تجاوز إلى المحتوى

من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)

وقال محمد بن بشير

لأن أوجى عند العرى بالخلقوأجتزي من كثير الزاد بالعلق
خير وأكرم لي من أن أرى منناًخوالداً للئام الناس في عنقي
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «لأنْ أزجي عند العري بالخلقِ»

يصف رضاه بيسير الحظ من الدنيا، وعفافه عن كثير ما يستغني عنه فيتوقى، فيقول: لأن أتبلغ عند التعري باكتساء الخلق، وأكتفي من الزاد الكثير بما يمكن به سد

الفاقة - أصون لي وأرد على من أرى مننا معقودة في عنقي، مثقلةً لظهري، باقيةً على أعقاب الزمان للئام الناس عندي. والعلق: جمع العلقة، وهي اليسير من الشيء يتبلغ به ويعتلقه المحتاج إليه. ويجوز أن يكون من علق يعلق، إذا رعى. ومنه الحديث: (إن أرواح الشهداء لتعلق في الجنة) وتكون العلقة كالغرفة والطعمة وما أشبههما. وقوله (لأن أزجي) اللام لام الابتداء، وأن أزجى مبتدأ وخبره قوله (خير وأكرم بي).

إني وإن قصرت عن همتي جدتيوكان مالي لايقوى على خلقي
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «لأنْ أزجي عند العري بالخلقِ»
لتارك كل أمر كان يلزمنيعاراً ويشرعني في المنهل الرنق
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «لأنْ أزجي عند العري بالخلقِ»

نبه على تمام الظلف والعفاف إذا أخذ به الإنسان، فيقول: أنا وإن عجزت غنيتي عما توجبه همتي، وكان في حالي قصور عما يدعو إليه خلقي، معرض عن كل أمر إذا نلته رجع منه على أذكر به، ويوردني مشارع الكدر، فإذا صدرت عنها لم أتهنأ بشربي منها. ولك أن تروى: (في منهل الرنق) فيكون المنهل مضافاً إلى المصدر، ولك أن تروى: (في المنهل الرنق) بكسر النون فيكون صفة له. والمنهل: موضع النهل. والناهل: العطشان، والريان جميعاً. والوجد والجدة: مصدر وجدت، في المال. ويقال: شرعت في الماء، إذا خضت. وأشرعني فيه فلان وشرعني أيضاً. وفي المثل: (أهون الورد التشريع).

وقال أيضا:

ماذا يكلفك الروحات والدلجاالبرطوراً وطوراً تركب اللججا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة
كم من فتى قصرت في الرزق خطوتهألفيته بسهام الرزق قد فلجا
للشاعر ابن يسير الرياشي، اقرأ القصيدة

قوله (ماذا) لفظة استفهام، والمعنى الإنكار، ويجوز أن يكون (ما) مع ذا بمنزلة اسم واحد مبتدأ، ويكلفك خبره. ويجوز أن يكون وحده اسماً، وذا في موضع الخبر، ويكلفك من صلته؛ كأنه قال في الأول: أي شيء يكلفك، وفي الثاني: ما الذي يكلفك السير في الليل والنهار متصلاً، لاتفتر تركب البر تارةً، والبحر أخرى. والروحات: جمع الروحة، وهو يريد به السير رواحاً. والدلج والدلجة: السير بالليل. وقوله (طرواً) انتصب على الظرف، والبر انتصب بفعل مضمر دل عليه الفعل الذي

بعده. واشتقاق الطور من قولهم: لاأطور به، ومن طوار الدار، وهو ما كان ممتداً معها.

وقوله (كم من فتى) أفاد كم التكثير، والكلام خبر، والمراد: كثير من الفتيان تودعوا في منازلهم، وقصرت خطواتهم للسعي في طلب أرزاقهم، ألفوا قد نالوا ما غلبوا به المجد في الطلب، المتعب نفسه في التنقل. ومعنى فلج: غلب. وسهام الرزق، يراد به قداح الرزق، كأنه فاز لما خرج له من عند الإجابة بما غلب به مقامره ومزاحمه. ويجوز أن يري بسهام الرزق ما حظ له من الحظ، وأسهم له وقسم في الرزق.

إن الأمور إذا انسدت مسالكهافالصبر يفتق منها كل ما ارتتجا
للشاعر محمد بن بشير الخارجي، من قصيدة «ماذا يكلفكَ الروحات والدلجا»
لاتيأس وإن طالت مطالبةإذا استعنت بصبر أن ترى فرجا

يقول: استعن بالصبر في كل ما تزاوله وتراوده، فإن الأمور إذا انسدت طرقها، وأعيت الحيل في تحصيلها، فإن الصبر يسهل مدارجها، ويوسع موالجها، ويفتح ما انغلق منها، ويفتق ما ارتتق من أسبابها، ولا يتسلطن عليك من اليأس ما يفتر عزمك، أو يقصر سعيك، وإن دامت مطالبتك، واتصلت مواظبتك. واعتقد أن الفرج يتلقاك، والنجح بأقرب المنازل منك؛ فإنك إذا فعلت ذلك فزت بكل ما ترومه، وتعجل لك كل ما تهواه. وقوله (أن ترى) في موضع المفعول من تيأسن. وقوله (فالصبر يفتق) جواب إذا، وخبر إن الأمور في الشرط والجواب. ويقال رتجت الباب وأرتجته، إذا أغلقته، وباب مرتج ومرتوج. والرتاج: الباب نفسه.

