاشق إذا لامه خليله، كان أعق له من عدوه.

وقد يتزيّا بالهوى غير أهلهويستصحب الإنسان من لا يلائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يتزيا: يتكلف يتفعل من الزي، وهو الهيئة، أي يجعل الهوى زيا له.

يقول: ربما يظهر الإنسان من نفسه أنه عاشق، وليس هو بعاشق حقيقة، كما أن الإنسان قد يصحب من لا يوافقه.

يعني: أنا عاشق على الحقيقة ولست في دعواي متكلفاً.

بليت بلى الأطلال إن لم أقف بهاوقوف شحيحٍ ضاع في التّرب خاتمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يدعو على نفسه بالهلاك إن لم يطل الوقوف على أطلال دار المحبوبة.

وقد عيب عليه هذا البيت. وقيل: هذا يدل على تحمله مع دناءة همته، وعظم خطر الخاتم في عينه.

وإلى كم يكون وقوف الشحيح على خاتمه ولو كان ألأم الناس، حتى يجعل ذلك غاية الوقوف على أطلال دار الحبيب؟.

وأحسن ما يمكن أن يقال إنما أراد: أنا أقف بها وقوفاً زائداً على عادة من وقف قبلي على أطلال حبيبة، كما أن وقوف الشحيح إذا ضاع خاتمه يكون زائداً على وقوف غيره، وطلبه له أشد.

قيل: إنما خص الخاتم لأنه ربما كان فضة كثيرة القيمة حليل الخطر وهذه صفته. فالوقوف على طلبه يدوم، والبحث عنه يطول من كل واحد، وهو من الشحيح أكثر، ومنه أطول.

كئيباً توقّاني العواذل في الهوىكما يتوقّى ريّ؟ ض الخيل حازمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

نصب كئيباً على الحال. والكئيب: هو الحزين. والريض: الصعب الذي لم يرض. والحازم: الذي يشد الحزام. والهاء فيه تعود إلى الريض.

يقول: إن لم أقف وأنا كئيب والعواذل يريدون عذلي ويحذرون مني كما يحذر الرجل من الفرس الصعب، إذا أراد شد الحزام عليه، فهو يداريه حذراً أن يرمحه، فكذلك العواذل يحذرون صولته.

قفي تغرم الأولى من اللّحظ مهجتيبثانيةٍ والمتلف الشّيء غارمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الأولى في موضع الرفع لأنها فاعلة تغرم.

يقول: إنك لحظتني لحظة فأتلفت بها نفسي، فاغرميها بلحظة ثانية؛ تحييني بها، كما أتلفت مهجتي بلحظتك الأولى؛ فإن من أتلف شيئاً غرمه.

سقاك وحيّانا بك الله إنّماعلى العيس نورٌ والخدور كمائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الهاء: للنور، والنور: الأبيض من الزهر. والكمائم: جمع كمامة وهو وعاء الزهر قبل أن يتفتح.

شبه النساء بالنور، والهوادج بالكمائم، ولما جعلها نوراً دعا لها بالسقيا، وجعله تحية لها، كما يحيي الصديق صديقه بالورد والريحان.

ومعناه: رزقنا الله وصلك والتلذذ بطيبك. ومثل آخر هذا البيت قول الآخر وهو:

ولم أر كالأظعان يوم رحيلهموأحداجهم تحكي الكمائم في الورد

وقريب من بيت أبي الطيب قول السري بن أحمد الرفاء.

حيّا به الله عاشقيه فقدأصبح ريحانةً لمن عشقا
وما حاجة الأظعان حولك في الدّجىإلى قمر؟ ما واجدٌ لك عادمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الأظعان: الراحلون، والهاء في عادمه للقمر.

يقول: الراحلون معك في ظلمة الليل، لا يحتاجون إلى ضوء القمر؛ لأن من وجدك فقد وجد القمر.

إذا ظفرت منك العيون بنظرةٍأثاب بها معيي المطيّ ورازمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

ثاب وأثاب: بمعنى. أي أرجع. والمعيي: الرازم، وجمعهما لاختلاف اللفظتين. وقيل الرازم: الذي قد قام من الإعياء.

يقول: إن الإبل المعيية إذا نظرت إليك عادت إليها نفسها، فكيف نحن مع شدة شوقنا إليك! فهو أولى بنا.

حبيبٌ كأنّ الحسن كان يحبّهفآثره أوجار في الحسن قاسمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

روى في الحكم وفي الحسن والهاء في يحبه للحبيب، وكذلك في آثره وفي قاسمه للحسن.

يقول: كان الحسن يحب هذا الحبيب، فآثره على غيره وخصه بزيادة الحسن وبدائعه، أو جار من قسم الحسن في قسمته، فأعطى هذا الحبيب أكثر مما أعطى غيره.

تحول رماح الخطّ دون سبائهوتسبى له من كلّ حيّ كرائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الهاء في كرائمه تعود إلى حي وهو جمع كريمة.

يقول: إن الرماح تحول بين هذا الحبيب وبين من أراد سباءه؛ لعزة قومه وتسبى الرماح له من كل حي كرائمه.

ويضحى غبار الخيل أدنى ستورهوآخرها نشر الكباء الملازمة
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الكباء: العود والبخور، والنشر: الرائحة الطيبة، والهاء في ستوره للحبيب وفي آخرها للستور وفي ملازمه لآخرها.

يقول: عليه ستور كثيره، فأدناها إلينا غبار الخيل التي تركض حوله، وآخرها داخلها يلازمه ريح العود ودخانه.

وما استغربت عيني فراقاً رأيتهولا علّمتني غير ما القلب عالمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يعني: ليس هذا بأول فراق رأيته فأستغربه، بل رأيت مثله كثيراً، والهاء في عالمه راجعة إلى ما.

فلا يتّهمني الكاشحون فإنّنيرعيت الرّدى حتّى حلت لي علاقمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

العلقم: شجر مر، وأراد به ها هنا الشدائد.

يقول: لا يتهمني الأعداء على الردي، أني أضعف عن احتماله، فإني قد تعودته وقاسيت أمثاله، حتى حلا في فمي كل مر، وهان علي كل صعب.

مشبّ الّذي يبكي الشّباب مشيبهفكيف توقّيه وبانيه هادمه؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

المشب: الذي يشب ويأتي بالشباب. والمشيب: الذي يأتي بالمشيب، والضمائر كلها تعود إلى الذي ويجوز أن يكون في مشيبه يعود إليه فقط، وفي توقيه وبانيه وهادمه يعود إلى الشباب.

يقول: إن الذي يبكي الشباب لا ينفعه، فإن الشيب الذي صيره شاباً، هو الذي أفضى به إلى المشيب، وهو الحياة، فإنه تنقله من حال إلى حال، فكيف نقدر على الاحتراز منه؟! وهو الشيء الذي به بقاؤه وبه فناؤه. وقيل: هو الله تعالى الذي يأتي بالشباب والشيب. وقيل أراد به: الدهر على ما جرت عادته في نسبة الحوادث إليه.

وتكملة العيش الصّبا وعقيبهوغائب لون العارضين وقادمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

له معنيان: أحدهما: أن كمال العيش إنما هو في الصبا وفيما يعقب الصبا، فأما أيام الشيب فلا تعد من العيش، لأنها مشوبة بالأحزان والأسقام.

وقوله: وغائب لون العارضين وقادمه يعني أن هذا تكملة العيش، وأراد به حال نقاء العارض من الشعر، ثم غاب ذلك وقدم عليه بياض الشيب والشعر. وهذا أحسن.

والثاني: أن المراد به أن جميع العمر ما ذكر من هذا البيت وهو: أيام الصبي، ثم عقيبة الشباب، وبعده بياض الشعر بعد سواده، وهو أيام الشيب. والهاء في قادمه تعود إلى اللون.

قال ابن جني: سألته وقت القراءة عليه: أيقال تكملة العيش لجميعه؟ قال: هو جائز لأنه بالجميع يكمل.

وما خضّب النّاس البياض لأنّهقبيحٌ، ولكن أحسن الشّعر فاحمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الفاحم: الشديد السواد. يقول: إن الناس لا يخضبون البياض لأنه قبيح، بل هو حسن، ولكن الشعر الأسود أحسن في مرأى العين؛ لدلالته على فتى السن، والبياض يدل على الهرم.

وأحسن من ماء الشّبيبة كلّهحيا بارقٍ في فازةٍ أنا شائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الحيا: المطر، والبارق: السحاب الذي فيه برق. والفازة: الخيمة. وشمت البرق: إذا نظرت مخايله. والهاء في شائمه تعود إلى الحيا.

يقول: مطر سحابة في خيمة، وأنا أنظر إليه، أحسن من ماء الشباب، لأني أنال به من السرور واللذات، ما لا أناله بالشباب.

عليها رياضٌ لم تحكها سحابةٌوأغصان دوحٍ لم تغنّ حمائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

عليها: أي على الفازة. شبه النقوش التي عليها بالرياض المنورة، وقوله: لم تحكها أي ليست هذه الرياض من صنعة الغيث والسحاب، ولكنها من صنعة البشر، وعليها صور أغصان أشجار عليها حمائم، لكنها صامتة لا تتغنى ولا تتغرد. والهاء في حمائمه للدوح.

وفوق حواشي كلّ ثوبٍ موجّهٍمن الدّرّ سمطٌ لم يثقّبه ناظمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الهاء في ناظمه للسمط.

يقول: على حواشي كل ثوب ذي وجهين عقد منظوم من الدر، غير أن ناظمه لم يثقبه؛ لأنه ليس بدر على الحقيقة، بل نقش على صورة خلقة الدر.

ترى حيوان البرّ مصطلحاً بهايحارب ضدّ ضدّه ويسالمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يعني: عليها تصاوير الحيوان من كل جنس. كالسباع والوحوش والفرسان، فمرة يصالح الضد ضده، ومرة يحاربه، لأنه ربما يتصل تارة وينفصل أخرى عند ضرب الريح إياها.

وقيل: أراد أن عليها صور سباع تفترس وحوشا، فهي في صور المحارب ولكنها مسالمة، لا يقدر بعضها على بعض، فهي محاربة ومسالمة في وقت واحد.

إذا ضربته الرّيح ماج كأنّهتجول مذاكيه وتدأى ضراغمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

تدأى: أي تختل، وقيل: تسرع. والهاء في ضربته وفيما بعده: تعود إلى قوله: كل ثوب موجه وقيل: تعود إلى الحيوان.

يقول: إن الريح إذا ضربت هذا الثوب ماج: أي اضطرب، فحسبته خيلا تجول، وسباعاً تصول، وهو المراد بقوله: تدأى ضراغمه أي الأسود المصورة عليه.

وفي صورة الرّوميّ ذي التّاج ذلّةٍلأبلج لاتيجان إلاّ عمائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

أراد بالرومي: ملك الروم، وكان على الفازة صورته.

يقول: في صورة ملك الروم صاحب التاج ذلة: أي خضوع للملك الأبلج، وهو سيف الدولة. والأبلج: المنقطع ما بين الحاجبين. ثم قال: لا تيجان للعرب إلا العمائم والتاج لملوك العجم.

تقبّل أفواه الملوك بساطهويكبر عنها كمّه وبراجمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

البراجم: المفاصل التي تحت الأنامل، والواحد برجمة، وهي عبارة عن اليد.

يعني: أن الملوك إذا رأته قبلت بساطه؛ لأنها لم تكن أهلا لتقبيل يده ولا كمه.

قياماً لمن يشفى من الدّاء كليّهومن بين أذنى كلّ قرمٍ مواسمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قياماً: نصب بإضمار فعل. أي: تراهم قياما. وقيل: نصب على الحال. وقوله: يشفى من الداء كيه مثل. ومن؛ بمعنى الذي. المتقدم. والهاء في كيه تعود إلى من الأولى، وفي مواسمه إلى من الثانية. والقرم: الرئيس.

يقول: إنه يشفى من الداء كيه ويروض كل صعب. وكل قرم لقيه ولى عنه فآثار سيفه في قفاه وبين أذنيه. تلوح كالسمة.

وقيل: معناه: إنه يقهر كل قرم ويسمه سمة ذل وعجز. والمواسم: جمع ميسم وموسم.

قبائعها تحت المرافق هيبةًوأنفذ ممّا في الجفون عزائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

قبيعة السيف: الفضة التي على قائمة مثل الكرة. والهاء في قبائعها للملوك وفي عزائمه للمدوح.

يقول: إنهم قيام بين يديه، وسيوفهم نحن مرافقهم وهم متكئون عليها، ثم قال: عزائم سيف الدولة في الأمور أنفذ من السيوف التي في الجفون.

له عسكرا خيلٍ وطيرٍ إذا رمىبها عسكرا لم تبق إلاّ جماجمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الوجه أن يقال: إذا رمى بها، ردا للضمير إلى أحد العسكرين.

معناه: له عسكر من الخيل، فإذا قصد إلى عسكر عدوه، قتلته الخيل وأكلته الطير، فلم يبق إلا عظام الرءوس. والهاء في جماجمه تعود إلى قوله عسكرا.

أجلّتها من كلّ طاغٍ ثيابهوموطئها من كلّ باغٍ ملاغمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الملاغم: ما حول الفم. واحدها ملغم.

يقول: جلال خيله: ثياب كل طاغ قتله، وموطئها: ملاغم كل باغ. والتأنيث: للخيل: والتذكير: للطاغي والباغي.

فقد ملّ ضوء الصّبح ممّ تغيرهوملّ سواد اللّيل ممّا تزاحمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

التاء في تغيره وتزاحمه للخيل. وأراد: مما تغير فيه، فحذف حرف الجر، وأوصل الفعل إليه.

يقول: إن الصبح قد مل من كثرة إغارة الممدوح فيه، وسواد الليل قد مل من كثرة سيره فيه، ومزاحمته إياه.

وملّ القنا ممّا تدقّ صدورهوملّ حديد الهند مما تلاطمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

تدق صدوره: أي تكسره. وتلاطمه: أي تضاربه.

يقول: إن الرماح والسيوف قد ملت؛ من كثرة ما تطعن بالرماح وتكسرها، وتضرب بالسيوف.

سحابٌ من العقبان يزحف تحتهاسحابٌ إذا استسقت سقتها صوارمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

السحاب: يذكر على اللفظ، ويؤنث على معنى الجمع، فأنث السحاب الأول على المعنى، وذكر الثاني على اللفظ وإقامة القافية.

شبه الجيش، والعقبان فوقه، بسحاب يسير تحت سحاب آخر، ثم جعل الأسفل يسقي الأعلى، فجعل الغمام مستقياً، مع أنه يكون ساقياً.

سلكت صروف الدّهر حتّى لقيتهعلى ظهر عزمٍ مؤيداتٍ قوائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

مؤيدات: محكمات، لما جعل عزمه مركوباً، جعل له ظهراً وقوائما.

يقول: ركبت عزمي وسلكت إليه المؤيدات، مفاوز شديدة، كأنها صروف الدهر. يعني: أني قويت عزمي على قصده، فتكلفت الأسفار حتى لقيته.

مهالك لم تصحب بها الذّئب نفسهولا حملت فيها الغراب قوادمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

مهالك: بدل من صروف الدهر. والقوادم: ريش الجناح المقدمة، وفاعل تصحب: نفسه، ومفعوله: ذئب. وفاعل حملت: قوادمه، والغراب: مفعوله. والضمير: الغراب.

يعني: أن هذه المفاوز مهالك وحشة لا يقدر الذئب على قطعها، ولا الغراب على سلوكها؛ لشدتها. ومثله قول الآخر:

مهامة لا يسرى بها النّجم وحدهولا الطّيف إلاّ خائفاً يترقّب
فأبصرت بدراً لا يرى البدر مثلهوخاطبت بحراً لا يرى العبر عائمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

عبر الوادي: شطه.

يقول: لما وصلت إليه رأيت بدراً لا يرى البدر الحقيقي مثله، وخاطبت بحراً ليس له عبر ولا نهاية

غضبت له لمّا رأيت صفاتهبلا واصفٍ والشّعر تهذى طماطمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

الطماطم: جمع طمطمة، وهي ما لا يفهم من الكلام.

يقول: لما رأيت صفاته بلا واصف يصفها بحقائقها، غضبت لهذا الممدوح، فبصرت ببدائع شعري، وصار شعر غيري كالهذيان الذي لا معنى له.

فكنت إذا يمّمت أرضاً بعيدةًسريت فكنت السّرّ واللّيل كاتمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في كاتمه للسر.

يقول: كنت أسير ليلاً مخفياً سيري، فكنت كأني سر في ضمي الليل، وهو يكتمني عن كل أحد.

وهذا البيت من بدائع هذه القصيدة وسيدها، وواسطة قلادتها.

لقد سلّ سيف الدّولة المجد معلماًفلا المجد مخفيه ولا الضّرب ثالمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يقول: هو سيف سله المجد، ليضرب به رقاب البخل، فالمجد لا يخفيه والضرب لا يثلم حده.

على عاتق الملك الأغرّ نجادهوفي يد جبّار السّماوات قائمه
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

أي على عاتق الخليفة، لأنه من جملة أوليائه وأنصار دعوته. وقوله: وفي يد جبار السماوات قائمه أي أنه سيف الله يضرب به رءوس من كفر به وعبد إله غيره.

تحاربه الأعداء وهي عبادهوتدّخر الأموال وهي غنائمه!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن أعداءه يحاربونه، وهم عباده، يعلمون أنه يأسرهم ويستعبدهم ويجمعون الأموال وهم يعلمون أنه يغنمها!

ويستكبرون الدّهر والدّهر دونهويستعظمون الموت والموت خادمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يقول: إن الناس يستكبرون أمر الدهر في تصرفه، وهو أكبر منه قوة! ويستعظمون الموت وهو خادمه! يهلك من يأمره بقتله.

وإنّ الّذي سمّى عليّا لمنصفٌوإنّ الّذي سمّاه سيفاً لظالمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

يقول: من سماه عليا فقد أنصفه؛ لأنه على المنزلة، رفيع المحل، ومن سماه سيفا فقد ظلمه؛ لأنه أمضى من السيف وأعظم تأثيراً منه.

وما كلّ سيفٍ يقطع الهام حدّهوتقطع لزبات الزّمان مكارمه
للشاعر المتنبي، من قصيدة «وفاؤكما كالربع أشجاه طاسمه»

لزبات: أصله تحريك الزاي، ولكنه خففه وسكنه ضرورة: وهي الشدائد. يقول: من سماه سيفاً إنما ظلمه؛ لأن السيف عمله القطع فقط، وربما ينبو فلا يقطع رقاب الأعداء، والممدوح يكشف شدائد الزمان بمكارمه وبجوده فتسميته بالسيف ظلم؛ لأنه أعم منه نفعاً.

وقال أيضاً يمدحه وقد عزم على الرحيل عن أنطاكية:

أين أزمعت أيّهذا الهمام؟نحن نبت الرّبا وأنت الغمام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الربا: جمع ربوة، وهي ما ارتفع من الأرض.

يقول: أي موضع عزمت أن ترحل إليه أيها السيد العظيم الهمة؟ فنحن محتاجون إلى مقامك احتياج نبت الربا إلى مطر الغمام، وخص نبت الربا؛ لأنه أحوج إلى سقيا الغمام، ولأن الروضة إذا كانت على ربوة كانت أحسن وأنضر وأخضر.

نحن من ضايق الزّمان له فيك وخانته قربك الأيّام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

حكى ابن جني عنه قال: أردت أن أقول: ضايقة الزمان، فزدت اللام فقلت: ضايق الزمان له. قال ابن جني: ومثله قوله تعالى: عسى أن يكون ردف لكم أي ردفكم؛ وخان: تعدى إلى مفعولين: أحدهما الهاء في خانته والثاني قربك وفاعله: الأيام. والهاء في له وخانته راجعة إلى من.

يقول: إن الزمان ضايقنا فيك، وحسدنا على قربك، فخانتنا الأيام في قربك، وفرقت بيننا وبينك.

في سبيل العلا قتالك والسّلم وهذا المقام والإجذام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الإجذام: سرعة السير، وأصفه قطع الأرض بالأسفار.

يقول: كل ما تفعله من قتال وسلم، وإقامة وترحال، يشيد مجدك ويرفع قدرك، فتنال معال مع معاليك.

ليت أنّا إذا ارتحلت لك الخيلوأنّا إذا نزلت الخيام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الخيمة في الأصل: بيت يتخذ في الصيف من الخشب، وأغصان الشجر، ثم استعمل في المضارب وبيوت الشعر مجازاً.

يقول: ليتنا كنا خيلك عند ارتحالك، وخيامك عند نزولك، حتى لا نفارقك. وقيل: أراد ليتنا نقيك الأذى من فوق: من الحر والبرد، ومن أسفل: من الخشونة والتعب.

كلّ يومٍ لك احتمالٌ جديدٌومسيرٌ للمجد فيه مقام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الاحتمال: الرحيل.

يقول: كل يوم تسافر، فالمسير لك مقام المجد والعز. يعني: أنك دائم السعي فيما فيه مجدك.

وإذا كانت النّفوس كباراًتعبت في مرادها الأجسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

أراد بالنفوس: الأرواح والهمم.

يقول: إذا كان الإنسان كبير النفس عالي الهمة طلبت همته الأمور العالية، فأتعبت أجسامها في مرادها.

وكذا تطلع البدور عليناوكذا تفلق البحور العظام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: كل رفيع القدر عالي الهمة، لا تدعه همته أن يستقر، كما أن البدر يطلع ولا يفتر عن المسير، وكذلك البحار العظام، لا يسكن موجها وعباؤها.

ولنا عادة الجميل من الصّبر لوانّا سوى نواك نسام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

نسام: أن نكلف.

يقول: من عادتنا الصبر الجميل على جور الزمان، ولكنا لا نقدر أن نصبر على فراقك والبعد عنك

كلّ عيشٍ ما لم تطبه حمامٌكلّ شمسٍ ما لم تكنها ظلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

يقول: إذا لم يطب العيش بقربك، فهو من جملة الموت، وكل شمس سواك فهي ظلام، فطيب عيشنا بقربك، ونور أبصارنا برؤيتك.

أزل الوحشة الّتي عندنا يامن به يأنس الخميس اللهام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الوحشة: انزعاج النفس من الوحدة. والخميس: العسكر الكثير. واللهام: العظيم الذي يلهم كل شيء فيبتلعه ويهلكه.

يقول: أزل عنا الوحشة التي نجدها لفراقك، بالمقام علينا. يا من يأنس به الخميس العظيم ويجتمع عيه، وإذا غاب وجد على نفسه.

والّذي يشهد الوغى ساكن القلب كأنّ القتال فيها ذمام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الوغى: الحرب. والهاء في فيها ضمير لقوله: الوغى لأنه في معنى الحرب وهي مؤنثة.

يقول: أزل عنا الوحشة يا أيها الرجل الذي يحضر الحرب، وهو ساكن القلب، حتى كأن القتال - الذي يكون في الحرب - عهد وأمان.

والّذي يضرب الكتائب حتّىتتلاقى الفهاق والأقدام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الفهاق: جمع فهقة، وهي موصل الرأس في العنق، وقيل: هي عظم عند حالق الرأس، مشرف على اللهاة.

يقول: إنك تقطع رقاب الفرسان حتى تقع رءوسهم على أقدامهم. وقيل: إنه يقطع الأعضاء حتى يصير الأسفل أعلى والأعلى أسفل. حتى يلتقي طرفا الجسم على ما بعد بينهما.

وإذا حلّ ساعةً بمكانٍفأذاه على الزّمان حرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الهاء في أذاه تعود إلى المكان.

يقول: إذا نزلت بمكان فلا يؤذى الزمان ذلك المكان، فكأن أذاه على الزمان حرام.

والّذي تنبت البلاد سرورٌوالّذي يمطر السّحاب، مدام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الممدوح إذا حل بمكان، فالذي تنبته أرضها إنما هو السرور، والذي يمطر سحابها إنما هو الخمر. يعني: أنه إذا نزل بمكان أحسن إلى أهله، وبسط العدل فيهم، فاتصل سرورهم، وأمنت نفوسهم.

