تجاوز إلى المحتوى

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي» لأبي العلاء المعري (ت ٤٤٩هـ)

العضديات

وجه أبو شجاع عضد الدولة بن ركن الدولة في طلب المتنبي، ولم يمكن الأستاذ الرئيس مخالفته، فحمله مكرما فقال المتنبي يمدحه بشيراز، وهي أول ما قال فيه سنة أربع وخمسين وثلاث مئة.

أوه بديلٌ من قولتي واهالمن نأت والبديل ذكراها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

أوه تأوه، وهي كلمة تستعمل على وجه التوجع. واها: كلمة تستعمل للتعجب.

يقول: تألمي الآن بديل من تعجب كان لوصل من نأت عني، وصار ذكراها بدل منها، فأنا اليوم أتوجع من فراقها، بعد أن كنت أتلذذ بوصالها.

وتقدير البيت: قولي أوه بدل من قولي واها. فقولتي مبتدأ وأوه في موضع نصب بقولتي وبديل خبر المبتدأ، وواها في موضع نصب بقولتي وهذا كما نقول: ضربي زيداً بدل من ضربي عمراً.

أوه من ألاّ أرى محاسنهاوأصل واهاً وأوه مرآها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أنا أتوجع من أجل أني أرى محاسنها بعد ما كنت أتعجب بوصالها، وأصل استحساني، لوصلها فيما تقدم، وتوجعي الآن على فقدها إنما هو مرآها: أي رؤيتها. يعني: فيما تقدم.

أي: لولا أني رأيتها لم أتعجب من حسنها، ولم أتلهف على فراقها.

شاميّةٌ طالما خلوت بهاتبصر في ناظري محيّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

المحيا: الوجه.

يقول: التي أتوجع من فراقها. هي شامية، وهي التي طالت الخلوة بيني وبينها، فكانت ترى في ناظر عيني وجهها لقربها مني.

فقبّلت ناظري تغالطنيوإنّما قبّلت به فاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

به أي فيه: أي فقبلت من ناظري فاها. يعني: أن ناظر العين كالمرآة إذا قابله شيء انطبعت صورته فيه.

يقول: إنها رأت شكل فمها في ناظري، فغالطتني أنها تقبل عيني، وإنما قبلت شكل فمها، الذي رأته في ناظري.

فليتها لا تزال آويةٌوليته لا يزال مأواها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهاء في ليتها للمحبوبة وفي ليته للناظر.

يقول: ليت هذه المحبوبة لم تزل حالةً في ناظري، وليت ناظري لم يزل محلا لها، وهذا التمني يرجع إلى معنى القرب؛ لأنها لا تحل في ناظره إلا عند القرب، فكأنه يقول: ليتها لم تفارقني ولم تزل قريبة مني، تنظر فمها في سواد عيني.

وروى: لا تزال آويه الهاء للناظر، وذكر الآوى وإن كان من حقه آويته ذهاباً إلى المعنى، كأنه قال: ليتها لم تزل إنساناً أو شخصاً آويه.

كلّ جريحٍ ترجى سلامتهإلاّ فؤاداً دهته عيناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

دهته: أي أصابته بداهيةٍ.

يقول: كل مجروح ترجى سلامته واندماله من جرحه، إلا قلباً جرحته عينا هذه المرأة، فإن برأه لا يرجى أبداً.

تبلّ خدّيّ كلّما ابتسمتمن مطرٍ برقه ثناياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: كلما ضحكت من شكواي إليها بكيت استعظاماً لها، فكأن ضحكها سبب جريان دمعي على خدي، ولما جعل دمعه مطراً، جعل لمع ثناياها برق ذلك المطر.

وقيل: أراد إذا ابتسمت فظهرت ثناياها، بكيت شوقاً إلى تقبيلها، فبلت دموعي خدي من مطر صفته ما ذكرنا.

وقيل: أراد إذا ابتسمت أبكتني بحسن مبسمها، تنغيصي بمفارقتها، إذ ذلك مما ينغص الوصل.

وقيل: أراد ابتسامها في حال الهجر الحاصل.

وقيل: أراد حقيقة ذلك، وهو ما يرشف من فيها، فريقها يبل خديه، وهو مطر برقه ثناياها.

وقيل: إنه أراد أنها كانت تقبله، فكلما قبلته بلت بريقها خده، وكثر حتى صار كالمطر.

وقيل: أراد أنها كانت تضحك من محبته فتبرق في وجهه.

ما نفضت في يدي غدائرهاجعلته في المدام أفواها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

ما بمعنى الذي. وهو مفعول نفضت وفاعله غدائرها.

يقول: جعلت ما نفضت غدائرها من بقايا طيبها في يدي أخلاطا من الطيب في الخمرة، وطيبت الخمرة به.

في بلدٍ تضرب الحجال بهعلى حسانٍ ولسن أشباها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: خلوت بها في بلد، أو هذه في بلد تستتر فيه النساء الحسان بالحجال، غير أن أولئك الحسان لسن يشبهنها في الحسن؛ لأنها تفوقهن في حسنها.

وقيل: أراد وصفهن بالحسن، وأن كل واحدة منهن متفردة بحسن لا يشاركها فيه غيرها.

وقيل: أراد أنهن لا يشبهن غيرهن من النساء في الحسن، بل هن أحسن من غيرهن من الحسان.

لقيننا والحمول سائرةٌوهنّ درٌّ فذبن أمواها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الحمول بالفتح: الإبل التي عليها الهوادج.

يقول: هن في صفاء بشراتهن كالدر، فلما لقيننا يوم سارت الإبل، بكين جزعاً من الفراق، فذبن وجرين دموعاً، هي كبشراتهن في الصفاء، ونصب أمواها على التمييز وهي جمع ماء في القلة.

كلّ مهاةٍ كأنّ مقلتهاتقول: إيّاكم وإيّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

المهاة: البقرة الوحشية. والمهاة البلورة.

يقول: كل واحدة منهن كأنها مهاة في حسنها وفي عيونها، فكأن مقلتها تحذر الناس فتقول: احذروا صيدها إياكم.

فيهن منّ تقطر السّيوف دماًإذا لسان المحبّ سمّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: في هؤلاء النساء امرأة تسفك سيوف قومها دم من يحبها، عند تسميته إياها لعزتهم وحميتهم، وأراد بها محبوبته.

وقيل: معناه أن في هؤلاء النساء امرأة تقتلك بجفونها التي هي السيوف، وتريق دمك بعيونها، متى ذكرت أنك تحبها.

