من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال الحكم بن عبدل
أطلب ما يطلب الكريم من الرزق بنفسي وأجمل الطلبا
وأحلب الثرة الصفى ولاأجهد أخلاف غبرها حلبا
يقول: مطالبى من الدنيا ومراغبي على حد من استعمال الكرم والتعفف، لايزري بي نظر الناظر إلي، لأني إذا طلبت أجملت، وإذا سدت مفاقري اكتفيت، ثم لاأعول فيما أزاوله إلا على نفسي، متهماً سعي غيري، وكل ذلك أبقى على مراعاة العفاف والكفاف.
وقوله: (وأحلب الثرة الصفي) يقول: أعلق طمعي بمن إذا استدر حلبه كان غزيراً، لأني لاأسف للمطامع الدنية، ولا أضع نفسي في المواضع الخسيسة. والثرة: الغزيرة. ويقال: عين ثرثار، إذا كانت كثيرة الماء. والصفى: الجامع بين محلبين في حلبة. وقوله (ولا أجهد أخلاف غبرها حلبا) انتصب الحلب على أنه مصدر في موضع الحال. والمعنى: أني لاأطلب الزهيد الحقير القدر، ولا أستدر البكى القليل الدر. والحلب قد يراد به المصدر، وقد يراد به المحلوب.
إني رأيت الفتى الكريم إذارغبته في صنيعة رغبا
والعبد لايطلب العلاء ولايعطيك شيئاً إلا إذا رهبا
مثل الحمار الموقع السوء لايحسن مشياً إلا إذا ضربا
قوله (إني رأيت الفتى الكريم) يقول: إن من تكرم عروقه وتزكو أصوله، إذا دعوته إلى اصطناع صنيعة، وهززته لابتناء مكرمة، أجابك حريصاً على استغنامه. وترى الدنى الخسيس الهمة والنفس لايطلب ارتفاعاً ولا يكسب ادخاراً، ولا يسمح بشيء إلا عن رهبة، فعل من لايبتغي في مصارفه حمداً، ولايقتني ليومه وغده
خلاً، فهو كالحمار السوء، الذي بظهره آثار دبر وقد ذلل في العمل، لايجيب إلا إذا استحث حتى يضرب، بلادةً منه وكسلاً. وقوله (لايحسن) موضعه من الإعراب نصب على الحال. وارتفع (مثل) على أنه خبر مبتدأ مضمر.
وقوله (مثل الحمار الموقع) يجوز أن يراد منه الذي في ظهره أثر الإكاف أو الدبر، ويجوز أن يراد به المذلل، كما يقال: طريق موقع. ويجوز أن يكون من وقعت الحديدة، إذا ضربتها بالميقعة، كأنه لبلادته يضرب كثيراً.
ولم أجد عروة الخلائق إلاالدين لما اعتبرت والحسبا
قد يرزق الخافض المقيم وماشد بعنس رحلاً ولاقتبا
ويحرم المال ذو المطية والرحل ومن لا يزال مغتربا
قوله (لم أجد) يريد أن مساك الخلائق الشريفة، ووثائق عراها، إنما هي إذا اعتبره المعتبر في الدين وعمارته، وفي الشرف وتحصيله. كأنه جعل طلب الحسب للدنيا وأسبابها والاعتلاء فيها، وجعل الدين للآخرة وتقديم ما يفوز به من رضا الله ﷿، والثواب الجسيم.
وقوله (قد يرزق الخافض المقيم) سلك فيه مسلك الآخر في قوله:
ماذا يكلفك الروحات والدلجاالبرطوراً وطوراً تركب اللججا
البيتين، وقد تقدما.
والخافض: الوداع الذي لم يحدث نفسه بتجوال وارتحال. فيقول: قد ينال الرزق الواسع من لايؤثر على الإقامة في وطنه شيئاً، وقد ترى قاطع الشقة البعيدة، وصاحب الرحل والمطية، الصابر على الغربة، محروماً مضيق العيش، مكدود العمر. والرحل: مركب البعير؛ والرحالة نحوه؛ وهوالسرج أيضاً. والقتب: إكاف الجمل، كذا ذكره الخليل. وقوله (ذو المطية والرحل)، الرحل: مصدر رحلت البعير، إذا شددت عليه الرحل.
وقال آخر:
يأيها العام الذي قد رابنيأنت الفداء لذكر عام أولا
أنت الفداء لذكر عام لم يكننحساً ولا بين الأحبة زيلا
يفضل أيامه الماضية على أيامه الحاضرة، فقال كالمخاطب لها: أيها العام الذي قد أتى بما يريبني، جعلك الله فداءً لعام أول من عامي، تقضى بما سرني. وقوله (عام أولا) مما ألف فيه كثرة الاستعمال، فوصف بصفة لم توصف به نظائره، اعتماداً على التعارف. والمراد بهذا أنه لم يقل شهر أول ولا حول أول، ول سنهة أولى، وإنما خص هو بذلك لكثرة الاستعمال، ولأن دلالة الحال وتعارف المتكلمينبه سوغ الحذف والإجراء على ما ألف قيه.
وقوله (أنت الفداء) يريد تكرير الدعاء على التضجر بحاضر وقته وعامه، والتنبيه على ما رابه منه. فيقول: جعلك الله فداء لذكر عام لم يعد بمنحسة، ولاحكم بين الأحبة بفرقة. وإنما قال (لذكر عام) لأن العام وقد تقضى لايصح فيه التفدية. والنحس: ضد السعد، وقد وصف به الغبرة والأمر المظلم. وفي القرآن: في أيام نحسات. ويقال: رجل منحس أي محزون.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع