من «شرح ديوان الحماسة» للمرزوقي (ت ٤٢١هـ)
وقال بعض بني أسد (٥)
إني لأستغني فما أبطر الغنىوأعرض ميسوري على مبتغى قرضي
وأعسر أحياناً فنشتد عسرتيفأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي
ومانالها حتى تجلت وأسفرتأخو ثقة منى بقرض ولا فرض
يعدد في هذه الأبيات عاداته في حالتي الغنى والفقر، فقال: إني أنال الغنى فلا يكسبني أشراً ولا بطراً، لكني أشكر الواهب وأبقى على حالتي الأول، بل يقربني ما أناله من المتصلين بي، والمضمين إلى بسبب من الأسباب، فأعرض ما يتيسر لي عن طلاب قرضي، وأشرك من يمت إلى في الخير المتاح. وقد يتعقب الإيسار إعسار في الوقت بعد الوقت، فأصبر وإن اشتد عسري، وأسبل على نفسي جناح تحملي وتعففي حتى أدرك ميسور الغنى ونفسي معي، لم أبتذلها ولم أدنسها بتعريض أو تصريح لمفضل أطلب بهما عنده مطمعاً، وأجتلب مرغبا. وقوله: (وما نالها) يريد وما نال تلك العسرة أخ لي يوثق بوده لا بعارية ولا بعطية، إلى أن انكشف وفارقت.
وقوله: (أبطر الغنى) معناه أبطر في الغنى حتى أذهب عن سنن الشكر فأتجاوزه وأخلفه ورائي، غمطاً للنعمة، أو جهلاً بحق الصنيعة. وقال الله تعالى: وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها. وقوله (أعرض ميسوري) وضعه بلفظ المفعول للمصدر، يريد اليسر. ومثله ماله معقول. وضده حمل عليه وهو العسر، فقيل معسور. وإنما قال (ومعي عرضي) لأنه إذا صانهعن القبائح ولم يسلط عليه من يتملكه بهبة أو صلة، فكأنه معه لم يفارقه. ولو أجراه على غير هذا لكان مفارقاً له، وداخلاً في ملكه غيره.
ولكنه سيب الإله ورحلتيوشدى حيازيم المطية بالغرض
الهاء من قوله (ولكنه) يعود إلى الميسور الغنى. واستدراك النفي من قوله (ما نالها حتى تجلت) بقوله لكن، يريد: لكن الغنى المتجدد، وهو عطية الله ﵎، وتقلبي وارتحالي، وشدى حيازيم المطايا بالغروض. كأنه ذكر الأسباب التي يسرت له الغنى، وأنها لم تخرج من تفضل الله تعالى واجتهاده. وقوله (المطية) أراد بها الجنس، لذلك قال (حيازيم) وجمعها. والسبب: العطاء والمعروف، وكثر في الاستعمال حتى سمى الكنوز سيوباً، وقيل لكا تخرجه المعادن سيوب. والغرض والغرضة: البطان، وهو للبعير بمنزلةالحزام للدابة. والمعرض منه كالمحزم.
وأستنقذ المولى من الأمر بعدمايزل كما زل البعير عن الدحض
وأمنحه مالي وودي ونصرتيوإن كان محي الضلوع على بغضي
يقول: إني أتعطف على أبناء عمي، فأخلصهم من الشدائد، وآخذ بأضباعهم إذا زلت أقدامهم، فأقيمهم بعد أن كانت زلتهم كزلة البعير عن المزلفة. وإنما خص البعير لأن سقطته أفظع وأسرع في المزل. يقال: مكان دحض ومدحضة. ودحضت رجل البعير، إذا زلقت. قال:
وحدت كما حاد البعير عن الدحض
ومنه: حجتهم داحضة أي لا تثبت. ودحضت الشمس عن كبد السماء: زالت.
وقوله (وأمنحه مالي) يريد: أني بعد استنقاذي إياه أتوفر عليه ببذل المال، وإخلاص الود، وتقريب النصرة، وإن كان منطوياً على العداوة والبغضاء.
وقوله (محنى الضلوع) أي معطوفها. ويقال: حنيت الشيء وحنونه حنياً وحنواً، فهو محني.
النص من طبعة دار الكتب العلمية ببيروت (١٤٢٤هـ)، كما في المكتبة الشاملة، بعد حذف مقدمة المحقق وحواشيه. مصادر الموقع