أحبّ حمصاً إلى خناصرةٍوكلّ نفسٍ تحبّ منشاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: أحب ما بين هذين الموضعين اللذين هما: حمص وخناصرة؛ لأن منشاي كان فيهما، وكل إنسان يحب وطنه الذي نشأ به.

حيث التقى خدّها وتفّاح لبنان وثغري على حميّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الحميا: الخمرة، وهي أيضاً سورتها. والهاء في خدها للمحبوبة وفي حمياها للناحية التي بين حمص وخناصرة.

يقول: إني أحب هذا المكان لأني جمعت فيه بين خد المحبوبة أقبلها، وبين تفاح لبنان أتنقل به وبين شرب الخمر أتلذذ بها، والكل متقارب طيباً وطعماً. ولبنان: جبل بالشم، يقال له: جبل لبنان.

وصفت فيها مصيف باديةٍشتوت بالصّحصحان مشتاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الصحصحان هنا: موضع بقرب دمشق. وهو في اللغة: المكان المتسع. والهاء في فيها للمواضع التي بين حمص وخناصرة، وفي مشتاها للبادية.

يقول: صفت في هذه المواضع مصيف بادية: أي على رسم العرب بالخروج إلى البادية وأقمت الشتاء بالصحصحان: التي هي مشتى أهل البادية.

إن أعشبت روضةٌ رعيناهاأو ذكرت حلّةٌ غزوناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الحلة: جماعة بيوت العرب، ينزلون في مكان واحد.

يقول: صفت وشتوت على هذه الحال، وكنا أهل عز ومنعة، فكلما سمعنا بروضة كثيرة العشب قصدنا إليها، ورعينا إبلنا فيها، وإذا علمنا بحلة غزوناها وأغرنا عليها واغتنمنا أموالها.

أو عرضت عانةٌ مفزّعةٌصدنا بأخرى الجياد أولاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

العانة: قطعة من حمر الوحش. ومفزعةً: أي مسرعة، لأنها إذا فزعت أسرعت في العدو.

يقول: كنا في تلك الناحية إذا عرضت عانة من الحمير صدنا بأخرى الجياد أي بأردئها: التي تكون متأخرةً عن صواحبها في الجودة، أولى حمير الوحش: وهي السوابق منها.

أو عبرت هجمةٌ بنا تركتتكوس بين الشّروب عقراها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهجمة: القطعة العظيمة من الإبل. قال الأصمعي: ما بين الأربعين إلى المئة. وتكوس: أي تمشي على ثلاث قوائم عندما عقرناها. والشروب: جمع شرب والشرب: جمع شارب. والعقري: جمع عقير.

يقول: إذا عبرت بنا قطعة من الإبل عقرنا الأدبار، فتكوس بين الشاربين.

والخيل مطرودةٌ وطاردةٌتجرّ طولى القنا وقصراها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

قوله: والخيل مطرودة وطاردة: أي لم تنفك غارة، ومطاردة، فتارةً لنا وتارة علينا. والطولى: تأنيث الأطول: والقصرى: تأنيث الأقصر.

يعجبها قتلها الكماة ولاينظرها الدّهر بعد قتلاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

ينظرها: يؤخرها.

يقول: يعجب الخيل قتلها الكماة، ثم لا تلبث أن تقتل بعدها طلباً للثأر.

وقيل: أراد بالخيل أصحابها.

والمعنى: أنها إذا قتلت أعداءها أعجبها ذلك، وهي بعد ذلك لا يمهلها الدهر بعد من قتلت. أي: أصحاب الخيل، لأن العاقبة إلى الفناء.

وقد رأيت الملوك قاطبةًوسرت حتّى رأيت مولاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: رأيت الملوك كلهم، والآن رأيت عضد الدولة الذي هو سيد الملوك.

قال ابن جني: بلغني أن سيف الدولة قال لما سمع هذا البيت: أترى نحن في الجملة؟!

ومن مناياهم براحتهيأمرها فيهم وينهاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: إن الموت تحت يده وطاعته! فهو متى شاء يأمر ملك الموت في الملوك وينهاه عنهم! أي يملك أرواح الملوك إن شاء أهلكهم وإن شاء أمهلهم.

أبا شجاعٍ بفارسٍ عضد الدولة فنّاخسرو شهنشاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

هذه الأوصاف، والكنية، والاسم، نصب بدلاً من مولاها ومن روى: أنه منادي قال: أبو شجاع كنيته، وشهنشاه لقبه، وفناخسرو اسمه، وفارس مقره. أي: لقيته بفارس.

أسامياً لم تزده معرفةًوإنّما لذّةً ذكرناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

نصب أسامياً بفعل مضمر. أي ذكرت أساميا.

يقول: لم أذكر هذه الأسامى لزيادة معرفة بها، إذ هو بذاته وصفاته مشهورة، وإنما ذكرناها التذاذاً بذكرها.

تقود مستحسن الكلام لناكما تقود السّحاب عظماها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

عظماها أي معظمها. والهاء للسحاب وتقود فاعله ضمير الأسامى.

يقول: إن أساميه المذكورة، ومساعيه المشهورة، تقود لنا مستحسن الكلام في مدحه، كما يقود السحاب بعضه بعضاً وينضم إلى معظمه. وهذا كقول الآخر:

إذا امتنع الكلام عليك فامدحأمير المؤمنين تجد مقالا
هو النّفيس الّذي مواهبهأنفس أمواله وأسناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: هو كريم شريف الخطر، فلا يهب إلا أنفس أمواله، وأكرم ذخائره. وروى عن عبد الصمد أحد خزان عضد الدولة أنه أمر لأبي الطيب بألف دينار عدداً، وزن سبع مئة، فلما أنشد هذا البيت تقدم إلي بأن أبدلها بألف وازنة.

لو فطنت خيله لنائلهلم يرضها أن تراه يرضاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: إذا رضى فرساً، وهبه لقاصده، فلو فطنت خيله لهذا الرضا منه، لم يسرها أن تراه راضياً بها؛ لأنه إذا رضيها وهبها، وهي لا تحب الانتقال عنه.

لا تجد الخمر في مكارمهإذا انتشى خلّةً تلافاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

خلةً نصب بتجد.

يقول: إن الخمر لا تجد في أخلاقه الكريمة خللاً قبل السكر، حتى إذا شربها تلافته وأزالته.

تصاحب الرّاح أريحيّتهفتسقط الرّاح دون أدناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الأريحية: الاهتزاز للكرم.

يقول: إن أريحيته تهزه للكرم وتعينها الراح، غير أن أدنى تأثير أريحيته، يزيد على أثر فعل الراح فيه.

تسرّ طرباته كرائنهثمّ يزيل السّرور عقباها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكرائن: جمع كرينة، وهي الجارية العوادة، والهاء في عقباها للطربات.

يقول: إذا غنت له الكرائن وأطربته، وهب لهن، فسررن بما وصل إليهن، ثم لا يلبثن أن يهبهن لبعض جلسائه، لأنهن مملوكات له، فيزيل سرورهن، فأول الطربات سرهن، وآخرها غمهن.

بكلّ موهوبةٍ مولولةٍقاطعةٍ زيرها ومثناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الزير والمثنى من أوتار العود، أي يزيل عقبي الطربات سرور قيانه بكل موهوبة باكية؛ لزوالها عن ملكه، قاطعةً أوتار عودها جزعاً.

تعوم عوم القذاة في زبدٍمن جود كفّ الأمير يغشاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

في زبد: أي في عطاء جم كالبحر المزبد.

يعني: أنه يهبها مع ذخائر أمواله وتغمرها عطاياه، فهي تتقلب فيها، كالقذاة في البحر. والهاء في يغشاها للموهوبة.

تشرق تيجانه بغرّتهإشراق ألفاظه بمعناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: غرة وجهه تزين تيجانه كما تزين معاني كلامه ألفاظه. ينظر إلى قول الآخر:

ومازانها العقد الّذي فوق نحرهاولكن لها نحرٌ يزيّن بالعقد
دان له شرقها ومغربهاونفسه تستقلّ دنياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهاء في شرقها ومغربها للأرض وفي دنياها للنفس.

يقول: ملك الأرض شرقها وغربها، ونفسه تستقل له ذلك.

تجمّعت في فؤاده هممٌملء فؤاد الزّمان إحداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: قد اجتمعت في قلبه همم، واحدة منها تملأ الدهر! فضلاً عن سائر هممه. جعل للزمان فؤاداً ليجانس قوله: في فؤاده همم.

فإن أتى حظّها بأزمنةٍأوسع من ذا الزّمان أبداها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهاء في حظها وأبداها للهمم.

يقول: إن كان لتلك الهمم التي في قلبه حظ، فأتى بزمان آخر يسعها. أبداها: أي أظهرها.

يعني: في نفسه همم يضيق الزمان بواحدة منها، فلو وجد أزمنةً أوسع من هذا الزمان تسعها لأبداها.

وصارت الفيلقان واحدةًتعثر أحياؤها بموتاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الفيلقان: الجيشان، وأنث على معنى الجماعة، وأراد بالفيلقين: أهل هذا الزمان وأهل الأزمنة المتقدمة. أي: الأحياء والأموات.

يقول: إن أتى حظ بأزمنة تسعها أبداها، وأعاد من سلف من الأمم والملوك، وأدخلهم في طاعته، وصار عسكر الأحياء والأموات واحداً في الانقياد له. وتعثر الأحياء بالأموات. وهذا تفسير للهمم التي تجمعت في فؤاده.

ودارت النّيّرات في فلكٍتسجد أقماره لأبهاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الهاء في أبهاها للأقمار، ويجوز أن تكون للنيرات. يعني: لو أظهر تلك الهمم لخضعت له ملوك الدنيا واجتمعت، كلهم في وقت واحد، فتسجد أقمار الفلك لأبهاها وهو الشمس. جعل سلطانه فلكاً يشتمل على الأرض وملوكها، كما يشتمل الفلك على العالم، وجعل الملوك أقماراً وهو شمساً.

الفارس المتّقي السّلاح به المثنى عليه الوغى وخيلاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

خيلاها أي عسكراها، وهي تثنية الخيل. والهاء للوغى؛ لأنه في معنى الحرب. وروى: المتقي بفتح القاف، أي يتقي به من أثر السلاح، وتثني عليه الحرب وعسكراها. أي: عسكره وعسكر العدو.

لو أنكرت من حيائها يدهفي الحرب آثارها عرفناها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهاء في حيائها وآثارها لليد وفي عرفناها للآثار.

يقول: لو أنكرت يده من فرط حيائها آثارها في الحرب؛ لعلمنا أنه فعله، لأن أحداً لا يقدر أن يفعل مثل فعله.

وكيف تخفي الّتي زيادتهاوناقع الموت بعض سيماها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

زيادة اليد: اسم لما تحمله اليد، زائداً على ما جرت عادتها بحمله.

وقيل: الزيادة: السوط. التي ترجع للآثار. والهاء في زيادتها لليد وفي سيماها للزيادة. والموت الناقع: السريع. وقيل: الثابت.

يقول: كيف تخفي آثار يده؟؟! وما تفعله بزيادتها هو الموت الناقع، وهو علامة من علامات زيادة يده، فإذا ضربت بالسيف كيف يخفي آثارها؟!.

الواسع العذر أن يتيه على الدّنيا وأبنائها وما تاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

ما للنفي وتاه فعل: أي لم يته.

يقول: لو تاه على الدنيا وأهلها، كان له في ذلك أوسع عذر، لأنه ملكها وأهلها، وهو مع ذلك لم يته تواضعاً منه.

لو كفر العالمون نعمتهلما عدت نفسه سجاياها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: هو ينعم على الخلق عامةً، فلو جحد الخلق نعمه عليهم ما ترك عادته في الجود. وقوله: لما عدت: أي ما تجاوزت نفسه عادتها في الجود.

كالشّمس لا تبتغي بما صنعتمنفعةً عندهم ولا جاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: هو في شمول نعمته كالشمس أي: لأنها تشرق بطبعها، ولا تريد من الناس شكراً ولا أجراً من منفعة أو جاه، فكما لا يتصورون فيها ذلك فكذلك حاله.

ولّ السّلاطين من تولاّهاوالجأ إليه تكن حديّاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

أي متحدياً للسلاطين، ونظيراً لها. والهاء ترجع إلى السلاطين.

يقول: دع السلاطين مع من تولاهم، وانضم إليه تصر من جملتهم، والهاء ترجع إلى عضد الدولة، تكن نظير السلاطين ومبارياً لهم ومتطاولاً عليهم. خاطب بهذا نفسه أو صاحبه.

ولا تغرّنّك الإمارة فيغير أميرٍ وإن بها باهي
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

الهاء في بها للإمارة وباهي فاعل من البهاء.

يقول: دع السلاطين ولا تغتر بما تراه من مباهاتهم بالإمارة، فليس الأمير في الحقيقة إلا من هو بالصفة المذكورة.

فإنّما الملك ربّ مملكةٍقد فغم الخافقين ريّاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: فغمتة رائحة الطيب، إذا ملأت منخره. والريا كل شيء رائحته طيبة. والهاء للمملكة.

يقول: ليس الأمير إلا من ملأت مملكته، رائحتها بين المغرب والمشرق.

مبتسمٌ والوجوه عابسةٌسلم العدى عنده كهيجاها
للشاعر المتنبي، من قصيدة «أوه بديل من قولتي واها»

يقول: الملك من يحتقر أعداءه ولا يحتفل بهم، فسلمهم وحربهم عنده سواء ويكون مبتسماً في الحرب عند عبوس الشجعان، لا يدخله قلق ولا حرج، وليس ذلك إلا عند عضد الدولة.

النّاس كالعابدين آلهةًوعبده كالموحّد الّلاها
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعني: أن الملك في الحقيقة هو الممدوح، فعبده على بصيرة وصواب، كمن يوحد الله تعالى، وعبد غيره من الملوك على باطل وضلالة كمن يعبد الأصنام، التي لا تنفع ولا تضر.

وقيل: معناه من رجا غيره كان ضالاً عن الصواب، بعيداً عن الرشد، كمن يعبد غير الله تعالى، ومن وقف رجاؤه عليه كان مظفراً منصوراً متبعاً للصواب والرشد، كمن يوحد الله تعالى ويتبع الحق. والمعنيان متقاربان.

وقال أيضاً يمدحه في هذا الشهر، ويمدح ابنيه: أبا الفوارس، وأبا دلف، ويذكر شعب بوان في طريقه:

مغاني الشّعب طيباً في المغانيبمنزلة الرّبيع من الزّمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

المراد بالشعب: شعب بوان، وهو في أرض فارس، شعب بين جبلين طوله أربعة فراسخ، كله شجر وكرم، ولا تقع فيه الشمس على الأرض لالتفاف أشجاره وطيباً نصب على المفعول له، أو على التمييز.

يقول: فضل هذه المغاني في طيبها، كفضل الربيع على سائر الأزمان في الطيب.

ولكنّ الفتى العربيّ فيهاغريب الوجه واليد واللّسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أراد بالفتى العربي: نفسه.

يقول: أنا غريب الوجه فيها؛ لأنه لا يعرف. وغريب اللسان؛ لا يفهم كلامه. وغريب اليد: يعني أن سلاحه السيف والرمح، وسلاح من بالشعب الحربة ونحوها. ذكره ابن جني.

وقال غيره: إن خطه عربي مثل لسانه، فهو أيضاً غريب وقيل غريب النعمة: أي ليس للعجم سخاء العرب.

ملاعب جنّةٍ لو سار فيهاسليمانٌ لسار بترجمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: هذه المغاني ملاعب الجن؛ لأنهم لا يظهرون؛ لالتفاف الأشجار والكروم، فتسمع أصواتهم ولا ترى أشخاصهم. فشبههم بالجن من هذا الوجه.

وقيل: شبههم بالجن؛ لغموض لغتهم. ثم قال: لو سار فيها سليمان، مع علمه بمنطق الطير وسائر الألسن، لاحتاج إلى الترجمان.

طبت فرساننا والخيل حتّىخشيت وإن كرمن من الحران
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

طبت: أي استمالت مغاني الشعب فرساننا وخيلنا لطيبها، فلم تبرح منها حتى خشيت عليها الحران، وإن كانت كريمة. والحران: عيب في الخيل، وهو أن تقف ولا تنبعث.

غدونا تنفض الأغصان فيهاعلى أعرافها مثل الجمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الجمان: اللؤلؤ الصغار.

يقول: سرنا من الشعب بكرةً، وكان الندى يسقط من أوراق الأشجار على أعراف الخيل، فينتظم عليها مثل الجمان.

وقيل: أراد ما يقع على أعراف الخيل عند نفض الأغصان في خللها من ضوء الشمس.

وقيل: أراد أن الأغصان كان عليها من الورد والياسمين، فشبهه عند تساقطه على أعراف الخيل باللؤلؤ.

فسرت وقد حجبن الحّر عنّيوجئن من الضّياء بما كفاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: حجبت الأغصان عني حر الشمس، وجاءت الأغصان من ضوئها في خلل الأوراق بما نحتاج إليه ونكتفي به.

وألقى الشّرق منها في ثيابيدنانيراً تفرّ من البنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الشرق: الشمس، والهاء في منها للأغصان.

يقول: إن ضوء الشمس يقع على ثيابنا من خلا ل الأوراق قطعاً مدورة كالدنانير، غير أنها كانت تفر من البنان: يعني أن البنان إذا شاء أن يقبض عليها صارت على ظهر اليد، فكأنها فارة من البنان.

وحكى: أن الملك عضد الدولة لما أنشده هذا البيت قال: لأقرنها في يدك.

لها ثمرٌ تشير إليك منهبأشربةٍ وقفن بلا أواني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الأواني: جمع آنية، والآنية: جمع إناء.

يقول: لهذه الأغصان والأشجار ثمر من عنب وغيره، كأنه لرقته وصفائه يشير إليك بأشربة واقفة بغير أوان. شبهها في صفائها بالشراب.

وأمواهٌ يصلّ بها حصاهاصليل الحلي في أيدي الغواني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: بهذا المكان مياه شديدة الجري، فكأن صليل حصاها، كصليل الحلي كالأسورة ونحوها في أيدي النساء الحسان. شبه الجداول بمعاصم الجواري الناعمة، وصوت جريانها على الحصا بصوت الحلي في معاصمهن.

ولو كانت دمشق ثنى عنانيلبيق الثّرد صينيّ الجفان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الثريد اللبيق والمليق: اللطيف المزين المحسن. والثرد: الثريد. ولبيق: فاعل ثنى واسم كان ضمير المغاني.

يقول: لو كانت دمشق في طيبها، لثنى عناني عنها وجذبني هذا الممدوح، الذي ثرده مليقة، وجفانه صينية.

يلنجوجيّ ما رفعت لضيفٍبه النّيران ندىّ الدّخان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يلنجوجي منسوب إلى اليلنجوج، وهو العود الذي يتبخر به والتاء في رفعت تعود إلى النيران، والهاء في به إلى ما يقول: إن النار التي يوقدوها للأضياف إنما توقد بالعود. والثرد المليقة تطبخ بهذه النار، ودخانها دخان الند.

يحلّ به على قلبٍ شجاعٍويرحل منه عن قلبٍ جبان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعني: إذا حل به أضيافه سر بنزولهم، وقويت نفسه، فلقيهم بقلب شجاع، وإذا رحلوا عنه اغتم وضعف قلبه كقلب الجبان.

وقيل: أراد أن ضيفه ينزل به وهو شجاع يعني: الضيف، فإذا رأى داره ورآه في غاية الحسن واللطف، ازداد في العيش رغبة، فيجبن.

