من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال شبرمة بن الطفيل
لعمري لريمٌ عند باب ابن محرزأغن عليه اليارقان مشوف
أحب إلينا من بيوتٍ عمادهاسيوفٌ وأرماحٌ لهن خفيف
الأصل في الرئم: الظبي الخالص البياض. وهذا الكلام يخص به الشاعر واحداً معيناً كان يقصر في طلب الوتر، ويشتغل عنه بالصبا واللهو، ويؤثر المقام بأطيب
المنزلين من البدو والحضر، لا يهمه إلا الرقاعة والخلاعة، وخاليتين من التعب والنصب، فأخذ يعرض به ويقول على وجه التهكم والسخرية منه: وبقائي، للقاء امرأةٍ كأنها ظبيةٌ مسكنها في جوار هذا الرجل في صوتها غنةٌ، محلاةٍ بيارقين، مجلوة الوجه، أحب إلينا من الأوى إلى بيوتٍ مستحدثةٍ بنيت على عمدٍ متخذةٍ من رماحٍ وسيوفٍ. وهذه البيوت للغزاة والمتصيدة أكثر ما تكون. ألا ترى قول امرئ القيس بعد فراغه من الصيد:
ورحنا إلى بيتٍ بعلياء عردحٍسماوته من أتحميٍ مشرعب
وأوتاده ماذيةٌ وعمادهردينيةٌ فيها أسنة قعضب
وفي هذه الطريقة قول الآخر:
والله للنوم على الديباجعلى الحشايا وسرير العاج
مع الفتاة الطفلة المغناجأهون يا عمرو من الإدلاج
وزفرات البازل العجعاج
وقوله مشوف من الشوف، وهو التجلية، يقال تشوفت المرأة، إذا تزينت وطرت، وشفتها وهي مشوفةٌ. وقوله لهن حفيف، فالحفيف: صوت طيران الطائر وصوت الرمية.
أقول لفتيانٍ ضرارٌ أبوهمونحن بصحراء الطعان وقوف
أقيموا صدور الخيل إن نفوسكملميقات يومٍ ما لهن خلوف
قوله أقيموا صدور الخيل في موضع المفعول لأقول، والواو من قوله ونحن بصحراء الطعان واو الحال. ويقال أقمته فقام بمعنى قومته فتقوم، فيتعدى. وأقمت بالمكان إذا ثبت فيه إقامةً، وأقمت من المكان إذا ارتحلت عنه. قال امرؤ القيس:
وفيمن أقام من الحي هرٌ
فأما قول الشاعر:
أقول لأم زنباعٍ أقيميصدور الخيل شطر بني تميم
فمعناه إقصدي وتوجهي بعيسك نحوهم. والشاعر أخذ يبين ما يأخذ به نفسه من حث القوم على القتال، وتشجيعهم على اقتحام الأهوال، ويرى أنه مع تقصير من قدم التعريض به، وعلق التقريع بإهماله وتعذيره، وعيره اشتغاله بما لا يشتغل الموتور به، لا يدع أن يقول محضضاً لهؤلائ الفتيان وقد وقعوا في ميدان الطعان وعرصة الطراد: اثبتوا في وجوه أعدائكم، وانتصبوا صدور خيلكم لهم، واستبدلوا بالانحراف تقحماً، وبالازورار تهجماً، ودعوا الذهاب إلى ما يأمركم به الفشل، ويدعوكم إليه التهاون والكسل، مستشعرين الخوف من الموت، فإن لكل نفسٍ أجلا لا يؤهره الإحجام والنكوص، ولا يقدمه الإقدام والنهوض. وقوله ما لهن خلوف، أي ليس للنفوس تخلف عن الأمد المسمى، ولا تراجعٌ عن الحين الموحى. والميقات يستعمل في الزمان والمكان، لأن الوقت الحد. ألا ترى أنهم يقولون ميقات أهل المشرق، يريدون الموضع الذي يقبل له الحج إذا ابتدئ بالمسير إليه منه.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع