تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال أبو صخر الهذلي

أما والذي أبكي وأضحك والذيأمات وأحيا والذي أمره الأمر
للشاعر أبو صخر الهذلي، اقرأ القصيدة
لقد تركتني أحسد الوحش أن أرىأليفين منها لا يروعهما الذعر
للشاعر أبو صخر الهذلي، اقرأ القصيدة

تكريره للذي ليس بتكثير للأقسام، لأن اليمين يمين واحدة بدلالة أن لها جواباً واحداً، ولو كانت أيماناً مختلفة لوجب أن يكون لها أجوبة مختلفة، وفائدة التكرير التفخيم والتهويل. وعلى هذا إذا قال القائل: والله والله لقد كان كذا، فاليمن واحدة. وما في القرآن من قوله: والليل إذا يغشى. والنهار إذا تجلى. وما خلق الذكر والأنثى. إن سعيكم لشتى مثله. على أن ما في البيت من اختلاف الأفعال الداخلة في الصلات جعل الكلام أحسن، والتفخيم أبلغ. وجواب القسم (لقد تركتني)، وفاعل تركتني ضمير المرأة المستكن فيه. والمعنى: أنى إذا تأملت الوحوش وهي تأتلف في مراعيها ومتصرفاتها اثنين اثنين، لا يفزعها رقيب، ولا يدخل فيما بينها تنفير، حسدتها وتمنيت أن تكون حالتي مع صاحبتي كحالها في ألافها.

وقوله (أحسد الوحش) في موضع الحال، وأن أرى، في موضع البدل من الوحش. وقوله (لا يروعهما) في موضع الصفة لأليفين، لأن أرى من رؤية العين، ويكتفي بمفعول واحد، وهو أليفين.

فيا حبذا زدني جوى كل ليلةوياسلوة العشاق موعدك الحشر
عجبت لسعي الدهر بيني وبينهافلما انقضى ما بيننا سكن الدهر
للشاعر الأحنف العكبري، من قصيدة «ولما رماني الدهر فيمن أحبه»

تجلد في الهوى وادعى اللذاذة به، حتى استزاد من أجزاء الجوى الحاصلله، وهو داء الجوف، ما يتضاعف بتجدد الأوقات، واستبعد التسلي منها حتى جعل الموعد بينهما يوم النشر. وهذا غاية التفتى في الهوى، والتصبر على الردى.

وقوله (عجبت لسعي الدهر) يجوز أن يريد به سرعة تقضي الأوقات مدة الوصال بينهما، وأنه لما انقضى الوصل عاد الدهر إلى حالته في السكون. وهذا على عادتهم في استقصار أيام السرور واللهو، واستطالة أيام الفراق والهجر. ويجوز أن يريد بسعي الدهر سعاية أهل الدهر وإيقادهم نار الشر بينهما بالنمائم والوشايات، وأنه لما فترت أسواقهم بالتهاجر الواقع منهما، وارتفع مرادهم فيما طلبوه من الفساد بينهما، سكنوا. وكما أراد بسعي الدهر سعى أهل الدهر، كذلك أراد بسكون الدهر سكون أهل الدهر.

وقال:

بيد الذي شعف الفؤاد بكمتفريج ما ألقى من الهم
ويقر عيني وهي نازحةمالا يقر بعين ذي الحلم
للشاعر قيس بن ذريح، من قصيدة «ويقر عيني وهي نازحة»

الذي شغف القلب به من زعمه هو الله تعالى. ومعنى شعف الفؤاد: أصاب شعفته. وشعفة كل شيء أعلاه. وقوله (بكم) أراد بحبكم، ويقال: فلان مشعوف بكذا، إذا شغل قلبه به وأصيب. وارتفع (تفريج) بالابتداء، وخبره بيد الذي، على طريقة سيبويه، وعلى مذهب أبي الحسن الأخفش ارتفع تفريج بالظرف، والمعنى: بيد الله الذي ابتلاني بكم، وشغل قلبي بحبكم، كشف ما أقاسيه من الهم. وهذا للشاعر في الهوى على الضد ممن تقدم ذكره، لأن شكواه في نهاية القوة والعلو، كما أن التذاذ ذاك في نهاية الجدة والغلو.

وقوله (ويقر عيني وهي نازحة) يريد أنه يسره فيها على بعدها منه مالا يسر به عاقل. وإنما نبه بهذا على شدة تمنعها، وعلى قوة يأسه منها، حتى أنه مع البعاد إذا أخطر بباله شيئاً من أحوالها التي يشاركه فيها، عده مرزئة منها، واستمتاعاً بها. وقد شرح ذلك فيما بعده. وقد روى بعضهم: (بعين ذي الحلم) بضم الحاء، وليس بشيء.

إني أرى وأظن أن سترىوضح النهار وعالي النجم

لك أن تروى (أني) وتجعله في موضع الرفع بدلاً من (مالا يقر)؛ ولك أن تكسر إن، كأنك تستأنف شرح ما قدم، وتفصل ما أجمل. ويكون المعنى: بقر عيني أني أرى بياض النهار وعالي الكواكب بالليل، وهو أضوؤها وأعلنها، وأظن أنها تشاركني في رؤيتها، فأفرح بذلك، وهذا مما لا يفرح به عاقل، ولا يعتده لذة، ويروى والمعنى ما بينته، على غير هذا، وهو:

إني الذي سأظن أن سترىوضح النهار وعالي النجم

فيرتفع وضح على أن يكون خبر إن، وأتى بعالي النجم على أصله فضم الياء منها. والمعنى ذلك المعنى، إلا أنه زاد الظن تراخياً بإدخال السين عليه. ويروى:

إني أرى وأظن أن سترىوضح النهار عوالي النجم

فينتصب وضح على الظرف، وعوالي على أنه مفعول أرى. والمعنى: أرى الكواكب ظهراً، فيما أقاسيه من برح الهوى، وأظن أنها ستمتحن في حبها لي بمثل ما امتحنت في حبي لها، وأن أسباب الهوى تفارقني وتعود إليها، فترى مثل ما أرى، فأفرح بذلك وتطيب له نفسي، وهذا مما لا يفرح به عاقل.

ولليلة منها تعود لنافي غيرما رفث ةلا إثم
أشهى إلى نفسي ولو نزحتمما ملكت ومن بني سهم

نبه بهذا الكلام على تهالكه في هواها، وتناهى صبابته بها، وأن اليسير إذا عاد عليه منها عده كثيراً. وقد أظهر العفاف في بلواه، وأنه يتمنى ما يتمنى فيها حلالاً لا

حراماً، فيقول: ولليلة من أوقاتها تحصل لنا في غير فحش تذكر به، أو إثم تكتسبه، ألذ إلى نفسي وأطيب في قلبي من ملكي كله، ومن عشيرتي بأسرهم.

وقوله (أشهى إلى نفسي) في موضع المبتدأ، وهو ولليلة منها. وقوله ولو نزحت شرط فيما تمنى حصوله، وقد فصل بها بين أشهى إلى نفسي وبين ما ملكت أي وإن بعدت تلك الليلة فعادت إلى أولى أحوالها في التمنع علي والتفصى مني.

قد كان صرم في الممات لنافعجلت قبل الموت بالصرم
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة
ولما بقيت ليبقين جوىبين الجوانح مضرع جسمي
فتعلمي أن قد كلفت بكمثم افعلي ما شيت عن علم
للشاعر الحارث بن وعلة الرقاشي، اقرأ القصيدة

عاد إلى مخاطبتها، بعد أن تألم مما تألم، فقال يعتب عليها: قد كان لنا في الموت قطيعة وافتراق، لكنك لم تصبري إلى حين وقوعه، ولم تنتظري نزوله، فتعجلت الصرم قبل الموت، فلا جرم أن بين جوانحي داء يبقى مدة بقائي فيها، ويذيب جسمي، ويكسف بالي. وقوله (ولما بقيت) أدخل اللام الموطئة للقسم على مابقيت، وهو مصدر في موضع الظرف، لما يتضمن من معنى الشرط. وقوله (ليبقين جوى) جواب القسم المضمر، والكلام كأنه: لئن بقيت ليبقين جوى؛ لأن المعنى: ولمدة بقائي ليبقين جوى. فمحصول الكلام يعود إلى ذلك.

وقوله (فتعلمي أن قد كلفت بكم) يضعون تعلم موضع أعلم، إلا أن المخاطب ليس له في الجواب أن يقول تعلمت، لكن يقول: علمت. والمعنى: اعلمي كلفي بكم، وانحطاطي في هواكم، وكنه ما أقاسيه في حبكم، ثم آثرى في بابي ما أردت بعد علمك بالحال، لأن الذي أطلبه رضاك، ثم لا أبالي بما يلحقني من بقاء أو فناء، أو سراء او ضراء.

وقال آخر:

إن التي زعمت فؤادك ملهاخلقت هواك كما خلقت هوى لها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»
بيضاء باكرها النعيم فصاغهابلباقة فأدقها وأجلها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»

يقول: إن المرأة التي ادعت عليك ملال قلبك منها، وإعراضك عنها، ونيتك في استبدالك بها، خلقت هوى لك كما خلقت أنت هوى لها. والمعنى أن دعواها تجن منها، وتسخط لما يظهر من شعفك بها، وهي لك لا انفكاك لقلبك من عشقها، كما تدعي أنها لك بهذه المنزلة، فأنت تهواها كما أن تلك تهواك، لا مرية في ذلك ولا شك.

وقوله (بيضاء باكرها النعيم) يريد أنها نشأت في النعمة والنعمة، وأن خفض العيش رباها وحسن خلقها بحذق ولباقة، فجعل محاسنها مرتبة بين ما يستحب دقتها، وبين ما يستحب فخامتها. ومعنى (باكرها) سبق إليها في أول أحوالها؛ لأن البكور: اسم لابتداء الشيء؛ على ذلك باكورة الربيع. واللباقة: الحذق؛ يقال: هو لبق ولبيق، أي حاذق. ومعنى أدقها وأجلها: أتى بها دقيقة جليلة، فما يستحب دقتها منها مثل الأنف والعين والثغر والخصر جعلها دقيقة، وما يستحب جلالتها منها مثل الساق والفخذ والعجز والصدر جعلها جليلة. وهذا كما قال الآخر:

فدقت وجلت واسبكرت وأكملتفلو جن إنسان من الحسن جنت
للشاعر الشنفرى، من قصيدة «ألا أم عمرو أجمعت فاستقلت»

وكما قال:

يمانيه تلم بنا فتبديدقيق محاسن وتكن غليلا
للشاعر وضاح اليمن، من قصيدة «صبا قلبي ومال إليك ميلا»
حجبت تحيتها فقلت لصاحبيما كان أكثرها لنا وأقلها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»
وإذا وجدت لها وساوس سلوةشفع الضمير لها إلى فسلها
للشاعر بشار بن برد، من قصيدة «إن التي زعمت فؤادك ملها»

كأنها لما لامته في ملامه وظهور التسلي منه، هجرته وأقبلت لا تقبل تحية ولا ترد جوابها. فيقول: لما أعرضت وتحجبت عن رسلي، وأظهرت اطراح ودي، قلت متأسفاً ومتعجباً: ماكان أكثرها لنا حين كانت متوفرة علينا وما أقلها لنا الساعة وقد زهدت فينا هذا الزهد المسرف، وضجرت بنا الضجر المفرط. والذي استكثره واستقله هو نيلها وميلها. هذا إذا جعلت الضمير من (أكثرها) و (أفلها) راجعاً إلى

المرأة، ويجوز أن يرجع الضمير إلى التحية، والمراد: ما كان أكثرها لنا لو حصلت، إذ كان فيه مساك أرماقنا، وحياة قلوبنا. وما كان أقلها في نفسها. وهذا كما قال الآخر:

إن ما قل منك يكثر عنديوكثير ممن يحب القليل

وقوله (وإذا وجدت لها وساوس سلوة) يبين به استحكام حبتها في قلبه، وأنه كلما تداخله ضجر بدلالها وتأبيها، فحدت نفسه بالتسلي عنها والتصبر دونها، أقبلت دواعي الميل إليها، والأسباب المتسلطة على قلبه والمشتملة على لبه، ولها تشفع وتعصب، فنزعت ما خطر، بالبا من ذلك، وصارت شوافع الضمير أغلب على تدبيره، وأملك لمتصرفاته، حتى يصير الحكم لها، والغلب لقضاياها. وفي طريقته قول كثير:

