من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال ربيعة بن مقروم (٢)
وكم من حامل لي ضب ضغنبعيد قلبه حلو اللسان
ولو أني أشاء نقمت منهبشغب أو لسان تيحان
كم لفظة وضعت للتكثير، كما أن رب وضع للتقليل، إلا أنه اسم ورب حرف وله موضعان: الاستفهام، والخبر، وهو من باب الخبر هنا. والضب: الحقد. قال:
فما زالت رقاك تسل ضغنيوتخرج من مكامنها ضبابي
وأضافه إلى الضغن لأن الضغن العسر، فكأنه حقد عسر ولجاج. فيقول: كثير من الرجال يحملون لي الضغائن، ويسرون لي البغضاء، وقد حلا منطقهم لي جرياً على سنتهم في المداجاة، وبعد قلبهم مني استمراراً في طريق الشنآن لي والمعاداة، ولو شئت لانتقمت منه بالفعل أو بالقول، فإني لساني عريض ويدي عالية، يتأتى له مكافأة كل الناس على مقدار فعله، ونقمت منه بمعنى انتقمت. ونقم ونقم لغتان. والتيحان لا يكسر ياؤه، وقد مضى القول فيه.
ولكني وصلت الحبل منىمواصلةً بحبل أبى بيان
وضمرة إن ضمرة خير جارعلقت له بأسباب متان
هجان الحي كالذهب المصفىصبيحة ديمة يجنيه جان
قوله (ولكني وصلت الحبل منى) يقول: أبقيت على من يعاديني ولم أعجل مؤاخذته بإساءته وإصراره. وتماديه فيما أكرهه ولجاجه، لأني قد واصلت أبا بيان
وعلقت حبلي بحبله؛ وكذلك احتشمت ضمرة لأنه خير جار، وقد استحكمت بيني وبينه أواصر حفظها عن القطيعة واجب، ولأن العصم المتينة التي تجمعنا تلزمني الوقوف فيما يكرهانه، وترك ما لا يؤمنني استيحاشهما، وهما مع ذلك كرام الحي لا غائلة لهما، ولاشبهة في مصافاتهما وحسن عقيدتهما، فما ودهما إلا كإبريز الذهب، المصفى، وما يظهر من معادن الذهب صبيحة مطرة تكشف عن عروق الذهب، فيجتنيه المجتنون، أي يلتقطه الملتقون. وهذا الذي وصفه يقال إنها تكثر في نواحي اليمن واليمامة، وتسمى تلك المعادن معادن اللقط، فإذا مطرت وانكشفت الهبوات والغبار عن وجوه حجارتها يظهر من عروق الذهب في صفائحها مثل ماوصفه أو أحسن.
وقوله (هجان الحي) ارتفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، كأنه قال: هم هجان الحي. وهجان جمع، وواحده هجان أيضاً، لأن فعيلا وفعالاً يشتركان في الجمع كثيراً؛ فهجان جاء من هجان واحداً كظراف من ظريف. وقوله (كالذهب) في موضع الحال، وكذلك قوله (يجنيه جان) حال من الذهب المصفى. وقوله (مواصلةً) يجوز أن يكون مصدراً في موضع الحال، أي مواصلاً، ويجوز أن يكون موضوعاً موضع صلة فيكون مصدراً من غير لفظه، مثل قوله تعالى: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً): وقوله (يجنيه جان) وضعه موضع يلقطه.
؟؟
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع