تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال حجر بن خالدٍ

كلبيةٌ علق الفؤاد بذكرهاما إن تزال ترى لها أهوالاً

يقول: علق الفؤاد بذكر امرأةٍ كلبيةٍ، لا تزال تقاسي من أجلها أهوالاً، وتتحمل مشقاتٍ. قوله " علق الفؤاد بذكرها " يجوز أن يكون أراد علق ذكرها بالفؤاد فقلب، لأن المراد مفهومٌ، ويكون كقول الآخر:

علق الأحشاء من هندٍ علق

وكما يقال علق بقلبه علاقته. ويجوز أن يكون جعله الفؤاد تابعاً للذكر فكأنه تعلق به. وكل شيءٍ وقع موقعه قبل علق معالقه. وجعل صدر البيت على الإخبار عنها، ثم نقل الكلام إلى مخاطبة نفسه. ويجوز أن يكون استمر في الإخبار عنها ويكون المعنى: علقها الفؤاد فلا تزال هي تقاسي أنت بسببها أهوالاً. و " إن " من قوله " ما إن " زيدت لتأكيد النفي.

فاقني حياءك لا أبا لك إننيفي أرض فارس موثقٌ أحوالا

أقبل يخاطب المرأة فقال: الزمي حياءك، أي لا تفعلي ما يقال نسي الحياء معه واطرح، إنني محبوسٌ في أرض فارس سنين لا أبا لك. وقوله " لا أبا لك " بعثٌ وتحضيض، وليس بنفيٍ للأبوة، وخبر لا محذوف، لأن المعنى لا أباك، ودخلت

اللام مؤكدةً للإضافة، لأن هذه إضافةٌ لا تخصص، فساغ تأكيدها باللام، ولو كانت الإضافة مخصصةً لكان لا يعمل في أبا لك. وتقدير الخبر: لا أبا لك موجود. ويقال: قنى يقنى، وأقنى: أمرٌ منه. وقنا يقنو. قال المتلمس:

كذلك أقنو كل قطٍ مضلل

وإنما قال إنني موثقٌ ولم يكن قد أسر وأوثق، لعلمه بما يؤول إليه في مقصده أمره، كأنه لما وطن نفسه على ترك التحامي والاتقاء علم أن أحسن العاقبتين فيه الأسر، فذكره. ويكون هذا كقول الآخر:

قد يتمت بنتي وآمت كنتي

فهذا وجهٌ، ويجوز أن يكون قال هذه الأبيات بعد الأسر.

وإذا هلكت فلا تريدي عاجزاًغساً ولا برماً ولا معزالا

ليس قصده في هذه الوصاة إلى أن يبعثها على تخير الرجال، أو يرشدها لوجوه الانتخاب، وإنما المراد: اطلبي مثلي. وهو يعلم أنها لا تظفر بمن يماثله أو يقاربه. والغسُّ: الضعيف. قال:

فطعنة لا غسٍ ولا بمغمر

والبرم: الذي لا يدخل مع القوم في الميسر، لضيق صدره وتبرمه بما يلتزم في مثله. والمعزال: الذي لا يحمل السلاح، ويتناهى اعتزاله ورفضه إياه. والأعزل مثله. ومثل هذا قول ابن أحمر:

فإما زال سرجٌ من معدٍوأجدر بالحوادث أن تكونا
فلا تصلي بمطروقٍ إذا ماسرى في القوم أصبح مستكينا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا ليت المنازل قد بلينا»
إذا شرب المرضة قال أوكىعلى ما في سقائسك قد روينا
للشاعر عمرو الباهلي، من قصيدة «ألا ليت المنازل قد بلينا»
واستبدلي ختناً لأهلك مثلهيعطي الجزيل ويقتل الأبطالا

يقال: اعتاصى مني لأهلك ختناً مثل ذلك الختن، يعطي عطاءً جزلاً، ويقتل الأبطال بطلاً فبطلا. ومثله يرتفع بالابتداء، وما بعده في موضع الخبر له، والجملة في موضع الصفة للختن، ولا يجوز نصب " مثله ".

غير الجدير بأن تكون لقوحهرباً عليه ولا الفصيل عيالا

هذا أيضاً من صفة الختن. يقول: لا يكون خليقاً بأن يكون مملوكاً لماله لا مالكاً، ويحل الفصيل منه محل العيال لا محل المال. وهذا كما قال الآخر:

فلا والله ما لبني بربٍولا لحمى علي ولا سلائي

واللقوح صفةٌ، يقال ناقةٌ لقوحٌ إذا كان بها لبنٌ، وجمعه لقحٌ قال الخليل: فإذا أرادوا استعمالها على حد الأسماء قالوا لقحةً، يقال: هذه لقحة فلان، للناقة الحلوب - ولا يقال ناقةٌ لقحةٌ - والجميع لقاحٌ.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من «شرح ديوان الحماسة»

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.