ولما جعل نبات أرضهم سروراً، جعل مطر سحابهم مداماً؛ لأن المدام تولد السرور، كما أن الغيث يولد العشب، والذي مبتدأ وسرور خبره وتنبت صلته، وفاعله: البلاد. وكذلك الكلام في المصراع الثاني.

كلّما قيل قد تناهى أراناكرماً ما اهتدت إليه الكرام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

يقول: كرمه لا نهاية له، فكلما قيل إنه قد بلغ الغاية في الكرم ابتدع كرماً ثانياً، لا يهتدى الكرام إليه، ولا يبلغ خاطرهم إلى بعضه

وكفاحاً تكعّ عنه الأعاديوارتياحاً يحار فيه الأنام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

الكفاح: مباشرة الحرب. يقال لقيته كفاحاً: أي مواجهة. تكع: أي تجبن وتتأخر. وكفاحاً: نصب عطفاً على قوله: أرانا أي أرانا كرما وكفاحاً وارتياحاً.

يقول: أرانا شجاعة تعجز عنها أعداؤه، وجوداً يتحير الخلق فيه.

إنّما هيبة المؤمّل سيف الدّولة الملك في القلوب، حسام
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: يهابونه وليس هو سيفا! بل هيبته في القلوب سيف قاطع، حتى لا أحد يعدل عن طاعته.

فكثيرٌ من الشّجاع التوقّيوكثيرٌ من البليغ السّلام
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أين أزمعت أيهذا الهمام»

يقول: إن هيبته قد همت الناس، والشجاع الفاتك إذا تحرز منه، فذاك غاية الشجاعة. والخطيب المصقع يستكثر أن يسلم عليه، فضلاً عن أن يبسط في الكلام معه. ومثله للفرزدق:

يغضى حياءً ويغضى من مهابتهفما يكلّم إلاّ حين يبتسم
للشاعر الفرزدق، من قصيدة «هذا الذي تعرف البطحاء وطأته»

وقال أيضاً عند مسيره عنها وقد نزل المطر في ذلك اليوم.

رويدك أيّها الملك الجليلتأىّ وعدّه ممّا تنيل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

رويدك: أي أمهل، وهو اسم للفعل، ولا موضع للكاف.

الإعراب: تأىّ أي توقف وهو بدل من رويدك وإن شئت جعلته توكيداً، كأنه قال: رويدك رويدك فكرر المعنى، وخالف بين اللفظين، وروى: تأن أي توقف وتثبت. والهاء في عده ضمير للمصدر، وجل عليه قوله: تأي.

يقول: أمهل أيها الملك الجليل، وتوقف وعد وقوفك علينا من بعض صلاتك ونعمك.

وجودك بالمقام ولو قليلافما فيما تجود به قليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

وجودك: نصب على تقدير: جد جودك، فهو مصدر في موضع الأمر كقوله تعالى: فضرب الرقاب وكذلك قليلا أي ولو فعلته وجدته، فهو صفة لموصوف محذوف. ويجوز نصبه على الحال. ويجوز أن يكون صفة لظرف محذوف. أي ولو زماناً قليلا.

يقول: جد علينا بالمقام ولو زماناً قليلا، ثم احترز وقال: كل ما تجود به ليس بقليل؛ لأن لنا فيه نفعاً كثيراً.

لأكبت حاسداً وأرى عدوّاكأنّهما وداعك والرّحيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

الكبت: القهر، والإذلال. وأرى: من الورى، وهو داء الجوف. وقيل: معناه أضرب رئته من قولهم: وريته أريه. كما تقول: رأيته.

يقول: جد علينا بالمقام؛ لأكبت بذلك حاسدي، وأمرض عدوي؛ لأنهما بغيضان عندي، مثل وداعك وارتحالك.

ويهدأ ذا السّحاب فقد شككناأتغلب أم حياه لكم قبيل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

ويهدأ عطف على ما تقدم: أي يسكن. وتغلب رفع بالابتداء، وقبيل خبره. وقيل تغلب خبر ابتداء محذوف.

يقول: أقم علينا حتى يسكن مطر هذا السحاب، فإنا قد تشككنا في أمر هذا المطر، فلا ندري أنه مطر، أم قبيلك؟ التي هي بنو تغلب. يعني: أن جود هذا المطر يشبه جود بني تغلب، أي كثرة هذا المطر يشبه كثرتهم. والحيا: مقصور، المطر العام.

وكنت أعيب عذلاً في سماحفها أنا في السّماح له عذول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

له قيل: تعود الهاء إلى المطر. ومعناه: أني كنت أعيب كل من يعذل على السماح، فلما كثر هذا المطر صرت أعذله على كثرة سماحه. وقيل: إن الهاء تعود إلى سيف الدولة يعني: أني أعذل سيف الدولة على كثرة سخائه بعد ما كنت أعيب من يعذل السخي على سخائه.

وما أخشى نبوّك عن طريقٍوسيف الدّولة الماضي الصّقيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

سيف الدولة مبتدأ. والماضي خبره. وهذه الجملة في موضع نصب على الحال. والكاف في قوله نبوك قيل: خطاب لسيف الدولة.

ومعناه: لم أقل لك أقم، حتى يهدأ هذا السحاب، لأنه يعوقك عن طريقك، لأني لا أخشى نبوك: أي كلالك وتقاعدك عن طريق تريد أن تسير فيه، وأنت سيف الدولة، وسيف الدولة لا يكون إلا ماضياً صقيلاً، لا ينبو عن شيء.

وقيل: إنه خطاب للسحاب. ومعناه: لا أخشى انقطاعك عنا أيها السحاب وفقدنا إياك في طريق نسلكه، إذا كان سيف الدولة ماضياً صقيلاً، لأنه ينوب عنك ويزيد عليك.

وكلّ شواة غطريفٍ تمنّىلسيرك أنّ مفرقها السّبيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

الشواة: جلدة الرأس. والغطريف: السيد. ومفرق الرأس: حيث يتفرق الشعر. وتمنى: الأصل فيه تتمنى، فحذف إحدى التاءين.