منازل لم يزل منها خيالٌيشيّعني إلى النّوبندجان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النوبندجان بلدة.

يقول هذه المغاني: منازل لا يفارقني خيالها، لحسنها، بل يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان.

وقيل: معناه أن لدمشق منازل لم يزل خيالها يشيعني حتى وصلت إلى النوبندجان فسلوت عنها.

والنوبندجان: مدينة قريبة من شعب بوان في طريق شيراز إذا ارتحلت منها نزلت بالشعب.

إذا غنّى الحمام الورق فيهاأجابته أغانيّ القيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني: إذا تغنت الحمام في هذه المغاني على أشجارها، أجابتها القيان بغنائهن.

وفيها يجوز أن يرجع إلى مغاني الشعب، وأن يرجع إلى دمشق.

ومن بالشّعب أحوج من حمامٍإذا غنّى وناح إلى البيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: أهل الشعب عجم الأعاجم فلا أفهم غناءهم كما لا أفهم غناء الحمام، فهما سواء بل غناؤهم أحوج إلى البيان من غناء الحمام.

وقد يتقارب الوصفان جدّاًوموصوفاهما متباعدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: أهل الشعب والحمام، وإن كانا متباعدين في الأشخاص، لاختصاصهم بالإنسانية دونها، إلا أن أوصافهما في الاستعجام متقاربة جداً.

يقول بشعب بوّانٍ حصاني:أعن هذا يسار إلى الطّعان؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: لماً رحلت من شعب بوان عاتبني فرسي وقال: تترك مثل هذا المكان في طيبه وحسنه وتؤثر لقاء الأقران ومباشرة الطعان؟!

أبوكم آدمٌ سنّ المعاصيوعلّمكم مفارقة الجنان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

قال لي فرسي: إن مفارقة الجنان صار موروثاً لكم عن أبيكم آدم، فإنه أول من ترك الجنة وخرج إلى الدنيا.

فقلت إذا رأيت أبا شجاعٍ:سلوت عن العباد وذا المكان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني قلت لفرسي: إذا لقيت عضد الدولة علمت صواب رأيي، ونسيت هذا المكان وسلوت عن جميع العباد، لما ترى من إحسانه وكرمه.

فإنّ النّاس والدّنيا طريقٌإلى من ماله في النّاس ثان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: إن الدنيا وجميع أهلها طريق إلى هذا الممدوح، يعبرهم حتى ينتهي إليه، فإنه الغاية التي ليس وراءها مطلب، وليس له ثان في الناس.

له علّمت نفسي القول فيهمكتعليم الطّراد بلا سنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الكناية في فيهم للناس.

يقول: إنما مدحت الملوك وسائر الناس لأتمرن بالمدح، وأصلح لمدحه إذا وصلت إليه، كما يتعلم الفارس الطراد بالرمح الذي لا سنان عليه.

بعضد الدّولة امتنعت وعزّتوليس لغير ذي عضدٍ يدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: الدولة إنما امتنعت على أعدائها وعز سلطانها، بعضدها: الذي هو أبو شجاع، ولو لم يكن لها عضد لم يكن لها يدان.

ولا قبضٌ على البيض المواضيولا حظٌّ من السّمر اللّدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

اللدان: جمع لدن، وهو الرمح اللين. يعني: من لم يكن له عضد، لم يمكنه القبض على السيوف، والطعن بالرماح، لأن قوام الجميع بالعضد.

دعته بمفزع الأعضاء منهاليوم الحرب بكرٍ أو عوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

دعته: أي الدولة دعت عضدها. والهاء في منها للدولة، وقيل: لليد، ودعته: أي سمته.

يعني: أن الدولة سمت أبا شجاع عضدها، وهو مفزع الأعضاء وبه قوامها يعني: لما كانت الدولة تفزع إليه في حروبها كذلك تفزع اليد إلى عضدها، فلهذا سمته عضد الدولة.

فما يسمى كفنّا خسر مسمٍولا يكنى كفنّا خسر كان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني: أن ليس له نظير، ولا يدركه أحد في الدنيا باسم ولا كنية، ولا أحد يشبهه في ملكه وسلطانه ولا في عدله إلى الناس وإحسانه.

ولا تحصى فضائله بظنٍّولا الإخبار عنه ولا العيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

وروى فواضله أي عطاياه.

يقول: لا يحيط الظن مع سعته بأوصافه الجميلة، وعطاياه الجزيلة، وكذا الأخبار والمشاهدة لا يحيطان بها.

أروض النّاس من تربٍ وخوفٍوأرض أبي شجاعٍ من أمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

أروض: جمع أرض قياسا، وليس بمسموع.

يقول: ممالك غيره من الملوك مضطربة غير آمنة فكأنها مخلوقة من الخوف، كما أنها مخلوقة من التراب، لما كان الخوف لا يفارقها وأرض الممدوح سالمة آمنة، لا يقدر أحد أن يعيث في بلاده، فكأنها مخلوقة من الأمان.

يذمّ على اللّصوص لكلّ تجرٍويضمن للصّوارم كلّ جاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يذم: أي يجعلهم في ذمامه. وقيل: يحرمهم. أي: يعقد الذمة للتجار على اللصوص فيحرمهم بها عليهم، ويضمن لسيوفه أن يقتل بها كل جان.

إذا طلبت ودائعهم ثقاتٍدفعن إلى المحاني والرّعاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

المحاني: جمع محنية، وهي منعطف الوادي. والرعان: جمع رعن، وهو أنف الجبل.

يقول: إذا أرادت ودائع التجار ثقات يحفظونها، فإن أصحابها يتركونها بهذه المواضع، ولم يتعرض أحد لها، هيبة من عضد الدولة.

فباتت فوقهنّ بلا صحابٍتصيح بمن يمّر: أما تراني؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: باتت أمتعة التجار فوق هذه المواضع مطروحة بلا صحاب تحرسها فكل أحد يمر بها، ولا يتعرض لها فتقول له: أما تراني؟!

رقاه كلّ أبيض مشرفيٍّلكلّ أصمٍّ صلٍّ أفعوان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

رقاه: أي رقى عضد الدولة، وهي جمع رقية، والأصم: الحية. والصل: ضرب من الحيات من الأصل، ويشبه به الداهية. والأفعوان: ذكر الأفاعي، وهي أخبث الحيات.

يعني: هو يقهر أهل الفساد بالسيوف، كما يقهر الحواء الحية بالرقية، فرقيته سيفه الذي به ترقى كل حية خبيثة أقام السيف مقام الرقية أي لا رقية له إلا السيف كما يقال: عتابك السيف.