أخلق بذي الصبرأن يحظى بحاجتهومدمن القرع للأبواب أن يلجا
أبصر لرجلك قبل الخطو موضعهافمن علا زلقاً عن غرة زلجا

يقول: إن مدمن الصبر في الأمور، وملازم التثبت والتلوم عند الخطوبحقيق بأن يظفر بطلبته، وبنجاح السعي في مرامه وبغيته. كما أن من أدام قرع أبواب

مداخله، وغمز مفاصل آرابه، حقيق بولوجه ووصوله، ومعرفة متيح ما يرجوه ومريحه.

ثم قال: وإذا سعيت في أمر فاعرف مواطىء قدمك قبل أن تعلوها، ومواقع خطوك قبل أن تعدوها، واقسمها بين نظرك واختبارك، وتحقيقك وحدسك؛ فإن من ركب مزلقةً عن غرة وغفلة، يوشك أن يسقط ليديه وفمه، وتزل به قدمه إلى قرار هلكته وحينه. والزلج: السرعة في المشي والسقوط وغيره. وفرس زلوج: سريع السير. وكذلك يقال قدح زلوج. ومزلاج الباب: الخشبة التي يغلق بها.

وقال آخر:

لججنا ولجت هذه في التغضبوشد الحجاب بيننا والتنقب
تلوم على مال شفاني مكانيإليك فلومي ما بدا لك واغضبي

كان هذا الشاعر اطلع من أحوال أيتام أخيهعلى ماساءهوأنف منه، ثم دعاه التحنن والإشفاق مما يتداوله الناس في مجالسهم من أحاديث البر والعقوق، وتصرفهم في صرف المقت إلى مستحقه، والحمد إلى مكتسبه، إلى أن أمر عبديه الراعيين بإراحة ما ردا إلى فنائه من مسارح إبله عليهم، فاغتاظت امرأته من ذلك وأنكرت فعله، وخوفته في أثناء ملامها بالفقر وهجرته، فأخذ يقتص ما كان منها ومنه فقال: تمادت امرأتي في الغضب والهجران، واللوم والإحتجاب، وكل ذلك منها في مالي شفاني موضعه الذي وضعته فيه، ومصرفه الذي صرفته إليه. ثم أقبل عليها مستهيناً بها وبفعلها فقال: إليك فلوميما بدلك. والمعنى: اجمعي أمرك واستمريي عتبك وغضبك ما بدا لك، فإن الرشاد فيما آثرته، والصلاح في قران ما اخترته. و (إليك): اسم من أسماء الأفعال هنا، كما يكون عليك، وعندك. ولذلك عطف عليه قوله (فلومي). و (ما بدالك) في موضع الظرف. وقد تقدم القول في أمثاله.

رأيت اليتامى لا تسد فقورهمهدايا لهم في كل قعب مشعب
فقلت لعبدينا أريحا عليهمسأجعل بيتي مثل آخر معزب
للشاعر السموأل، من قصيدة «رأيت اليتامى لا يسد فقورهم»
عيالي أحق أن ينالوا خصاصةوأن يشربوا رنقاً إلى حين مكسبي

يعني باليتامى أولاد أخيها المتوفي. يريد: رأيتهم لا تسد مفاقرهم ولا تقيم مختل أحوالهم، تحف توجه إليهم، وهدايا تحمل نحوهم في قعاب مشعوبة. يشير بذلك إلى ما كانت امرأته تتولاه وتأتيه من برهم وتفقدهم قبل ذلك. وفي قوله: (هدايا لهم في كل قعب مشعب) إزراء بصنيعها، وبالألبان المنقولة إليهم وظروفها. وجمع الفقور لاختلاف وجوهها.

وقوله (فقلت لعبدينا) يعني راعييه اللذين أمرا بسوق الإبل المردود من المراعي إلى فناء أولاد أخيه. وإنما ثنى على عادتهم في تثنية مزاولي أعمالهم، كالبائن والمستعلى في الحلب وما أشبههما. وقوله: (سأجعل بيتي مثل آخر)، يريد مثل بيت آخر وقد عزبت إبله وتباعدت، فإن عيالي ولهم كاسب مثلي أحق بمزاولة الفقر، ورثاثة العيش، والصبر على المشرب الرنق، إلى أن أكسب ما تعود به حالهم إلى ما ألفوه من الخطب والسعة، والخفض والدعة. ويقال: أعزب الرجل، إذا عزبت عنه إبله في المرعى.

ذكرت بهم عظام من لو أتيتهحريباً لآساني لدى كل مركب
أخوك الذي إن تدعه لملمةيجبك وإن تغضب إلى السيف يغضب
للشاعر قراد بن العيار المازني، من قصيدة «إذا المرء لم يغضب له حين يغضب»

يقول: تذكرت بهؤلاء الأولاد أباهم الذي لو أتيته محزوناً مسلوباً، ومتعباً بأعباء الفقر مبهوراً، لضمني إلى صدره، وشملني تضاعيف بره، وجعلني إسوة نفسه في كل ما أركبه، والمسعف بطلبته عند جميع ما أخطبه، لأن الأخ الكامل الأخوة هو الذي يشد أزرك، ويحمي ظهرك، وإن دعوته لنائبة تنوب أجابك سريعاً، وإن أعملت سيفك أعمل سيفه معه حثيثاً.

النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع

فهرس الكتاب

جارٍ التحميل…

من باب الأدب: قال مسكين الدارمي

التعليقات (٠)

سجّل الدخول لإضافة تعليق.