تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

باب الأدب: قال مسكين الدارمي

وفتيان صدق لست مطلع بعضهمعلى سر بعض غير أتى جماعها

قوله: (وفتيان صدق) أضاف الفتيان إلى الصدق، كما يقال فتيان خير. والمعنى أنهم يصدقون في الود ولا يخونون. وقال الخليل: يقال رجل سوء وإذا عرفت قلت الرجل السوء، ولم تضف، بل تحعله نعتاً. وتقول: عمل سوء وعمل السوء، وقول صدق وقول الصدق، ولا تقل الرجل الصدق، لأن الرجل ليس من الصدق.

فيقول: رب فتيان هكذا استناموا إلي واستودعوني أسرارهم، فكنت أنا نظامها لا يفوتني من خبيثات صدورهم شيء، ثم أردت كلاً منهم بالوفاء له، وكتمان ماأودعني من سره، ولا أطلع بعضهم على ما يستكتمني البعض الآخر، بل أصونه من الإذاعة، وأحفظه من النشر بالطي والصيانة. وذاك لأن حفظ السر يجري مجرى أداء الأمانات، فهو في الدين والدنيا مأخوذ به ومبعوث عليه. وقوله (جماعها) هو كما يقال نظام، لأن النظام اسم لما ينظم به الشيء فهو كالوثائق والرباط، وكذلك الجماع: اسم لما يجمع به الشيء. والضمير من جماعها يرجع إلى الفتيان، ويجوز أن يرجع إلى ما دل عليه الكلام من ذكر الأسرار. وانتصب (غير) على أنه استثناء منقطع.

لكل امرىء شعب من القلب فارغوموضع نجوى لا يرام اطلاعها
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إِذا ما خليلي خانني وائتمنته»
يظلون شتى في البلاد وسرهمإلى صخرة أعيا الرجال انصداعها
للشاعر مسكين الدرامي، من قصيدة «إِذا ما خليلي خانني وائتمنته»

قوله (لكل امرىء) يريد لكل رجل منهم جانب من القلب، وشق قد فرغ له وخص بموضع سره ونجواه، لا يطلب الاطلاع عليه والكشف عنه، لما عرف من محافظتي ووفائي. والنجوى يجري على أحكام المصادر: الدعوى، والعدوى، وألفه للتأنيث، ويوصف به الأمر المكتوم. ويقال: نجوته فهو نجى. وقد وصف بالنجوى والنجى الواحد والجمع. وفي القرآن: خلصوا نجيا، وإذ هم نجوى، وما يكون من نجوى ثلاثة. ويقال: تناجوا وانتجوا. وقوله (يظلون شتى في البلاد) يريد أنهم يفارقونه فيتغيبون في أقطار الأرض، وسرهم مكتوم محصن، كأنه أودع صخرة أعجز الرجال صدعها، ويقال: شت الأمر شتاً وشتاتاً، وهو شتيت وشت، وهم أشتات وشتى. فأشتات جمع شت، وشتى: جمع شتيت. ويروى (أعيا الجبال اتضاعها) والمعنى أن هذه الصخرة لإشرافها وثبوتها في موضعها لو رام الجبال حطها لأعجزها ذلك. وقوله (إلى صخرة) أي مضموم إلى صخرة. فتعلق إلى بفعل مضمر دل عليه الكلام.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

في هذا الباب

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.