وما يرقى لهاه من نداهولا المال الكريم من الهوان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اللها: العطايا، واحدها لهوة.

يقول: هو يرقى كل مفسد بسيفة، ولا يرقى ماله من سخائه.

حمى أطراف فارس شمّريٌّيحضّ على التّباقي في التّفاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقال: رجل شمري وشمري بكسر الشين وفتحها: إذا كان خفيفاً متشمراً لأموره.

يقول: حمى أطراف فارس رجل ملك مشمر جاد. وهو يحض على التباقي في التفاني: أي يحض أولياءه على إفناء أهل الفساد، ليكون ذلك سبب بقاء أهل الصلاح وهو من قوله تعالى: " وَلَكُمْ في الْقِصَاصِ حَيَاة ".

بضربٍ هاج أطراب المناياسوى ضرب المثالث والمثاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني: حمى أطراف فارس بضرب، وقيل: الباء متعلق بقوله: يحض أي يحض أصحابه على التباقي في التفاني بضرب لا بمجرد قول، بل بضرب أهاج طرب الموت حتى ثار من مظانه، وهو الضرب بالسيف، وليس هو ضرب للعيدان التي تهيج طرب أصحاب اللهو، والمثاني: جمع مثنى. والمثالث جمع مثلث، وهي الأوتار. أي: همه الحرب وضرب رءوس الأعداء، وليس كغيره من الملوك الذي همه في اللهو والغناء.

كأنّ دم الجماجم في العناصيكسا البلدان ريش الحيقطان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

العناصي: جمع عنصوة، وهي الخصلة من شعر الرأس. والحيقطان: ذكر الدراج وريشه ملون.

يقول: من كثرة من قتل من الأعداء قد تساقطت شعورهم من رءوسهم، وهي مخضبة بالدم، فهي حمر مثل ريش ذكر الدراج، فكأن الدم قد كسا الأرض ريش الدراج.

فلو طرحت قلوب العشق فيهالما خافت من الحدق الحسان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

الهاء في فيها لفارس.

يقول: حمى أطراف فارس من كل لص وداعر، وأمنها من كل خوف، لو طرحت القلوب الواقعة في أيدي أهل العشق فيها، لأمنت من الحدق الحسان، وهذا ضد قوله في بدر.

حدقٌ يذمّ من القواتل غيرهابدر بن عمّار بن إسماعيلا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «في الخد أن عزم الخليط رحيلا»
ولم أر قبله شبلي هزبرٍكشبليه ولا مهري رهان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يريد: لم أر قبل شبليه شبلي هزبر، فحذف المضاف.

يقول: لم أر ولدي أسد كولدي عضد الدولة، ولا مهرين يراهن عليهما كمهريه. جعله أسداً، وجعل ولديه شبليه، لتشابهما في الشجاعة، وجعل المهرين مثلا لهما، لتساويهما في السبق.

أشدّ تنازعاً لكريم أصلٍوأشبه منظراً بأبٍ هجان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

التنازع: التجاذب.

يقول: هما يتنازعان، أي كل واحد منهما يجاذبه الآخر: يعني. أنهما تساويا فيه. والهجان: الخالص الكريم. وتنازعا ومنظراً نصبا على التمييز.

يقول: لم أر ولدين أشد تشابهاً بأصلهما الكريم أصلاً ومنظراً من ولديه: يعني: أنهما تساويا في مشابهته.

وأكثر في مجالسه استماعاًفلانٌ دقّ رمحاً في فلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يعني: أنه يكثر الأب في مجالسه ذكر الوقائع ومصارع الأبطال، وهما يسمعان ذلك فقد نشئا عليه، وتعوداه من الصغر.

وأوّل دايةٍ رأيا المعاليفقد علقا بها قبل الأوان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

الداية: الظئر.

يقول: أول داية حضنتهما هي المعالي، فتعودا المعالي وربيا عليها.

وروى رأية بالراء وهي فعلة من رأى بمعنى علم.

وأوّل لفظةٍ فهما وقالاإغاثة صارخٍ أو فكّ عاني
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: أول ما تلفظا به وتعلماه من الكلام أنهما قالا لأصحابهما: أغيثوا الصارخ وفكوا العاني، أو قالا: نغيث نحن ونفك، أي نشأا على ذلك.

وكنت الشّمس تبهر كلّ عينٍفكيف وقد بدت معها اثنتان؟!
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول لعضد الدولة: كنت شمسا تبهر الأبصار بنورك، فكيف إذا انضم إليها شمسان منها؟ حتى صرن معها شموشا ثلاثة.

يعني: كنت تغلب الملوك بفضلك، فكيف وقد صار اثنان يعاونانك ويشدان معاليك؟ جعله مع ابنيه شموساً.

فعاشا عيشة القمرين يحيابضوئهما ولا يتحاسدان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

القمران: الشمس والقمر.

يقول دعاءً لهما: بقيا بقاء الشمس والقمر، يعمان الناس بفضلهما، من غير أن يحسد أحدهما الآخر، مثل الشمس والقمر، اللذين ينفعان الناس بالنور، ولا يحسد أحدهما الآخر.

ولا ملكا سوى ملك الأعاديولا ورثا سوى من يقتلان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

دعاء له أيضا معهما بالبقاء يقول: لا ملكا إلا ممالك الأعادي، ولا ورثا إلا أسلاب من قتلاه.

يعني: لا ملكا ملكك ولا ورثاك.

وكان ابنا عدوٍّ كاثراهله ياءي حروف أنيسيان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

المعنى: أن أنيسيان، تصغير الإنسان، فإذا زدت عليه ياءين فقلت: أنيسيان، فزاد عدد حروفه، وصغر معناه.

فيقول: إن كان لهذا الممدوح عدو، له ابنان فكاثره بهما. فيكونا زائدين في عدده، ناقصين لسقوطهما وتخلفهما عن قدره، كما أن ياءي أنيسيان قد زادتا في عدد حروفه ونقصتا منه وصغرتاه. والهاء في كاثراه للممدح وفي له للعدو.

وقال أبو الفتح ابن جني: حدثني علي بن حمزة البصري قال: كنت حاضراً بشيراز وقت عرضه لهذه القصيدة، وقد سئل عن معنى هذا البيت: قال فالتفت إلي وقال: لو كان صديقنا أبو فلان حاضراً لفسره لهم. يعنيني بالكنية.

قال ابن جني: وقال لي يوما، أتظن أن عنايتي بهذا الشعر مصروفة إلى من أمدحه به؟! ليس الأمر كذلك، لو كان لهم لكفاهم منه البيت. قلت: فلمن هي؟ قال: هي لك ولأشباهك.