أريد لأنسى ذكرها فكأنماتمثل لي ليلى بكل سبيل
للشاعر كثير عزة، من قصيدة «ألا حييا ليلى أجد رحيلي»

وقال آخر:

أما الذي حجت له العيس وأرتمىلمرضاته شعث طويل ذميلها
لئن نائبات الدهر يوماً أدلن ليعلى أم عمرو دولة لا لأقيلها
للشاعر قيس بن الملوح، من قصيدة «أما والذي حجت له العيس وارتمى»

افتتح كلامه بأما، ثم أقسم بالله، لأن الذي قصدت العيس بيته، وطلبت الحجاج الغبر الوجوه الطوال الذميل مرضاته، هو الله ﵎.

واللام من (لئن) هي الموطئة للقسم، وجواب القسم (لا أقيلها). والمعنى: والله لئن جعلت نوائب الدهر لي دولة على أم عمرو لعددت ذلك ذنباً لا أقيلها منه. فالضمير من لا أقيلها يرجع إلى النائبات، كأن لذته كان في الهوى، وأن يكون لتلك عليه البسطة في الأمر، والتمكن من التصريف فيما يسوءه أو يسره، فإذا تغير الأمر عن ذلك عدة شقاء وضرراً فادحاً. وهذا الوجه حسن. ويجوز أن يكون الضمير يعود إلى المرأة، فيكون المعنى: إنى إن صارت لي اليد عليها، وجعلت أملك من أمرها مثل ما تملك من أمري جازيتهاحينئذ بما تعاملني به كيل الصاع بالصاع، وتركتها لا أنعشها من صرعتها، ولا أقيلها عثرتها. وهذا المعنى وهذا المعنى إذا قايسته إلى ما تقدم ذكره كان

منحطاً عنه، وواقعاً دونه، وفيه إظهار العجز عن مكابدة الصبابة، والتصريح بسوء الملكة. ومثل هذه الطريقة لا يرتضيها أرباب الهوى، والحكام على مدعي العشق ولهم. ومعنى (أدلنني) جعلن لي دولة. ويروى: أدرن لي فينتصب دولة على أنه مفعول به. والدائرات كالدائلات لا فصل. ومن روى (أدلن لي) انتصب دولة على أنه مصدر، فيكون موضوعاً موضع الإدالة. ويقال: أدالك الله من عدوك، أي جعل لك عليه دولة.

وقال آخر:

وكنت إذا أرسلت طرفك رائداًلقلبك يوماً أتبعتك المناظر
رأيت الذي لا كله أنت قادرعليه ولا عن بعضه أنت صابر
للشاعر ابن نباته المصري، من قصيدة «تصدى إلى إيري فقلت له اتئد»

الرائد: الذي يتقدم القوم فيطلب لهم الماء والكلأ، ولذلك قيل في المثل: (لا يكذب الرائد أهله) لأنه إن كذبهم هلك معهم. فيقول: إنك إذا جعلت عينك رائداً لقلبك تطلب له مصب هواه، ومقلا لهوه وصباه، أتعبتك مناظرها في مطالبك، وأوقعتك مواردها في أشق مكارهك؛ وذلك أنها تهجم بالقلب في ارتياده لها على مالا يصبر في بعضه على فراقه مع مهيجات اشتياقه، ولا يقدر على السلو عن جميعه مع تذكر غرائب الحسن منه، فهو الدهر ممتحن ببلوى مالا يقدر على كله، ولا يصبر عن بعضه. والجناية فيهما للعين، لكونها قائداً للفؤاد إلى الردى وسائقاً، وهادياً لدواعي الحب إليه وحادياً.

وقد ألم بهذا المعنى أبو تمام حيث يقول:

لم تطلع الشمس المضيئة مذ رأتعيني خلال الخدر شمساً تغرب
لأعذبن جفون عيني إنمابجفون عيني حل ما أتعذب

وأبين من هذا قول الآخر:

ألا إنما العينان للقلب رائدفما تألف العينان فالقلب يألف

وقوله (رائداً) انتصب على الحال، وجواب إذا أرسلت (أتعبتك المناظر). وقد حصل خبر كنت فيه ومعه. وقوله (رأيت الذي) تفصيل لما أجمله قوله (أتعبتك المناظر).

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.