تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال قيس بن الخطيم

وما بعض الإقامة في دياريهان بها الفتى إلا بلاء
للشاعر الربيع بن أبي الحقيق، من قصيدة «ألا من مبلغ الأكفاء عني»
وبعض خلائق الأقوام داءكداء البطن ليس له دواء
للشاعر الربيع بن أبي الحقيق، من قصيدة «ألا من مبلغ الأكفاء عني»
يريد المرء أن يعطى مناهويأبى الله إلا ما يشاء
وكل شديدة نزلت بحيسيأتي بعد شدتها رخاء
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

قوله (وما بعض الإقامة) إنما بعضها لأنه أشار إلى الإقامة التي أوائلها تنزاح معها العلل، ويسهل في اختيارها الانفصال والترحل، وأواخرها تتغير بما يعرض فيها حتى يشق لها التلوم والتلبث. وارتفع (بلاء) لأنه خبر المبتدأ، وهوبعض الإقامة، (ويهان بها الفتى) في موضع الصفة لقوله في ديار. فيقول: إذا أمكن الارتحال عن دار الهوان، ولادافع ولامانع يوجبا الصبر فالإقامة بها بلاء، ويجب على الحر طلب الانفكاك منه، وروم الخلاص من أذاه.

وقوله (وبعض خلائق الأقوام) يريد أن يعض ما يتخلق به الناس يتعذر مفارقته ومداواة إزالته، فهو كالداء الذي يكون بالإنسان وقد استصحبه من بطن أمه. يريد أن ما اعتاده الإنسان من الأخلاق يصير لإذا أتت الأيام عليه، وقوى الإلف له، كالخلقة أو ما يجري مجراها.

وقوله (يريد المرء أن يعطي مناه) معناه أن الإنسان يتمنى أن يحصل له ما يتعلق به شهوته، ويرتاده هواه وإرادته، ويمنع الله ﵎ إلا ما يكون بشيئته، ويعرفه من مصالح خليقته.

وقوله (وكل شديدة) يريد أن الشيء لايدوم على حال، فالشدائد إذا نزلت يتعقبها الخير ورخاء العيش وسعته، لأن لكل أمر أمداً يمد له الوقت، فإذا تناهى انقطع.

ولايعطى الحريص غنىً لحرصوقد ينمي إلى الجود الثراء
غنى النفس ما عمرت غنىوفقر النفس ماعمرت شقاء
وليس بنافع ذا البخل مالولا مزر بصاحبه السخاء
للشاعر النابغة الشيباني، من قصيدة «وليس بنافع ذا البخل مال»
وبعض الداء ملتمس شفاهوداء النوك ليس له شفاء
للشاعر قَيس بن الخَطيم، اقرأ القصيدة

قوله (ولا يعطى الحريص) يريد أن حرص الإنسان في طلب الغنى لايجدي عليه نفعاً، ولايقرب منه بعيداً، لأن ميسر اليسر والغنى هو من له الخلق والأمر، وإليه الإبرام والنقض.

وقوله (وقد ينمي إلى الجود) يريد أن الثروة والكثر هما ينميان مع الجود. وإنما يقدح بهذا الكلام في البخل والإمساك، وأن زيادة المال وبقاءه لايحصلان لهما وبهما. وقوله (إلى الجود) إلى بمعنى مع. تقول: هذا إلى ذاك.

وقوله (غنى النفس ما عمرت غنى)، يريد أن غنى النفس خير من كثرة المال؛ لأن من كان راضياً بماله، غنياً عن غيره بما يحصل في يده، تراه باكتفائه اغنى الموسرين، وفقير النفس وإن ساعده المال، وأطاعه القدر يزداد على مر الأيام وزيادة الحال، حرصاً ونهمةً وشقاء.

وقوله (وليس بنافع ذا البخل مال)، يريد أن البخيل لاينتفع بماله، لنه يجمعه ويتركه لغيره، والسخاء لايقصر بصاحبه، بل يرفع منه، ويكسبه الحمد والأحدوثة الجميلة.

وقوله (وبعض الداء ملتمس شفاه) جعل الداءللجنس فناب عن الجمع فقال: بعضها يعرف شفاؤه فيطلب إزالته، وداء الحمق لاشفاء له، ولامحيد لصاحبه عنه. وقوله (شفاه) قصر الممدود، وهذا لاخلاف في جوازه على المذهبين.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.