يقول: إذا ارتحلت فكل سيد يتمنى رأسه: أي مفرقه، طريقاً لك ليشرف بك وينال بسببك رفعة.

ومثل العمق مملوءاً دماءًمشت بك في مجاريه الخيول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العمق: الفج، وهو الطريق الواسع في الجبل. وقيل: موضع بالشام أوقع سيف الدولة فيها بالأعداء وقعة عظيمة. ويقال: هو موضع كثير الوحل. مملوءاً: قيل نصب على التمييز، وقيل: على الحال. وروى بالرفع فيكون خبراً عن مثل وروى بالجر فيكون بدلا من العمق.

يقول: كم من مواضع في الحرب قد امتلأت بالدم فخاضت بك خيلك، ومشت بك في مجاريه، فكيف بالوحل والمطر؟! والهاء في مجاريه للعمق.

إذا اعتاد الفتى خوض المنايافأهون ما يمرّ به الوحول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

فأهون: مبتدأ. وما يمر به: صلة وما بمعنى الذي. ويجوز أن تكون نكرة موصوفة. يعني: فأهون شيء يمر به، وفاعل يمر ضميره. والوحول خبر أهون.

يقول: من تعود خوض المنايا والحروب، فخوض الوحل أهون شيء عليه.

ومن أمر الحصون فما عصتهأطاعته الحزونة والسّهول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

الحزون، والحزونة: جمع حزن، وهو ما غلظ من الأرض وارتفع. وقيل: إن الحزونة مصدر مثل السهولة.

يقول: من رام القلاع الحصينة والحصون المنيعة فلم يصعب عليه فتحها وأخذها حتى كأنها مأمورة له، فكيف يصعب عليه السير في حزن الأرض وسهلها؟!

أتحفر كلّ من رمت اللّياليوتنشر كلّ من دفن الخمول؟!

خفرت الرجل خفارة: إذا أجرته وحفظته، وأراد من رمته الليالي ومن دفنته الخمول فحذف الضمير. وتنشر: أي تحيي، والخمول: خفاء الذكر والألف في أتخفر للاستفهام، والمراد به التقدير.

يقول: كل من رمته الليالي بشدائدها فإنك تحفظه، وكل من كان خامل الذكر فإنك ترفعه.

وندعوك الحسام وهل حسامٌيعيش به من الموت القتيل؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

يقول: كيف يجوز أن ندعوك الحسام وأنت أعظم منه فعلا؟! وليس حسام يعيش به القتيل بعد الموت! وأنت تحي من قتله الفقر، وترفع من خفضه الخمول.

وما للسّيف إلاّ القطع فعلٌوأنت القاطع البرّ الوصول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

إلا القطع: نصب لأنه استثناء مقدم. أي ليس للسيف فعل، وأنت تقطع رقاب الأعداء، وتبر قصادك وتصل أولياءك وعشيرتك.

وأنت الفارس القوّال: صبراًوقد فني التّكلّم والصّهيل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

أي أنك تقول: صبراً صبراً ونصب صبرا على الحكاية، فحكى ذلك اللفظ على إعرابه. وقيل: نصب بقوال.

يقول: أنت الفارس الذي يصبر أصحابه إذا اشتدت الحرب، ولم يقدر الشجاع على الكلام، ولا الفرس على الصهيل، من التعب والخوف.

يحيد الرّمح عنك وفيه قصدٌويقصر أن ينال وفيه طول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

يقول: هيبتك ملأت قلوب الناس، فمن بارزك تخذله يده وأقدامه، فيحيد الرمح عنك ويقصر، فلا يصل إليك، وإن كان طويلا. وقوله: وفيه قصد وفيه طول في موضع نصب على الحال.

فلو قدر السّنان على لسانٍلقال لك السّنان كما أقول
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

يقول: إن ما أقوله لو علمه من لا ينطق لقال لك مثل ما أقول، وأثنى عليك مثل ثنائي.

ولو جاز الخلود خلدت فرداًولكن ليس للدّنيا خليل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «رويدك أيها الملك الجليل»

يقول: لو جاز أن يخلد أحد دائماً في هذه الدنيا، لخلدت أنت وحدك؛ إذ لا نظير لك، ولكن الدنيا ليست بخليل تدوم.

وقال يرثى والدة سيف الدولة، وقد ورد خبرها إلى أنطاكية في جمادي الآخرة سنة:

تعدّ المشرفيّة والعواليوتقتلنا المنون بلا قتال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

نعد: أي نجعل عدة. والمنون: الموت، وأنثه ذهاباً به إلى المنية.

يقول: نحن نعد للمنون السيوف والرماح للقتال، والموت يقتلنا قبل القتال، فليس فيما نعده فائدة عند دنو الآجال كأنه من قوله تعالى: " أيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْمُ الْمَوْتُ ".

ونرتبط السّوابق مقرباتٍوما ينجين من خبب اللّيالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

نرتبط: أي نشد. والسوابق: الخيل. ومقربات: أي مدنيات من البيوت والخبب: السير السريع.

يقول: نحن نرتبط السوابق لنهرب عليها، إن جاءنا حادث، ولكن لا تنجينا من سير الليالي، فإنها تدركنا لا محالة.

ومن لم يعشق الدّنيا قديماًولكن لا سبيل إلى وصال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن الإنسان يعشق الدنيا من قديم الدهر. يعني: أن كل أحد يعشق الدنيا ويحب البقاء فيها والخلوص من شوائبها، ولكن لا سبيل إلى ما يحب.

نصيبك في حياتك من حبيبٍنصيبك في منامك من خيال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

نصيبك: الأول مبتدأ، ونصيبك الثاني خبره.

يقول: إن ما تناله من اللذة والسرور بقرب حبيبك لا حقيقة له، وإنه لزائل، كما لا حقيقة لما تراه في المنام من خيال الحبيب، فنصيبك منه عياناً كنصيبك من خياله الذي ليس هو بشيء حقيقة.

رماني الدّهر بالأرزاء حتّىفؤادي في غشاءٍ من نبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: إن الدهر رماني بسهام مصيبة، حتى عمت فؤادي وصار قلبي كأنه في غطاء أو غشاء من سهام.

فصرت إذا أصابتني سهامٌتكسّرت النّصال على النّصال
للشاعر جرمانوس فرحات، من قصيدة «أخفت بمنظري كلا فأجرى»

يقول: إن سهام الدهر لم تدع في قلبي موضعاً إلا وفيه سهم، حتى كأنه إذا رماني بسهامه وقع سهم على سهم آخر، ولم يجد في فؤادي مكاناً خالياً، فتكسرت السهام على السهام.

وهان فما أبالي بالرّزايالأنّي ما انتفعت بأن أبالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

معناه: وهان على الدهر وحوادثه. وقيل: هان علي ما ألقاه، فأضمر الفاعل. وهان: أي خف.

يقول: خف علي أمور المصائب، فلا أبالي بها ولا أجزع عند نزولها. أي لأني ما انتفعت بما بليت قبل ذلك، فكذلك لا أنتفع بالمبالاة في المستقبل أيضا.

وهذا أوّل النّاعين طرّالأوّل ميتةٍ في ذا الجلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

الناعي: المخبر بالموت. وطرا: نصب على المصدر، وهو توكيد. وميتة: تخفيف ميتة، وروى ميتة. والجلال كالجلة. وذا: بمعنى هذا. والجلال: هو ملك سيف الدولة.

يقول: هذا أول مخبر خبر بأول مصيبة في هذه الدولة! يعني: أنه لم ير في ملكه شيئاً يكرهه قبل هذه. وقيل معناه: لأول ميتة في هذا الجلال والعظمة.

كأنّ الموت لم يفجع بنفسٍولم يخطر لمخلوقٍ ببال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

تقديره: لم يفجع أحداً بنفس، فحذف المفعول.

يقول: كأن هذه المصيبة لعظمها، أنست كل مصيبة كانت قبلها، حتى كأن الموت لم يفجع أحداً بموت أحد، ولم يخطر على قلب أحد، لعظم هذه المصيبة، أو لأنه لم يمت له أحد قبلها. ومثله قول الآخر:

كأن لم يمت حيّ سواك ولم يقمعلى أحدٍ إلاّ عليك النّوائح
للشاعر أشجَع السَلمي، اقرأ القصيدة
صلاة الله خالقنا حنوطعلى الوجه المكفّن بالجمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول داعياً لها: إن صلاة الله عليك حتى تقوم مقام الحنوط للميت. وخص الوجه المكفن بالجمال: تشريفاً للوجه وهو عبارة عن جميع الشخص.

على المدفون قبل التّرب صوناًوقبل اللّحد في كرم الخلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

على المدفون: بدل من قوله: على الوجه. ونصب صوناً: على التمييز.

يقول: إن رحمة الله على الميت كان مدفوناً في الصيانة والعفة قبل أن يدفن في التراب، كذلك مدفوناً في الخصال الكريمة قبل الدفن في اللحد. وروى: قبل الموت بدل الترب

فإنّ له ببطن الأرض شخصاًجديداً ذكرناه وهو بالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

أي للمدفون وذكرناه أي ذكرنا له. وجديداً: نصب صفة لشخص.

يقول: إن هذا الشخص ذكرنا له جديد، وإن بلي في التراب ومضى.

أطاب النّفس أنّك متّ موتاًتمنّته البواقي والخوالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

فاعل أطاب: أنك، وهو في موضع رفع.

يقول: طيب نفسي، ونفوس أوليائك، موتك في العز والإكرام. ومثل هذا الموت، في مثل هذا العز مما يتمناه كل أحد من الأموات والأحياء.

وزلت ولم ترى يوماً كريهاًتسرّ الرّوح فيه بالزّوال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: طيب نفسي أنك زلت ومت من الدنيا مسرورة ولم تر فيها يوماً مكروهاً يتمنى فيه الموت.

رواق العزّ فوقك مسبطرّوملك عليّ ابنك في كمال
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

مسبطر. أي ممتد طويل، وروى مستطيل.

يقول: لم تموني حتى رأيت رواق عز ابنك ممتداً وملكه كاملاً.

وذكر ابن جني وكثير ممن فسروا هذا الديوان: أن قوله: مسبطر لفظه مستقبحة خصوصاً في النساء، ولعلهم قالوا ذلك لما وقفوا على بيت لأني الشمقمق وهو قوله:

مررت بإير بغل مسبطرفويق الباع كالوتر المطوق

وليس كذلك، لأن هذه اللفظة قد تستعمل في غير هذا المعنى. فقد وصف أمر السير بها وقال: ومن سيرها العنق المسبطرة وذكرها ذو الرمة في الكواكب فقال:

... من اللّيل جوز واسبطرت كواكبه

سقى مشواك غادٍ في الغوادينظير نوال كفّك في النّوال

يقول: سقى القبر الذي ثويت فيه سحاب غاد أي: مطر مدرار يشبه نوال كفك في كثرته وغزارته، فكما أن نوال كفك أغر من نوال غيرك، فكذلك هذا السحاب أغر من كل سحاب.

لساحيه على الأجداث حفشٌكأيد الخيل أبصرت المخالى
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الساحي: القاشر. والهاء في لساحية تعود على قوله غاد والحفش: الأثر. وقيل: هو مصدر السيل حفشاً: إذا جمع الماء من كل جانب. وقوله: كأيدي الخيل: أي كحفش أيدي الحيل، فحذف المضاف. والمخالي. جمع مخلاة، وهي وعاء يجعل فيه العلف.

يصف شدة وقع المطر الذي دعا لقبرها بسقياه فيقول: سقى قبرك غاد: مطر يقشر عنه ويترك على القبر أثراً مثل آثار أيدي الخيل إذا أبصرت المخالي ومثله. قول حميد:

فسقى ديارك غير مفسدهاصوب الغمام وديمةٌ تهمى

وروى تنم. وقيل: هو من قولهم: حفش المطر الأرض: إذا أظهر نباتها. كأنه يقول: سقى قبرك غاد. مطر ينبت النبات. ثم شبهه بفعل أيدي الخيل في حالة مخصوصة، إشارة إلى معنى المبالغة في إنبات ما يدعو الناس إلى الإقامة بها والحلول فيها؛ لأنه كلما كان أشد كان أحسن لنباته. وقال ابن الأعرابي: حفشت السماء. إذا جاءت بمطر قليل، وهذا مما يزيد الطعن.