دعاءٌ كالثّناء بلا رياءٍيؤدّيه الجنان إلى الجنان
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يعني: هذا دعاء مني، وثناء عليك، ليس فيه رياء ولا خداع، لأنه صدر عن قلب خالص إلى قلبك الذي يشهد لي دعواي.

وقيل: أراد أن هذا المعنى يؤديه قلبي إلى قلبك، لأنه دقيق، وأنت تفهم بإشارتي إليك.

فقد أصبحت منه في فرندٍوأصبح منك في عضبٍ يمان
للشاعر المتنبي، من قصيدة «مغاني الشعب طيبا في المغاني»

يقول: تكسبت من هذا الممدوح جوهراً نافذا، وفهماً ثاقباً، يغوص في المعنى، كالسيف الذي له الفرند، وتكسب ثنائي منك سيفاً قاطعاً، منه فرنده وماؤه في الأصل جوهر كريم.

وقيل: أراد حصل ثنائي عليك عند مستحقه، فهو عليك كالجوهر في السيف اليماني.

ولولا كونكم في النّاس كانواهذاء كالكلام بلا معاني
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

وروى: هراء وهو اللغو الفاسد من الكلام، كما أن الكلام إنما يفيد بالمعنى، فإذا عرى عن المعنى صار لغوا، فأنتم في الناس كالمعنى في الكلام.

وقال يمدحه وقد ورد الخبر بانهزام وهسوذان ويذكر ذلك في جمادى الأولى، وكان ركن الدولة أنفذ إليه جيشاً من الري فهزمه وملك بلده:

إثلث فإنّا أيّها الطّللنبكي وترزم تحتنا الإبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

إثلث: أي كن ثالثا. والإرزام: الحنين.

يقول: أيها الطلل كن ثالثاً في البكاء والحنين على فراق الأحبة، فإنا نبكي وإبلنا ترزم، فابك أنت أيضاً تكن لنا ثالثاً.

أولا فلا عتبٌ على طللٍإنّ الطّلول لمثلها فعل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الهاء في مثلها ضمير الحالة المضمرة: وإن لا تبك معنا فلا عتب عليك في تركك البكاء.

لو كنت تنطق قلت معتذراًبي غير ما بك أيّها الرّجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لو كنت أيها الطلل ناطقاً لقلت معتذراً عن ترك البكاء: إن ما بي غير ما بك أيها الرجل، لأن الذي بي هو الموت، ولا بكاء معه وبك الحياة، فإذا كان تركي البكاء لأجل الموت الحال بي، كنت معذوراً فيه. وقوله: معتذرا نصب على الحال.

أبكاك أنّك بعض من شغفواولم أبك أنيّ بعض ما قتلوا
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا تفسير لقول الطلل: بي غير ما بك.

يقول: لو كان الطلل ممن ينطق لقال لي: إنما بكيت لأنهم شغفوك حباً، ولم أبك لأنهم قتلوني بالرحيل، فلا قدرة لي على البكاء.

يعني: هذا الطلل ارتحل عنه أهله، فبادت رسومه، ودرست أعلامه، ونحن أحياء نشكو الشوق فإذا لم يبك معنا فهو معذور.

وإنما قال: بعض من شغفوا وبعض ما قتلوا لأن من لما يعقل وما لما لا يعقل.

إنّ الذين أقمت وارتحلواأيّامهم لديارهم دول
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

هذا أيضا من كلام الطلل، وقيل: هو خطاب منه لنفسه.

يقول الطلل: إن الذين ارتحلوا وأقمت أنت بعدهم، أو يقول: إن الذين ارتحلوا عن هذا الطلل وأقمت بعدهم أيامهم دول لديارهم، إذا حلوها عمرت وإذا ارتحلوا عنها خربت وزالت دولتهم.

الحسن يرحل كلّما رحلوامعهم وينزل حيثما نزلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

هذا تفسير لقوله: أيامهم لديارهم دول يعني: أن حسن الطلل بأهله، فكلما حلوا به حسن، وإذا ارتحلوا عنه ارتحل الحسن معهم فهو ينزل بنزولهم ويرحل برحيلهم.

في مقلتي رشإٍ تديرهمابدويةٌ فتنت بها الحلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: هذا الحسن الذي يرحل برحيلهم في مقلتي غزال بدوية قد فتنت الحلل بحسنها وملاحتها.

والحلل: جمع حلة، وهي بيوت الأعراب المجتمعة.

تشكو المطاعم طول هجرتهاوصدودها ومن الّذي تصل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يصفها بقلة تناول الطعام، وذلك مما يحمد في النساء.

يقول: هي تصد عن الطعام كما تصد عن العشاق. والطعام يشكو هجرها وصدها عنه، فإذا كانت عادتها الصدود عنه مع أن أحداً لا يهجر الطعام فمن الذي تصله هي من الناس؟! مع وجود هذه العادة فيها.

ما أسأرت في القعب من لبنٍتركته وهو المسك والعسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

ما بمعنى الذي، وهو في موضع النصب بأسأرت والقعب: القدح.

يقول: إذا شربت لبناً فبقي بعد شربها شيء، فذاك يكتسب من فمها طيبها وحلاوتها، فيصير كالعسل والمسك.

قالت: ألا تصحو؟! فقلت لها:أعلمتني أنّ الهوى ثمل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الثمل: السكر، والثمل السكران.

يقول: قالت لي المحبوبة: ألا تصحو من هواك؟! فقلت لها: قد أعلمتني أن الهوى السكر، لأن الصحو إنما يكون عن السكر.

لو أنّ فنّا خسر صبّحكموبرزت وحدك عاقه الغزل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إن عضد الدولة - مع اهتمامه بأمر الملك، وقله اشتغاله باللهو والغزل - لو قصد قومك وبرزت أنت وحدك لرددته عن قومك بحسنك وملاحتك.

وتفرّقت عنكم كتائبهإنّ الملاح خوادعٌ قتل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لو خرجت لعضد الدولة، لفتنته حتى تفرقت عنكم عساكره وكتائبه لاشتغاله بك عن الحرب؛ لأن الملاح خوادع قاتلات.

ما كنت فاعلةً وضيفكمملك الملوك وشأنك البخل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»
أتمنّعين قرىً فتفتضحيأم تبذلين له الّذي يسل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: كيف تصنعين لو نزل بك عضد الدولة وهو ملك الملوك، مع ما أنت عليه من البخل، إن منعت قراه تفتضحين، وإن بذلت له ما يسأله منك، تركت عادتك في البخل، فأيهما تختارين؟

بل لا يحلّ بحيث حلّ بهبخلٌ ولا جورٌ ولا وجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: لا يحل موضعا يحل به عضد الدولة، بخل ولا جور ولا خوف: أي حيثما يحل نفي هذه الأحوال عن أهلها بجوده، وأمنه، وعدله.

وقيل: أراد بالجود ما تستعمله هذه المرأة من المنع والخوف، خوف الرقباء.

ملك إذا ما الرّمح أدركهطنبٌ ذكرناه فيعتدل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الطنب: الاعوجاج.

يقول: إن الرمح إذا اعوج إما صورة أو قصورا عن الحمل فإذا ذكرنا اسمه عند ذلك، زالت عنه الآفة.

إن لم يكن من قبله عجزواعمّا يسوس به فقد غفلوا
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: إن لم يكن لأحد من الملوك قبله مثل سياسته فإما أن يكونوا غفلوا عنها، أو لم يكونوا قادرين عليها، فعجزوا عن إدراكها.

حتّى أتى الدّنيا ابن بجدتهافشكا إليه السّهل والجبل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

ابن بجدتها: أي العالم بها. والبجدة: دخيلة الأمر.

يقول: لم يكن لأحد قبله مثل سياسته. حتى أتى الدنيا العالم بحقائقها وبواطن أمور أهلها، فشكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا قبله من الجور، فعمهم بعدله وأزال عنهم كل جور.

شكوى القليل إلى الكفيل لهألاّ يمرّ بجسمه العلل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: شكا إليه أهل السهل والجبل ما قاسوا من الجور وغيره، كما يشكو المريض إلى من كفل له ألا يمر بجسمه الأمراض، وهو الطبيب الحاذف بجيمع أنواع الأسقام.

يعني: يزيل آثار الجور ويمحو رسومها، كما يفعل الطبيب الماهر بمداواة العليل.

قالت فلا كذبت شجاعتهأقدم فنفسك ما لها أجل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

فاعل قالت: شجاعته. وقوله: فلا كذبت دعاء له واعتراض بين القول والمقول له.

يقول: قالت شجاعته: أقدم فما لنفسك أجل ولا يدنو منك موت، ثم دعا له بالبقاء فقال: فلا كذبت شجاعته أبداً في قولها: إن نفسه ليس لها أجل.

يعني: إن جرى مثل في الجود والعلم والحلم وكل فضل فهو النهاية في ذلك المثل، وكذلك هو الغاية، إذا قيل: من البطل في الحروب.

عدد الوفود العامدين لهدون السّلاح الشّكل والعقل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الشكل: جمع شكال، وهو للخيل. والعقل: للإبل، وهو جمع عقال.

يقول: إن عدة الزوار القاصدين إليه هي الشكل والعقل، دون السلاح.

يعني: أنهم إذا قصدوه استعدوا الشكل للخيل، والعقل للإبل، ثقة منهم بتحقيق آمالهم. وقوله: دون السلاح يعني أنه لا يلقاه إلا عاف يستميح، فأما المحارب فلا يجسر على لقائه.

فلشكلهم في خيله عملٌولعقلهم في بخته شغل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

البخت: جمع بختة وهي الجمال الخرسانية.

يقول: إن شكلهم وعقلهم مشغولة بما قاده إليهم من الخيل والإبل، فلا يفضل لهم شكال ولا عقال.

تمشي على أيدي مواهبههي أو بقيّتها أو البدل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

روى تمشي وتمسي بالسين.

يقول: تمشي الخيل والإبل على أيدي مواهبه: أي مواهبه تتصرف في خيله وإبله وتلي أمرها. يعني: إن زاره قوم أعطاهم الخيل والإبل، فإن بقي منها بقية وهبها لقوم آخرين، وإن لم يبق منها شيء، وهب بدلها من سائر الأموال والنفائس.

يشتاق من يده إلى سبلٍشوقاً إليه ينبت الأسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

السبل: المطر، يريد به هنا الحرب. والأسل: الرماح.

يشتاق هو إلى قتل أعدائه وإراقة دمائهم، والرماح إنما تنبت شوقاً إلى ذلك السبل؛ لأنه يعملها في حروبه، ويريق بها دماء أعدائه. وقيل: أراد بالسبل جود يده.

سبلٌ تطول المكرمات بهوالمجد لا الحوذان والنّفل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الحوذان والنفل: نبتان طيبان. يعني: هذا السبل ليس بمطر ينبت العشب، ولكنه حرب ينبت به المكارم والمجد.

وإلى حصى أرضٍ أقام بهابالنّاس من تقبيله يلل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

اليلل: قصر الأسنان، وقيل انعطافها إلى داخل الفم.

يقول: من كثرة ما قبل الناس الحصى بين يديه، حصل لهم في أسنانهم قصر وانعطاف.

وقال ابن جني: أراد أن الناس لكثرة ما يقبلون الأرض بين يديه حدث بهم انحناء وانعطاف، كما تنعطف الأسنان إلى داخل الفم. قال: وهذا من اختراعات المتنبي.

إن لم تخالطه ضواحكهمفلمن تصان وتذخر القبل؟
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

الهاء في تخالطه للحصى.

يقول: إن لم تخالط ضواحك الأسنان الحصى بين يدي عضد الدولة، فلمن يدخرون تقبيل الأرض أي ليس أحد يستحقها غيره.

في وجهه من نور خالقهقدرٌ هي الآيات والرّسل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

يقول: ما في وجهه من النور والجمال، يقوم مقام المعجزات التي هي الآيات، وما يأتي به الرسل؛ لما فيه من ظهور قدرة الله تعالى وعظمته فيه.

فإذا الخميس أبى السّجود لهسجدت له فيه القنا الذّبل
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

يقول: إذا امتنع الجيش عن طاعته والسجود له، سجدت له فيه الرماح.

يعني: أن الرماح تنحني لطعن الآبين للسجود، فيجري ذلك مقام سجود الرماح. أي: إن لم يخضع له طوعاً، خضع له كرهاً. والهاء في فيه للخميس.

وإذا القلوب أبت حكومتهرضيت بحكم سيوفه القلل
للشاعر المتنبي، من قصيدة «إثلث فإنا أيها الطلل»

القلل: جمع القلة، وهي أعلى الرأس.

يقول: من لم يرض بحكمه ضرب رأسه بالسيف، فكأنه راض بحكم السيف.

أرضيت وهسوذان ما حكمتأم تستزيد؟ لأمّك الهبل!!
للشاعر المتنبي، اقرأ القصيدة

النص كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف الحواشي. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «معجز أحمد: شرح ديوان المتنبي»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.