تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال يحيى بن زياد (٢)

لما رأيت الشيب لاح بياضهبمفرق رأسي قلت للشيب مرحبا
ولو خفت أني إن كنت كففت تحيتيتنكب عني رمت أن يتنكا
ولكن إذا ما حل كره فسامحتبه النفس يوماً كان للكره أذهبب

قوله (لما رأيت الشيب) لما علم للظرف، وهو لوقوع الشيء لوقوع غيره. وجوابه (قلت للشيب مرحبا). وكان الواجب أن يقول: قلت له مرحباً ولكنهم يكررون الأعلام وأسماء الأجناس كثيراً، والقصد بالتكرير التفخيم. والمعنى: لما وجدت الشيب اشتعل رأسي ببياضه، طيبت نفسي بطلوعه وقلت له: أتيت رحباً وسعةً. وقوله (مرحباً) انتصب على المصدر. ويقال: رحبت بلادك رحباً ورحابة.

وحكى رحبت بلادك بكسر الحاء ترحب رحباً. والرحبة والرحبة، واحد وهما ساحة المسجد.

في قوله (ولو خفت) يريد بخفت رجوت، وهم يضعون كل واحد من الرجاء والخوف موضع الآخر. ألا ترى قولع تعالى: إنهم كانوا لا يرجون حساباً، أي لا يخافون. وقول الآخر، وهو الهذلي: (يرجون لسعه). يعني النحل. فيقول: لو رجوت أني إذا تكرهت الشيب وتسخطته، وكففت عن إظهار الرضا به والسرور لطلعته فارقني وانحرف عني، لرمت ذلك، ولكن إذا حل مايكرهه فطاوعت نفسه به، وتلقاه بالصبر عليه، كان ذلك أعون على زوال الكراهة فيه، وإلا اجتمع وجهان مما يشق نزوله به، واغتنامه له. وقوله (فسامحت به النفس) أي ساهلت. ومنه قيل: عود سمح أي لا ابن فيه. ومما يجري مجرى المثل: (إذا لم تجد عزا فسمح) أي لن وهن. وقوله (كان للكره أذهبا) كان الحكم أن يقول أشد إذهاباً، لأن الفعل منه ليس بثلاثي. ولكن على طريقة سيبويه يحىء أن يبنى فعل التعجب مما كان على أفعل أيضأ، وإن كان الباب على الثلاثي. ةقد يمكن أن يقال: إنما قال (أذهبا) على حذف الزوائد. ألا ترى قوله:

فإن وجدنا العرض أفقر ساعةإلى الصون من برد يمان مسهم

والفعل لم يجيء إلا افتقر، فكأنه نوى حذف الزوائد ورده إلى فة، وعليه جاء (فقير) وإن لم يستعمل الفعل.

وقوله (ولكن إذا) لكن جاء في هذا المكان لترك قصة إلى قصة، وهي إذا جاءت عاطفة كانت لاستدراك بعد النفي. وجواب (لو) في قوله: لو خفت (رمت أن يتنكبا)، وجواب إذا من قوله (إذا ما حل كره): (كان للكره أذهبا). ويوماً انتصب على الظرف، والعامل فيه حل، واسم كان ما دل عليه قوله سامحت، كأنه قال: كان المسامحة أذهب للكره.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.