تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقالت كنزة أم شملة بن بردٍ المنقرى

إن يك ظني صادقاً وهو صادقيبشملة يحبسهم بها محبساً أزلا

قد مضى الكلام في حذف النون من يك في غير موضع. ومراد كنزة من الكلام أن تجعل التقصي في مجاهدة القوم، وبلوغ أبعد الغايات في طلب الثأر من ابنها ببالٍ، فأقبلت تقول: ظني بابني كيت وكيت، مذكرة وموصيةً. والذي زعمت أنه في ظنها، ومن أحاديث نفسها، هو ما تقترحه على ابنها، وتتمنى أن يحتفظ به من وصاتها. وقولها " وهو " يجوز أن يكون للظن، والمعنى: إن كنت ألمعياً، فظني بشملة يصدقني لا محلة، فإنه يفعل كذا. والباء من قولها بشملة يجوز أن يكون متعلقاً بصادقي، أي وهو يصدقني بسبب شملة، وإن شئت يتعلق بظني. ويجوز أن يكون " هو " ضمير ابنه شملة والمعنى: وهو فيما أتفرس فيه وأعتقده من غنائه، يصدقني ويكون بشملة تبييناً لا صلة، كما يكون بك بعد مرحباً تبييناً بحبس القوم بتلك المعركة محبساً ضيقاً. ويقال أزلوا ما لهم يأزلونها أزلاً، إذا حبسوها في المرعى، مخافة الأعداء عليها. فالأزل مصدرٌ وصف به.

فيا شمل شمر واطلب القوم بالذيأصبت ولا تقبل قصاصاً ولا عقلاً
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

هذا يدل على ما قدمناه في البيت قبله، فإنها رجعت إلى مخاطبة ابنها بعد ما ذكرت هواجس ظنونها، وجردت القول له بمرادها منه، وأمرته بالتشمير في طلب القوم كلهم بمن أصيب به، واطراح التقصير فيما جعل له من سلطانه في حقه، وبأن لا يقبل الدية وإن غالوا بها، ولا يرضى بالقصاص منهم وإن مكنوا من الجاني عليه أيضاً، بل يعم القوم كلهم بالقتل، فإنه حينئذ يكون مدركاً تبله، وناقضاً وتره، وقاضياً حق صاحبه. والقصاص: أخذ الشيء بالشيء، وأصله من القص: القطع.

وقالت أيضاً:

لهفي على القوم الذين تجمعوابذي اليد لم يلقوا علياً ولا عمرا
فإن يك ظني صادقاً وهو صادقيبشملة يحبسهم بها محبساً وعرا
للشاعر كنزة أم شملة بن برد المنقري، اقرأ القصيدة

قد تقدم القول في لهفي، وكما يجوز فيه من نية الإفراد والإضافة.. وإنما تحسرت الشاعرة على ما فات علياً وعمراً من ملاقاة القوم المجتمعين بذي السيد المتخلفين للقتال. وإنما تلهفت لما كانت تؤمل من تأثيرهما فيهم. وموضع لم يلقوا نصبٌ على الحال، والعامل فيه تجمعوا. ثم قالت كالمستدرك برجائه. إن كنت صادقة الظن بابني شملة وهو يصدقني لا محالة فإنه يحبس القوم بتلك المعركة محبساً صعباً. تريد أن ما فات المذكورين سيتلافاه، فيما يعدها به ظنها وأملها فيه. والقول في إن يك ظني صادقاً على ما تقدم. والصدق والكذب أصلهما في الكلام، وتوسع فيهما فقيل بردٌ صادقٌ، والفجر الصادق والكاذب، وهو فتى صدق، وصدقوهم القتال. ويقال: طريقٌ وعرٌ: بين الوعورة والوعارة، أي غليظٌ. وقد توعر ووعر.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من وقال آخر (١٣)

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.