أسائل عنك بعدك كلّ مجدٍوما عهدي بمجدٍ منك خالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: لما فقدتك جعلت أساءل عنك كل مجد؛ لأن المجد كان قرينك، وما رأيت مجداً خالياً منك، وكان هو الأولى بأن يسأل.

يمرّ بقبرك العافي فيبكيويشغله البكاء عن السّؤال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: إذا مر بقبرك من كان يقصدك، بكى أسفا لفقدك، فاشتغل ببكائه عن أن يسألك، كما كانت عادته في حياتك.

وما أهداك للجدوى عليه!لو أنّك تقدرين على فعال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

الهاء في عليه للعافي.

يقول: ما أرشدك إلى الإجداء عليه، والإنعام لديه! لو قدرت على الفعل، ولكنك لا تقدرين على ذلك، لأنك ميته.

بعيشك هل سلوت؟ فإنّ قلبيوإن جانبت أرضك غير سالي
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

بعيشك: قسم على المتوفاة.

يقول: بعيشك، ألا أخبرتيني: هل سلوت عني وطابت نفسك بعدي؟! فإني وإن كنت بعيداً عن أرضك غير صابر عنك.

وهذا قد ذكره على لسان سيف الدولة، ولو لم يرد هذا المعنى لكان سوء أدب! ويحكى عن أبي الطيب أنه أنكر هذا البيت وقال: إنه زيد في القصيدة ليفسد به حالي عند سيف الدولة.

نزلت على الكراهة في مكانٍبعدت عن النّعامى والشّمال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

النعامى: الجنوب، وقيل: كل ريح، وقوله بعدت: أي بعدت فيه فحذف للعلم بذلك.

يقول: إنك قد نزلت على كراهة منك. وقيل: على كره منا، في مكان منعت فيه عن اللذات، وفقد الحياة، وتنسم رياح الجنوب والشمال!

تحجّب عنك رائحة الخزامىوتمنع منك أنداء الطّلال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

الخزامى: نبت طيب الرائحة. وروى: الظلال والطلال بالظاء والطاء. ومعناه: إنك فقدت لذات الدنيا لفقدك الحياة.

بدار كلّ ساكنها غريبٌطويل الهجر منبتّ الحبال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: نزلت بدار كل ساكنها غريب، لأنه لم يكن به أحد قط، ولأنه منفرد لا يزوره أحد، وكل ساكنها طويل الهجر، لا يرجع إلى يوم الحشر، وهو منقطع الأسباب، إذ لا وصل بين الأحياء والأموات.

وقيل: أراد بقوله: منبت الحبال انبتات المودة كما قال أبو نواس:

وجاورت قوماً لا تزاور بينهمولا وصل إلاّ أن يكون نشور
للشاعر ابو نواس، من قصيدة «أجارة بيتينا أبوك غيور»
حصانٌ مثل ماء المزن فيهكتوم السّرّ صادقة المقال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

حصان بفتح الحاء: أي عفيفة. والهاء في فيه ترجع إلى المكان في قوله: نزلت على الكراهة في مكان. وقيل: ترجع إلى المزن يعني مثل ماء المزن في المزن قبل مفارقتها إياه.

يمدحها بالعفة والطهارة وكتمان السر وصدق القول. وشبهها في طهارة أخلاقها بالماء ما دام في السحاب لا يلحقه دنس ولا كدر. وقيل في قوله: صادقة المقال لأنها لا تقارب ريبة فتحتاج إلى العذر.

يعلّلها نطاسيّ الشّكاياوواحدها نطاسيّ المعالي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يعللها: أي يداويها. وعللت المريض: إذا أقمت عليه في علته. النطاسي: الطبيب الفطن. والشكايا: جمع شكية وهي ما يشكوه من مرض وغيره وأراد بواحدها: سيف الدولة والهاء: للمتوفاة.

يقول: إن طبيب الأمراض كان يداويها، وكذلك واحدها: أي ابنها الذي هو طبيب المعالي. أي أنه إذا وقع الخلل في المعالي سده برأيه.

إذا وصفوا له داءً بثغرٍسقاه أسنّة الأسل الطّوال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: إن طبيب المعالي، فإذا وصف له داء بثغر من ثغور المسلمين، سقاه الأسنة وداواه بها حتى يشفيه كما يشفي الطبيب من الأمراض بالعقاقير والأدوية ومثله لأبي تمام:

وقد نكس الثّغر فابعث لهصدور القنا لابتغاء الشّفاء
للشاعر أبو تمام، من قصيدة «نعاء إلى كل حي نعاء»
وليست كالإناث ولا اللّواتيتعدّ لها القبور من الحجال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: ليست من النساء اللواتي تكون القبور سترا لهن، ويعد موتهن كرامة، لأنها كاملة الخصال، شريفة الخلال، ليس لها نقص النساء الذي يحتاج إلى الستر بالقبر. وهذا كأنه من الخبر، دفن البنات من المكرمات.

ولا من في جنازتها تجارٌيطون وداعها نفض النعال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

يقول: ليست هي من نساء العامة التي يحضر جنازتها التجار فإذا دفنوها وودعوها نفضوا نعالهم وانصرفوا عنها.

مشى الأمراء حوليها حفاةًكأنّ المرو من زفّ الرّئال
للشاعر المتنبي، من قصيدة «نعد المشرفية والعوالي»

المرو: جمع مروة، وهي حجر أبيض. والزفة: الريش تحت الجناح للطائر وهو ألين ما يكون من الأشياء. والرئال: جمع الرأل وهو فرخ النعام.

يقول: مشت الأمراء والملوك حول نعشها حفاة فلم يشعروا بخشونة الأحجار على أقدامهم الناعمة حزناً بها، حتى كأن الحجارة كانت عندهم في اللين كزف أفراخ النعام.

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.