من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال سلم بن ربيعة
إن شواءً ونشوةًوخبب البازل الأمون
يجشمها المرء في الهوىمسافة الغائط البطين
والبيض يرفلن كالدمىفي الريط والمذهب المصون
والكثر والخفض آمناًوشرع المزهر الحنون
من لذة العيش والفتىللدهر والدهر ذو فنون
واليسر كالعسروالغنىكالعدم والحي للمنون
هذه المقطوعة خارجة عن البحور التي وضعها الخليل بن أحمد، وأقرب ما يقال فيها أنها تجيء على السادس من البسيط، وليس هذا موضعاً لبسط الكلام فيه.
والنشوة: الخمر والسكر. والخبب والخبب: ضرب من السير. والبازل: التي قد استكمل لها تسع سنين فتناهى قوتها. والأمون: الموثقة الخلق. وخبر إن في قوله (من لذة العيش).
وقوله (يجشمها المرء) من صفة البازل والمعنى يكلفها صاحبها قطع المسافة البعيدة فيما يهواه. والمسافة مأخوذة من السوف، وهو الشم. وكان الدليل إذا اشتبه عليه الطريق يفعل ذلك. والغائط: المطمئن من الأرض. والبطين: الواسع الغامض.
وقوله (والبيض يرفلن كالدمى) يعنى به النساء. ويرفلن: يتبخترن في الريط، وهي الملاءة الواسعة. والمذهب المصون؛ يراد به الثياب الفاخرة المطرزة بالذهب. وتعلق في من قوله (في الريط) بيرفلن، وكا الدمى في موضع الحال. والمعنى: والنساء البيض يتبخترن في المصونات من الثياب الكريمات وهن مشبهات للصور. والكثر انعطف على البيض، كما أن البيض انعطف على (وخبب البازل الأمون). والمراد بالكثرة كثرة المال ومساعدة الحال، وضده القل. وقال الخليل: كثر الشيء: أكثره، وكذلك قله أقله. والخفض: التودع. وانتصب (آمناً) على الحال، وانعطف (وشرع) على الخفض. فيقول: إن لذات الدنيا من مأكول ومشروب وملبوس، ومركوب وقد استعمله صاحبه فيما يهواه، وكلفه قطع المسافات فيما تدعوه إليه نفسه، والنساء البيض بالصفة التي ذكرها، والغنى والراحة في الأمن والملاهي، جميع ذلك من لذة العيش. وقوله (وشرع المزهر) أي الأوتار، واحدها شرعة. والمزهر: العود. والحنون: يريد به الصبت من الحنين، فكأنه أشار إلى المزهر منقوراً ينقره الملهى. فانظر فإنه جمع كل ما يلتذ به النفس، وجعلها تامة بما قرن به من حال الأمن، لأن جميع ذلك إذا عرى من الأمن لم يستعطب ولم يستمراً.
ثم قال: (والفتى للدهر والدهر ذوفنون) الواو واو الحال، وذو فنون أي ضرب. يريد: أن كل ذلك مما يتلذ العائش به، لكن الفتى مهدف للدهر، والدهر ذو تارات: كما يهب يرتجع، وكما يسلم بعل، وكما يودع يتعب، وكما يصفى
يكدر، وبعد ذلك قال:
واليسر كالعسر والغنىكالعدم والحي للمنون
يريد أن شيئاً من هذه الأحوال لا يدوم إلا ريث ما يسلط عليه القواطع والمغيرات، فاليسار إذا حصل كالإعسار، في أن واحداً منهما لا يبقي، وغنى النفس كفقرها، ثم انتهاء كل ذلك للحي منا إلى الموت الذي لا غاية وراءه، وليس يتخلص منه بحيلة تنقذ، أو روية تعمل.
وقال آخر:
وأنت امرؤ إما ائتمنتك خالياًفخنت وإما قلت قولاً بلا علم
فأنت من الأمر الذي كان بيننابمنزلة بين الخيانة والإثم
يقول: أنت رجل إما وثقت بك في شيء يحتاج إلى أداء الأمانة فيه، وقد خلوت معك وأظهرت السكون إليك فخنتني، وإما أستنيم إلى ناحيتك في الخير فكذبت علي، وخبرت بما لا علم لك به، فأنت مما بيني وبينك واقف في محل بين الخيانة فيما ائتمنت فيه. والإثم فيما رجع إليك في الكشف عنه. وقوله (ائتمنتك) هو افتعل من الأمانة، ولك أن تخفف الهمزة وتبدل منها ياء، ولك أن تعوض من الهمزة تاء فتدغمه في التاء التي بعدها فتقول: اتمنتك.
وخالياً انتصب على الحال، وذو الحال يجوز أن يكون الشاعر. والمعنى: جعلتك موضعاً للأمانة وقد خلوت بك لئلا يتجاوزنا السر الذي أودعتك. ويجوز أن يكون حالاً للمخاطب، والمعنى منفرداً.
ويروى أن رجلاً أتى عبيد الله بن زياد فأخبره أن عبد الله بن همام السلولي سبه وأسرف جهاراً، لا حشمة تردعه، ولا رقبة تمنعه. فأرسل عبيد الله إلى ان همام واستحضره ليقابله بالرجل، ويتبين من حضورهما صحة الخبر، فأتاه ابن همام، فلما استقر به المجلس قال عبيد الله: يا ابن همام، إن هذا يزعم أنك قلت كذا وكذا. فأقبل ابن همام على الرجل وخاطبه بقوله: (أنت امرؤ إما ائتمنتك خاليا) ... البيتين.
فإن قيل: ما موضع (إما ائتمنتك) من الإعراب؟ قلت: هو في موضع الرفع على أن يكون صفة لامرىء. وإما هذه هي التي تعد في حروف العطف، والكلام خير. يريد: أنت رجل لا تخلو مما تصك به وجهي من أحد الأمرين اللذين أذكرهما. فهو كما تقول: أنت رجل إما صالح وإما طالح. وقوله (فخنت) انعطف على ائتمنتك، كأنه قال: أنت رجل إما مؤتمن فخائن، وإما قاتل قولاً لا علم لك به. وقوله (وإما) الواو هي العاطفة. وإما كأو في أنه لأحد الأمرين، إلا أن (أو) يبنى الكلام فيه على اليقين، ثم يعترض ما يخرج به عنه؛ و (إما) يبنى الكلام فيه على عين اليقين. ولهذا الذي قلناه قال حذاق أصحابنا: إنه ليس من حروف العطف، وكيف يكون منها وهو يحيء قبل ما يعطف عليه أو مع حرف العطف. تقول: رأيت إما زيداً وإما عمراً. فإما الأولى سابق المعطوف عليه وهو زيد، وإما الثانية معها الواو العاطفة. وقوله (فأنت من الأمر الذي كان بيننا) مبتدأ وخبره (بمنزلة) وبين الخيانة صفة للمنزلة. والمعنى: أنت مما بيننا في موقف يشفي بك إما على الخيانة فيما ائتمنت فيه، وإما على الإثم فيما تستشهد فيه، فتقول بما لا علم لك به.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع